الشيخ إبراهيم الغيث في حديثه الرمضاني ل الرسالة : إذا لم يرتدع العاصي في رمضان فمتى سيرتدع؟ لا يليق بالمسلم أن يظهر منه التأفف والضجر وهو صائم |
* حوار : يوسف بن ناصر البواردي
كلما هلّ علينا شهر رمضان,, شهر الخير والإحسان,, زادت الأسئلة والاشكاليات التي تواجه بعض المسلمين ويظلون في امس الحاجة لبيان حقيقة تساؤلاتهم ورأي الشرع فيها من اهل العلم,, ولأن النفوس في هذا الشهر الفضيل تتهيأ لتقبل النصح والتحذير كما أنها تقبل على الله بالمزيد من الطاعات والعبادات,, فإن المسلمين في هذا الشهر يحرصون على البعد عن ارتكاب المخالفات والمعاصي لذا تجد كثيرا من الالحاح حول بيان رأي الشرع فيها حتى لا يقعوا في ارتكابها.
وفضيلة الشيخ ابراهيم بن عبدالله الغيث وكيل الرئيس العام لهيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من العلماء الذين لهم باع طويل في مجال الدعوة والاحتساب حيث عرضنا عليه بعضا من الاسئلة التي تدور في اذهان الكثير من المسلمين لإزالة اللغط عنها وبيان رأي الشرع فيها,, فكان هذا الحوار:
في هذا الشهر فليتنافس المتنافسون
* في بداية حديثنا هل من كلمة للمسلمين بمناسبة هذا الشهر المبارك؟
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإنني أوصي نفسي واخواني المسلمين باغتنام هذا الشهر الكريم في القيام بالفروض كالصلاة والصيام والمسارعة في أعمال السنن التي سنها لنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كصلاة التراويح وبقية النوافل والصدقات وقراءة القرآن وغيرها من أعمال البر والخير, (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) وأوصي نفسي وإخواني المسلمين بأن يجعل المسلم هذا الشهر محطة توقف ومراجعة للنفس صادقة عن مدى التزامها بأمر الله تعالى وتصحيح للاخطاء والتجاوزات التي مر بها المسلم في حياته السابقة ويصبح ذلك وفق المنهج الشرعي والحرص على زيادة الأعمال حيث ان النفوس مهيأة لذلك وليكن لرب الأسرة دور ريادي في توجيه اسرته للتنافس في أعمال البر والخير والمسارعة في تأدية الفروض في أوقاتها مع الجماعة وعدم إشغال أهل البيت في اعداد الوجبات التي تقضي على الوقت وهو أثمن ما يحتاجه المسلم فوقته هو حياته فإذا لم يكن هذا الوقت قد استغل في طاعة الله وزيادة الاعمال الصالحة فإنه سيمضي كما مضى غيره من الأزمنة ثم يفاجأ الانسان بقدره وهو لم يكتسب من الأجر ما يحتاجه الأبناء على استغلال هذا الوقت في الاعمال الصالحة وتعويدهم على الخير وبذله في كل نشاط خيري مما يوافق إبداع ونشاط الابن بحيث يكون البيت كله مشتغلاً في اعمال الخير.
الصبر والاحتساب
* رجال الحسبة يعانون سنويا من مضاعفة الجهد وعدم التوفيق بين العبادة والعمل الذي يأخذ منهم جهدا كبيرا سواء في الأسواق أو غيرها، فما هو توجيهكم لهم لتخفيف المعاناة والتذكير بالصبر والاحتساب؟
رجل الحسبة قد قام بأمر عظيم عن الأمة فقد تحمل عنهم الفرض حيث اصبح عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين فعليه التقوى والعمل قدر الطاقة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أما عدم التوفيق بين العبادة والعمل فإن عليه ان يعلم ان ما يقوم به هو عبادة ومن اجل العبادات وأشرفها أليس هو رافعا راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فحينما ينوي بعمله القيام بالواجب وان ما يقوم به عبادة فكم سيكون له من الاجر العظيم الذي سيجده عندما يلقى ربه ويحتسب كل ما يصيبه من جهد وبلاء ومعاناة يرتجي الأجر والمثوبة من عند الله تعالى، فإنه سيهون عليه أي تعب ونصب، فعلى رجال الهيئة الجد والنشاط ومضاعفة الجهود لاسيما والعشر الأخيرة على الأبواب وستكون ليالي العشر ايام عطلة للبنين والبنات وسيكون هناك كثافة من الجنسين في الاسواق فعليه الصبر والاحتساب.
ظواهر لابد ان تختفي من رمضان
* هناك العديد من الظواهر التي يتفق أئمة المساجد على وجودها سنويا في شهر رمضان وهي:
حضور بعض النساء متبرجات ومتطيبات لصلاة التراويح.
لعب بعض الاطفال في المساجد وإزعاج المصلين.
* ما هو توجيه فضيلتكم لأئمة المساجد لمعالجة هذه الظاهرة؟
إن على الامام ان يجعل له أثراً في المسجد خاصة على جماعة المسجد المصلين معه بحيث يكون له أثر في إلقاء الدروس والمواعظ التي تفيد جماعة مسجده وأسرهم في داخل الحي ففي مقدم شهر رمضان تستعد المساجد لاستقبال النساء للصلاة في المسجد ويصاحب حضورهن عدة مخالفات تصدر من بعضهن فعلى الإمام ان يبين ذلك قبل دخول الشهر لأولياء الامور وكذلك في توزيع بعض الفتاوى والرسائل لأئمة وعلماء هذا البلد التي تحض المرأة على الستر والمحافظة على الدين وعدم الخروج من البيت الا لضرورة وكذلك بأن يخصص في رمضان بعض الدروس والمواعظ التي تحث النساء على الفقه في دينهن ومعنى الالتزام بالدين وان ينبه في محاضراته ومواعظه على ما يحصل من بعضهن من تبرج وتزين وتطيب عند الخروج للصلاة مما يحصل من ذلك من فتنة وان يكون هناك معالجة عملية للاطفال الذين يأتون المسجد فإن هؤلاء الاطفال لم يأتوا من أحياء أخرى إنما هم أبناء المصلين فيكون هناك حث للأولياء بعدم اصطحاب الأطفال الذين يحصل منهم إزعاج وضوضاء وان يجعل الامام له متابعة في المسجد لتتبع مثل حالة هؤلاء لكي يقضي على المشكلة وان يحث هؤلاء الاطفال عند قدومهم للصلاة بالدخول في الصلاة وان يفرق بينهم وأن يشجعوا على الالتزام بالأدب وحسن الخلق ومن يحصل منه خلاف ذلك يمنع من الحضور أما مع النساء فتحث النساء على عدم اصطحابهن للاطفال ويكون هناك متابعة مباشرة من الامام وبهذه المناسبة أذكر بقوله صلى الله عليه وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر) فالأولى عدم إحضار من تقل سنه عن سبع سنوات لغير ضرورة لئلا يشوشوا على المصلين والمصليات وتذكير النساء بقوله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا).
لا يليق بالصائم
التأفف والعبوس
* يلحظ الكثيرون ان نشاط بعض الموظفين يقل نهار رمضان بسبب الصيام وقد يصدر منه التأفف وعبوس الوجه فما هو المطلوب من الموظف المسلم ان يكون حاله حال صيامه؟
إن على المسلم ان يفرح بالعبادة وتأديتها وأن الله قدره على بلوغ هذا الشهر وقدره على صيامه فكم من إنسان توفي قبل بلوغه وكم من إنسان مريض لا يقدر على تأدية هذه العبادة فكيف يليق بالمسلم ان يظهر منه الضجر والتأفف حينما يكون صائما وهذا يرجع الى عدة اسباب لعل من أبرزها:
عدم استشعار عظمة هذه العبادة وانه يؤديها لله تعالى لا للبشر.
عدم تكييف نفسه وبرامج حياته وفق العبادة الشرعية المطلوبة منه فنجده مثلا يسهر بالليل وينام بالنهار ويهمل أعماله.
التزام بعض الأشخاص في الاستمرار على بعض المنكرات كشرب الدخان ممايكون له تأثير إذا تركه بسبب الصيام والعياذ بالله.
فهذه الأسباب وغيرها من الأسباب التي تجعل الإنسان يضجر ويتأفف حينما يكون صائما فهذا لا يليق بالمسلم وخاصة الصائم الذي يجب ان يكون كله حيوية ونشاط وتفاعل وأن ينظم وقته وحياته وفق ما هو مطلوب منه لكي يقوم بالواجب المطلوب منه وأن يكون مثالاً في الأخلاق والأداء.
أين الصوم والقرآن في قلب
صائم يعيش بين الفضائيات؟
* القنوات الفضائية عادة ما تبدأ نشاطاتها واستعداداتها قبل شهر رمضان كما تعلمون لإعداد برامج مكثفة لهذا الشهر الفضيل, ما هي نصيحتكم لمن يعكف على هذه القنوات ويضيع جل وقته تجاهها؟ وهل تحقق هذه القنوات وأمثالها معنى التقوى المذكور في آية الصيام والذي هو الثمرة (لعلكم تتقون)؟
نعم إن كلا منها بدأ نشاطه فلو لم يكن لها سوق لما بدأت وهذه من المصائب التي أصيبت الأمة المسلمة بها وذلك بقصور مفهوم الدين عند كثير من الناس وخلل في العبادة ونقص متناه وتسارع في المعاصي فإن طريق الآثام والذنوب يرقق بعضها بعضا فباستمرار العبد على المعصية تجره الى اخرى وهكذا فإذا لم يكن للعبد مراجعة مستمرة مع نفسه لتصحيح حياته وفق منهج الله فإنه سوف يستمر على المعاصي وعلى ذلك فإن على المسلم ان يعرف لماذا خلق وما هو عمره في هذه الحياة وما هي سنوات الصحة التي سيعيشها وهكذا فحينما يطرح على نفسه هذه الاسئلة وأمثالها فإنه سيعود بإذن الله ليصحح وضعه وليدع عنه التسويف الذي اقعد اصحاب الهمم عن العمل وأوقفهم في الوحل، وعلى ذلك فليعرف المسلم ان وقته مسئول عنه فكيف يضيع وقته في معصية الله, وهذا الوقت يتنافس فيه الصالحون في الأعمال الصالحة، فكيف يزكي الانسان نفسه وهو يعيش بين شياطين الجن والانس وأين الصوم والقرآن في قلب العبد الذي يعيش بين هذه القنوات التي كل ما تعرضه فيه مخالفة فليبادر هؤلاء الذين أضاعوا أعمارهم في متابعة المسلسلات والألعاب للاستفاة من وقتهم ومراجعة انفسهم لتصحيح مسارهم الذي هم بحاجة اليه وليتذكر القراء قول الله تعالى: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا).
إن لم يرتدع في رمضان
فمتى يرتدع العاصي؟
* نود من فضيلتكم ان تنصحوا من يجاهر بالمنكرات في رمضان سواء بالإفطار أمام اهله وزملائه أو من يجاهر بالمعاكسات او بمن يسمع الموسيقى وغيرها؟
إذا لم يرتدع العاصي في رمضان فمتى سيرتدع؟ هذا الشهر الذي تصفد فيه الشياطين ومردة الجن وإقبال الناس على الخير كلها دوافع وعوامل لهؤلاء العاصين بأن يقلعوا عما هم فيه من المنكرات وأن يبادروا الى التوبة وسؤال الله المغفرة وليحذر هؤلاء العاصون من عقوبة الله العاجلة وخاصة من يجاهرون فإن الله يمهل ولا يهمل وإذا أخذ الظالم لا يفلته فبادر أخي الكريم ما دمت في زمن المهلة بالتوبة والرجوع الى الله وليكن رجاؤك بالله كبيرا وذا قوة كبيرة في الاقلاع عن المعاصي والتمسك بالدين والثبات عليه والالتزام بأمر الله تعالى، واجتناب نواهيه وفقني الله وإياك لفعل الخيرات وجنبنا طريق الضلال.
خروجها فيه فتنة لها ولغيرها
* المعاكسات في الأسواق تزداد وبشكل كبير في ليالي رمضان لكثرة ارتياد النساء والفتيات لها، فما هي نصيحتكم لبعض النساء اللاتي يدخل الشهر ويخرج ولا همّ لهن الا التسوق وتضييع الأوقات؟
الحقيقة أن المعاكسات التي ظهرت وبدأت تنتشر بين الجنسين نذير خطر وبلاء إن لم يتدارك العقلاء الأمر بحزم وقوة للقضاء عليها وذلك للوقوف امام هؤلاء العابثين بأعراض المسلمين ولايتم ذلك الا بتضافر الجهود من الخطباء والأئمة والوعاظ والمربين من المعلمين والمعلمات لتبصير الناشئة بخطر هذا الأمر وحث أولياء الامور كل في موقعه للأخذ على من تحت يده بحزم لئلا يقع او يوقع غيره في هذا البلاء وذلك بأمر النساء من بنات وزوجات بالمعروف ونهيهن عن المنكر وعدم خروجهن إلا لضرورة كما قال تعالى: (وقرن في بيوتكن) وان لا يخرجن من البيت الا في حاجة ملحة وعند خروج المرأة تخرج برفقة محرمها وتكون متسترة غير متزينة ولا متعطرة وأن لا تلبس ملابس فاتنة ولافتة وتبتعد عن كل ما فيه إغرار بالرجال بحيث يكون كلامها ومشيها على مقدار حاجتها (ولا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) وعلى المسلمة ان تعلم أنها محاسبة عن كل عمل تقوم به فلتحذر من ان يكون خروجها فيه فتنة لها ولغيرها ولتحرص على استغلال هذا الشهر الكريم والاستفادة منه والمبادرة بالأعمال الصالحة التي تتضاعف، ولتجعل من بيتها إشعاع نور الهداية لها ولأسرتها فحينما تعلم المسلمة أن وقتها هو حياتها وتستذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمساً قبل خمس، حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك) فهذا جدير بإيقاظ القلوب لترتبط بالله عز وجل لتجعل كل أعمالها العبادية واليومية عبادة وذلك باستصحاب النية في الأعمال واستغلال الوقت فيما ينفع نفسها وبيتهأ وأمتها.
|
|
|