Friday 24th December, 1999 G No. 9948جريدة الجزيرة الجمعة 16 ,رمضان 1420 العدد 9948


من وحي المنبر
في قيام رمضان
معالي الشيخ الدكتور صالح بن عبدالرحمن الأطرم *

الحمد لله جعل من الأيام أياما سعيدة يصب فيها الخير على عباده صبّاً,, أحمده سبحانه أمرنا بالعبادة وهو غني عنها (وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبُدُون, ما أريدُ منهم من رزق وما أريدُ أن يُطعمون, إن الله هو الرزاق ذُو القوة المتين) وأشهد أن لا إله إلا الله يجازي الطائعين على طاعتهم والعاصين على عصيانهم (فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره) وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير من صام وقام وعبَدَالله حق العبادة ورضي الله عن صحابته الطيبين الصالحين.
أما بعد :
أيها المسلمون,, اتقوا الله ربكم، وقوموا بواجبكم وداوموا على طاعته وسارعوا إلى مرضاته (يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به) عن ابي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغِّب في قيام رمضان من غير أن يأمر به بعزيمة فيقول: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وعن عبدالرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل فرض صيام رمضان وسن قيامه فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه .
أيها المسلمون,, يشتمل موضوعنا الذي نتحدث فيه على مسائل:
المسألة الأولى: اتضح لنا من هذه الاحاديث كثرة طرق الخير ويسرها على من شرح الله صدره للاسلام، وجعل له نوراً يمشي به، فنهار رمضان ولياليه كلها أوقات بركة وخير وأوقات للاعمال الصالحة، تضاعف فروضها ونوافلها فهو مغنم للمؤمن ومغرم على المنافق فمن طرق الخير لهذه الأمة ما سنه لها رسول الله من قيام ليالي رمضان وهو ما يسمى بالتراويح ولم يكن في غيره من سائر ايام السنة وقد امرنا بأخذ وقبول ما جاء به الرسول وأن نتجنب ما نهى عنه قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا).
المسألة الثانية: حكم هذه التراويح انها ليست بواجبة وإنما هي سنة مؤكدة من شعائر ليالي رمضان لما يدل عليه قول الصحابي: كان يرغب في قيام ليالي رمضان من غير أن يأمر بعزيمة, والعزيمة هي الأمر المؤكد فعله بالوجوب, والخير كل الخير فيما رغَّب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم والشر فيما حذر عنه ونفر منه، يدل ايضا على سنتها قوله: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه , فهذا مقتضاه الندب دون الوجوب كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: وسننت قيامه.
المسألة الثالثة: أن أساس قبول الاعمال والثواب عليها الايمان والاحتساب، فعلى المسلم ان يجتهد بفعل النوافل رغبة فيما عند الله واتماما لما نقص من الفرائض.
المسألة الرابعة: معنى قوله: من قام رمضان أي قيام لياليه وليس المراد كل الليل وإنما المراد شيء منه.
المسألة الخامسة: عدد ركعات التراويح والجواب انه لم يرد عدد الركعات ولا وقت محدود فقد قيل في العدد احدى عشرة ركعة، وقيل عشرون، وقيل ست وثلاثون، فالقول الاول ما صرحت به عائشة رضي الله عنها: ما زاد الرسول صلى الله عليه وسلم على احدى عشرة ركعة لا في رمضان ولا في غيره.
القول الثاني: قول عمر رضي الله عنه حينما جمع الناس على إمام واحد وأمره ان يصلي بهم عشرين ركعة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ولأن عائشة لم تذكر انه نهى عن اكثر من احدى عشرة ركعة ومجموع هذه الاقوال يفيدنا ان الامر واسع وانه يرجع الى حالة الامام والمأمومين ومن صلى وحده فليصل ما شاء الله، وبفعل عمر اخذ الحنابلة وكثير من العلماء لان الصحابة حاضرون ولم ينكر عليه احد منهم وهي من النوافل التي تصلى جماعة كالكسوف والاستسقاء.
المسألة السادسة: وقت التراويح,, فأفضل اوقاتها بعد صلاة العشاء نظرا لاجتماع الناس واغتنام نشاطهم لان الانسان إذا نام يثقل عليه القيام وحينما جمع الناس عمر للتراويح بعد العشاء على إمام واحد قال: نعمت البدعة والبدعة ما حدث على خلاف امر سابق فإن درجت تحت الشرع فهي مستحسنة وان خالفت الشرع فهي مستقبحة, وفعل عمر موافق لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم حيث صلى في المسجد داخل الحصير واقتدى به أصحابه ثم ترك ذلك مخافة ان تكتب على أمته فيشق عليهم ولما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وانقطع الوحي امر عمر بالاجتماع في التراويح على إمام واحد فأصل هذه البدعة على حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن أراد ان ينفرد بالتراويح في بيته فليصل وحده وبأهله ان كان انشط له ومن أخر شيئا من التراويح او كلها إلى آخر الليل فهو افضل لقول عمر: نعمت البدعة وروي عن علي رضي الله عنه انه كان يجعل للرجال اماما واحدا وللنساء إماما.
المسألة السابعة: معنى قوله إيمانا واحتسابا,, قال النووي اي تصديقا بأنه معتقد فضيليته ومعنى احتسابا ان يريد الله وحده لا يقصد رؤية الناس ولا غير ذلك مما يخالف الاخلاص.
المسألة الثامنة: معنى قوله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر: بمعنى ازالة اثم هذا الذنب وعدم مؤاخذته عليه وفي بعض رواية الحديث وما تأخر بمعنى انه لا يقع منه ذنب او يقع مغفورا له، والمراد بالذنوب الصغائر عند كثير من العلماء لقوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تُنهَون عنه) وقوله: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة) وقوله صلى الله عليه وسلم: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر فالصغائر امرها خطير وقد يأثم صاحبها إثما عظيما وقد تؤول به إلى الكبائر فيما إذا ارتكبها الانسان من غير خجل او خوف وعدم مبالاة, فالنار من مستصغر الشرر ومن فضل الله سبحانه وتعالى انه يمحو عن المسلم ارتكاب الصغائر بفعل الحسنات (وأقم الصلاة طرفي النهار وزُلفا من الليل إن الحسنات يُذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين, واصبر فإن الله لا يُضيع أجر المحسنين).
المسألة التاسعة: معنى قوله خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه بمعنى انه لا ذنوب عليه كما انه سالم من الذنوب بسلامته منها وقت ولادته, عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: من شهد ان لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمداً عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق و النار حق أدخله الله الجنة على ما كان الله ورسوله من العمل .
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنةٍ عرضُها السموات والأرض أُعدت للمتقين) بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم, أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب.
* عضو هيئة كبار العلماء

رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

الثقافية

الاقتصادية

أفاق اسلامية

لقاء

رمضانيات

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

شرفات

العالم اليوم

تراث الجزيرة

الاخيــرة

الكاريكاتير




[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved