بالعزيمة والإصرار تحولت من مدمن إلى موظف بمستشفى الأمل يعالج المدمنين |
* الدمام ظافر الدوسري:
منذ صغره أدمن المخدرات ويتعاطاها بجرعات مكثفة وبشراهة مع شلة السوء حتى سمي في وقتها بالخلّاطة ، ومع مرور الأيام تدهورت صحته وبدأ ينكشف امام أسرته انه يتناول الهيروين واصبح قاب قوسين أو ادنى من الموت لولا ان نصحه اخوه الاكبر بالإقلاع عن هذا الوباء ودخول مستشفى الامل بالدمام ولم يستجب حتى أُدخل بالقوة وخضع للعلاج بعد رحلة 18 سنة مع انواع عديدة من المخدرات,, ولكن المبتلى يوسف الصالح قد منَّ الله عليه بالتوبة والاقلاع واكمل دراسته على نفقة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد رحمه الله واصبح موظفا رسميا ضمن الفريق العلاجي بنفس المستشفى الذي كان يتعالج به بعد ان حقق نجاحا في دورة بالمستشفى وحصوله على دبلوم من جامعة مينوسوناتا بأمريكا، وهو متزوج ولديه اربعة اطفال.
يروي بنفسه قصة الضياع
زرناه بمكتبه ليروي لنا تجربته مع الضياع وعالم الاوهام فقال: بداية وقوع الادمان عندما كنت ادرس بالمرحلة المتوسطة، كانت مرحلة ارهاب وضغوط نفسية بين مطالبة الاهل بالنجاح وبين صعوبة الدراسة بالصف الثالث متوسط واختباراتها بالاضافة الى انني اصبحت ما بين مطالب الاهل بتحقيق كل ما يريدونه وبين العلاقة الجديدة التي تعرفت عليها مع الشباب بالمدرسة.
قام احد الشباب بايصالي للمنزل بسيارته، وفي اثناء الطريق شرحت له حالتي وطلبت منه المساعدة والنجاة من صعوبة اختبار الرياضيات فذهبنا الى مكان مهجور بالصحراء طعوس واخرج لي اربعة حبات ابوملف وقال لي: هذه الحبات سوف تجعلك تحفظ الرياضيات باكملها فكانت لي كالمنقذ من الازمة التي اعيشها,وعندما رجعت للمنزل تناولت تلك الحبات حسب الوصفة الموثقة مما احدثت تأثيرا كبيرا جعلتني اوهم نفسي ان بداخلي شيئا لم اشعر به من قبل.
وعند فجر الاختبار اذا بمفعول تلك الحبات قد انتهى فلم استطع ان ادخل الامتحان فرسبت ولم استطع النوم، فذهبت لنفس الشاب واخبرته بأنني لا استطيع النوم لشعوري بالتعب والاجهاد فقال لي: ما يفك الحبوب الا الخمر فشربنا في ذلك المكان وعندما رجعت سبب لي احراجا كبيرا بين الاهل من حيث الرائحة وحركاتي، وفي اليوم التالي عدنا مرة اخرى للمكان المعتاد فقال لي: يوجد لدي شيء افضل من الخمر سيجارة الحشيش فتناولتها واحدثت بي امراضا كثيرة منها الوسواس والتشكيك والرهبة والخوف من نفسي ايضا.
وعندما اجتمعت مع مجموعة من الشباب اخبرتهم ان هذا الحشيش لا يناسبني فقال احدهم: لقد خرج بالمدينة شيء جديد اسمه الهيروين فانسقت له وانتقلت من مرحلة التجريب الى مرحلة الادمان لمدة 18 سنة انسان شرير لا اهاب شيئاً اعاني من مرض السيطرة، السيطرة في اي وقت وفي اي مكان بالمنزل بالشارع بالسجن، كنت لا امشي الا وأنا واقع تحت تأثير المخدرات.
خلاطة تلقف كل السموم
ويضيف قائلا: كانت شلة السوء التي رافقتها يسمونني بالخلاطة لأنني لا اضع حدا او وقتا في تناول المخدرات فكنت اتناولها بشراهة فعندما اذهب لأي مجموعة من الشباب شلة آكل اي شيء من المخدرات الموجودة في تلك اللحظة لديهم وهذه الحقيقة اسميها عملية انتحار.
وفي تأثر تذوب فيه الكلمات وتسيل فيه الدموع يسرد لنا يوسف الصالح احد المواقف المحزنة في حياته خلال تلك الفترة فيقول: لقد حدث وان متُّ في تلك الفترة ثم عدت للحياة في شهر رمضان عند الفطور مع شلة السوء وكنا قد تناولنا مخدرات وعندها توقف قلبي لفترة وتوقع الشباب انني قد متُّ، فقاموا برميي في برميل الزبالة القمامة ومكثت بها من الساعة السادسة وحتى ساعة فجر اليوم الثاني حيث انتهى مفعول المخدرات وعندها أُصيبت اطرافي بالشلل ومن ثم فتحت عيوني ورجعت لي الروح مرة اخرى فجلست انظر من حولي واسأل هل انا ما ازال علي الدنيا او بالآخرة، وبعدها بفترة بدأت اطرافي تتحرك وأول شيء وقعت يداي عليه جيبي ابحث فيه عن مخدرات كانت به ولم اجدها فعدت لمنزل الشباب الشلة مباشرة فتفاجأوا بعودتي وبدأوا يخافون ويقلقون مما سأفعله بهم فقلت لهم: أين المخدرات التي كانت بثوبي؟ ولم اسألهم من الذي رمى بي بالزبالة ولماذا؟!.
فكانت هذه نتيجة تعاطي المخدرات ورفاق السوء واشياء اخرى لا تخطر على البال ولا على الخاطر، وعندما انكشفت عند الاهل عندما بدأوا يتشككون في تناولي المخدرات واثبتها الهيروين ولم اخبرهم حتى استأصل مني وقلت لهم ان هذا غذائي لا يمكن ان اعيش بدونه فكنت اعمل المستحيل في الحصول عليه منها السرقة عدة مرات والغش والمراوغة مع الاهل بل انهم فقدوا اشياء كثيرة من المنزل,.
بداية مرحلة العلاج
سألناه عن بداية العلاج في مستشفى الأمل بالدمام؟ فأجاب: حاول اخي الاكبر اقناعي بضرورة الذهاب للمستشفى لتلقي العلاج فكنت متخوفاً ومتردداً واخذت افتعل لهم بعض المشاكل حتى في كل مرة حيث ادخلت 17 مرة ولكن بعدها أدخلت بالقوة لا أملك اية هوية البطاقة والرخصة والحفيظة كلها عند الشرطة ودخلت المستشفى بعد ان فقدت كل العلاقات الأسرية والاجتماعية ودخلت المستشفى والشرطة والمخدرات كانت تطاردني,.
كان علاج المستشفى قبل 7 سنوات بدائيا حيث يطالبونني بترك المخدرات وألا اشرب كحولا ما بين يوم وليلة وهذا الشيء كان صعبا جدا مع شخص مدمن لمدة 18 سنة فلم يكن من السهل ان اعترف انني مدمن، فكانوا يعطونني صعقات كهربائية من المعالجين مع زيادة التثقيف بالمخدرات ومعرفة اضرارها وزيادة الوعي الديني وعندها بدأت استبصر اضرار المخدرات، وحقيقية ان الشيء الكبير الذي ساعدني في الاقلاع بعد الله هو انهم جعلوني احس واشعر بأني موجود في الحياة ولي كيان ومكانة وعقل وممكن ان اتغير واعود لحياتي الطبيعية مثل الآخرين فتحسنت حالتي وأصبحت مواظباً على الصلاة وقراءة القرآن الكريم كما كان قربي من الله احد الاسباب المهمة في علاجي وسرعة استجابتي للبرنامج الطبي حتى كلفت بتولي مهام صندوق المسجد.
مرحلة التفكير بالزواج وتكوين الأسرة
عندما استؤصل الهيروين من جسمي واستكشف الأهل ذلك قرروا تزويجي اعتقادا منهم بأنني سانتبه لمستقبلي واترك المخدرات ولكن محاولتهم باءت بالفشل فالادمان بلغ مني مبلغه، أما زوجتي فكانت تدرس في تحفيظ القرآن الكريم للأطفال ولا تعرف شيئا اسمه المخدرات فكنت اراوغها واكذب عليها لدرجة انني اخذت منها الذهب والمجوهرات لاستثمارها في فتح بقالة فاشتريت بها مخدرات فقد صبرت وتحملت اشياء كثيرة واحمد الله انها ما تزال تعيش معي حاليا وتربي اطفالي اضف الى ذلك انها اصبحت مثقفة وفعالة بالمجتمع وفقها الله حيث ساعدت ولا تزال تساعد وتوجه الزوجات اللائي يشتكين من ازواجهن المدمنين.
حنان الوالدين ساهم في حجم المعضلة
ويضيف الصالح: أنا أقول دائما ان المدمن هو الذي اشعل النار بنفسه ولكن هناك آخرين ساعدوا في تمكين هذه النار، وأنا لا اظلم اهلي ولكنهم هم الذين ساعدوني في مواصلة تعاطي المخدرات لمدة 18 سنة، فكان والدي لا يتحدث إلي مباشرة وانما عن طريق الوالدة في أن لا ألبس البنطلون وأن لا أسهر كثيرا بينما والدتي تخلق الأعذار لي وتقول انني اسمع صوته بالليل وهو في الشارع,, وفي احد الأيام جاءني الوالد وحاول ان يصارحني وقررت ان اصارحه لكنه لم يذكر طوال حديثه اي شيء عن المخدرات وانما قال لي ثلاثة اشياء يا يوسف هل انت متخاصم مع احد من الشباب؟ هل احد يطالبك بفلوس؟ هل تورطت في علاقة مع احدى البنات وتريد ان نزوجك إياها؟ فامتنعت عن المصارحة فاستمريت في تناول المخدرات,, وبعد ان علموا بأنني مدمن اصبح عندهم خجل اجتماعي فيقولون مثلا: لا تخرج من المنزل لا نريد احدا يعرف انك مدمن من الاقارب او غيرهم، طالبوني بالعلاج والذهاب للخارج فكنت اطالبهم بمبالغ كبيرة فآخذها واسافر بها للسياحة والعبث فقد سافرت لمصر وعمان وتايلاند والهند وكلها عمليات مراوغة وتحايل عليهم لأن المدمن النشط من الصعب السيطرة عليه حتى ولو سافرت معه للعلاج.
وقدم ضيفنا نصيحة لكل والد يحرص على صحة ومستقبل ابنه هذه النصيحة:
اذا شك الوالدان في يوم من الايام بأن ولدهما يتعاطى مخدرات فلا يضيعوا الوقت وان يختصروا مسافة الطريق للعلاج بأن يحضر إلينا بالمستشفى ويعطى الفريق العلاجي الفرصة لمساعدة المدمن، لأن الوالدين لن يستطيعوا ان يخرجوا بنتيجة مثل ما يخرج بها الفريق العلاجي، وفي بعض الحالات نجد ان الشاب غير متعاط لكنه يملك مقومات الوقوع بالمخدرات منها صفات وسلوكيات المدمنين وتقليدهم وذلك من اثر الصحبة ورفاق السوء، وهذا ما حدث معي جلست سنة كاملة تقمصت سلوكيات المدمنين بعدها وقعت في تناول المخدرات.
أمنيات وأفكار وثناء حسن
وعبر يوسف الصالح عن امنيات تخالجه ويرغب في تحقيقها وقدم شكراً جزيلاً لمن ساعده وقال: أتمنى ان اصلح شبابا بعدد وحجم الذين تضرروا مني وذلك بمساعدتهم وتوجيههم، فأحمد الله انني استطعت ان ازور اغلب مدن ومناطق المملكة وعددا من دول الخليج العربي وكذلك دول اوروبا حيث القيت العديد من المحاضرات وشرحت لهم قصة رحلتي مع المخدرات ومن ثم العلاج، كما اتمنى من الله ان يحفظني وشباب الأمة وأدعو الله ان يحفظني ويعصمني من المخدرات، فأنا ما ازال اواصل برنامجا علاجيا وفي كل يوم سبت من كل اسبوع تؤخذ مني عينة واحرص عليها كثيرا لأن هذه العملية والتحاليل تمنع انك تفكر او تعود مرة اخرى مع المحافظة على الاذكار الدينية.
وكلمة شكر وامتنان لصاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بن فهد بن عبدالعزيز رحمه الله فكم تمنيت ان يسمعني لكن اعماله وانجازاته في شتى المجالات شواهد تنبض بالحياة بعد ان رسم طريقا قويما لشباب هذا الوطن الكبير، ولن انسى ذلك اليوم الذي وضع يده على كتفي في موقف الاخ مع اخيه وقال:
يا يوسف انت مريض ومستعدين أن نعالجك بأي ثمن وان ننفذ لك جميع طلباتك بشرط ان توعدني بمواصلة العلاج فقلت له: اريد ان ادرس بأمريكا، فقال: سوف تدرس على حسابي الخاص مما كان له دافع قوي وكبير في نفس الوقت اعاد إلي الروح في الحياة والعزيمة الأكيدة في مواصلة العلاج، والحمد لله استطعت ان اكمل دراستي والحصول على شهادة دبلوم في علاج الادمان، كما اقدم شكري لسعادة اللواء سلطان الحارثي مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات الذي كان يتابعني متابعة شديدة اثناء دراستي واثناء فترة علاجي، كما ان له جهوداً كبيرة في اقلاع اعداد كبيرة من الشباب عن المخدرات حيث يوجد عندنا بالمستشفى 650 متعافيا بفضل الله ثم بفضل جهود وحرص اللواء سلطان بل انه كان يدفع من جيبه الخاص وكلها في ميزان اعماله.
كما اشكر كل من ساهم في علاجي بداية بأخي وفقه الله ومرورا بزوجتي ثم جميع منسوبي مستشفى الأمل بالدمام وكذلك اهل الخير .
|
|
|