شخصيات قلقة هيلين كيللر 1880 1968م الصماء البكماء العمياء سفيرة الصفاء والسلام |
كثيراً ما يتملكني إحساس رهيب بالوحدة، كما يغشى الضباب الكون، كلما أتصور أني جالسة انتظر على باب الحياة، والباب مقفل امامي، ودونه الضور والموسيقى والصحبة الحلوة,, ولكن لساني لا ينطق بالشكوى,, ثم لا يلبث الامل ان يقترب مني باسما هامسا: هناك سعادة كبرى في انكار الذات ومقاومة الشدائد! فلهذا أراني أحاول أن أجعل شمسي الداخلية ضوءا لعيون الآخرين، وسعادتي النفسية بسمات على شفاههم,, هكذا تقول هيلين كيللر عن نفسها ملخصة فلسفتها في الحياة.
إنها الارادة الفذة التي جعلتها تملأ العالم حياة ونورا وإيمانا رغم كونها قد فقدت البصر والسمع وتعذر عليها النطق منذ الطفولة، وعاشت صراعا أليما ضد العاهة,, ضد كابوس الحزن واليأس,, وبدلا من ان تنعزل عن الحياة وتذوى اصبحت أُماً لكل بائس او محزون، وأدركت بفعل محنتها ما يعانيه الآخرون من محن، خاصة هؤلاء الذين انطفأت مشاعل آمالهم وكادت الكوارث ان تذهب بصبرهم واحتمالهم.
في بلدة توسكومبيا باحدى المقاطعات الامريكية ولدت هيلين طبيعية كأي طفلة صغيرة، لكنها وقبل ان تبلغ العامين اصيبت بحمى دماغية وأنقذها الاطباء من موت محقق إلا انها فقدت نعمتي السمع والبصر، وكُتب عليها ان تعيش في دياجير طفولة عابسة، وتتخبط بأيام داكنة متشابهة في كل شيء,, كل شيء حولها مجرد جدران طويلة سوداء ملساء,, لاتكاد تشعر بالوجود من حولها، وتحس في نفسها بضيق شديد ومكتوم لا تفصح عنه لاحد من العالمين.
ومن يحفل بطفلة عمياء، بكماء، صماء؟! الاجابة: لا أحد! عدا الأب النبيل الذي لم ييأس والذي قرر ان يهب ابنته نور البصيرة عوضا عن نور البصر، ولذلك جاءها بمعلمة من معهد بيركينز في بوسطن، كانت تدعى آن سوليفان، والتي سرعان ما تآلفت مع هيلين وأصبحت توأمها الروحي مدى الحياة.
صرخة الحياة
في البداية رأت آن أن هيلين أشبه بحيوان إنساني,, كتلة من اللحم الحي سريعة الغضب,, تنطرح أرضا وتضرب وتصرخ,, مستاءة دائما من نفسها وممن حولها,, وتضيق ذرعا بكل شيء، لكن حتى الصراخ لم تكن قادرة عليه تماما لتفرج به عن كربها!
وكان على آن أن تصبر وتتحمل، خاصة ان آلام الحياة قد انضجتها وجعلتها نداً للصعاب,, كانت مهمتها الأولى ان تجعل تليمذتها الصغيرة تكشف بنفسها القدرة على التعبير والاتصال بالعالم الخارجي، وسرعان ما اكتشفت نباهتها وحساسيتها المفرطة، ففي عام 1890م وهيلين في العاشرة من عمرها فاجأت مُدرستها آن مفأجة سارة حين طلبت منها ان تعلمها النطق بواسطة الكتابة وتدربها على اللفظ,, لقد علمت هيلين بقصة فتاة نرويجية عمياء صماء لكنها توصلت إلى النطق، فملأ الامل آفاق ذاتها,, لماذا لا تستطيع هي ايضا ان تنطق؟! وعاشت اياما عصيبة على احر من الجمر وبدأت مع معلمة أخرى تتعلم النطق,, وترفع يدها إلى وجه المعلمة وهي تنطق، فتتحسس ملامحها وموضع شفتيها ولسانها وتحاول ان تقلد حركتها لكنها فشلت,, ثم حاولت وفشلت مرة اخرى.
لكن عزيمتها كانت اشد اصرارا,, أشد عناداً,, إن هيلين تسعى لاسماع صوتها للعالم بأسره!! وبعد تدريب شاق، وبصوت غامض وكلمات مضطربة قالت اول عبارة في حياتها: الجو دافئ في تلك اللحظة احست كأنها تحررت من العبودية,, كأنها فرجت من سجن الصمت الرهيب، حيث لا كلمة محبة، ولا عبارة مودة تربطها بدنيا الناس,, أخيرا نطقت، أخيرا وبعد جهد سنوات توصلت إلى النطق السليم, وعن تلك التجربة تقول: كان الامل يحفزني على الاستمرار في الجهاد، وكثيرا ما كنت أردد في باطني بفرح كبير: لستُ بكماء الآن! حتى أختى الصغيرة، سوف تفهمني وتسعد بالاصغاء لاحاديثي.
تتكلم وتتكلم مع الاقارب والاهل,, مع معلمتها الرائعة آن,, تتكلم بكثرة حتى تتمرن على سهولة اللفظ والتعبير,, الآن تدفع بحملها إلى مرحلة اخرى، حيث الدراسة بمدرسة كمبردج للبنات، لتتخرج بعد دراسة الآداب عام 1900م كأنها إنسان آخر، فهي تجيد اكثر من لغة، كما تمكنت من الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة تعبل بفيلادلفيا، لتصبح استاذاً جامعياً وكاتبة من الطراز الانساني الرفيع، تؤمن بقيمة ان يكافح الانسان,, وان يناضل,, ولم يعد للحزن او القنوط مكان في قلبها,, ربما تكون حاسة الاتجاه ضعيفة لديها، ولذك فإنها تضل الطريق إلى دارها كثيرا، إلا ان حاسة الايمان لديها قوية وعميقة، حيث كتبت: إني لستُ كثيرة التفاؤل لأن الشر موجود بوفرة في العالم وفي نفس كل انسان وفيّ أيضا، كما اني لست متشائمة لان الخير موجود بوفرة في العالم,, ولكني أعتقد بأن الله يريد الخير لخلقه ان هم أرادوه لأنفسهم,, إنها تبحث عن اجمل ما في ذاتها,, وأجمل مافي نفوس الآخرين,, فلا غرو أن يتكاتف اصدقاؤها ومحبوها لاعادة تعمير منزلها بعد ان التهمته النيران اثناء غيابها في رحلة إلى اوروبا,, ولا عجب ان تصبح واحدة من اعظم نساء القرن ليس فقط بما تركته من مؤلفات نبيلة مثل قصة حياتي ، من الظلام ، اغنية الجدار الحجري ولكن بما تملكه من روح انسانية صافية وعميقة وآسرة، فأبداً لم تحزنها العاهة وأبداً لم تقنط من رحمة الله ربما كانت آلامها الرهيبة والمفجعة قد تبددت عندما رحلت ان سوليفان عن الحياة، ففقدت رفيقة الدرب، والمعلمة، والسند الحقيقي, لقد فقدت نصف روحها تقريبا، وتعرضت لهزة نفسية ما اقتضى ان تخضع لاشراف احد الاطباء, كان عظيما هذا الحزن، فلا فكاك منه إلا بعودة الايمان,, الايمان بقضاء الله وقدره,, الايمان برسالتها الانسانية، لتبدأ رحلاتها النبيلة تجوب اقطار العالم من مشرقه إلى مغربه وتزرع بستان الامل والنور في نفوس الحائرين والحزانى,, وفي كل مكان تذهب إليه تجد الترحاب البالغ والتصفيق العاصف الدافئ,, وحين سئلت عما تشعر به في تلك اللحظة اجابت: شعرت بالاهتزازات الصوتية تتصاعد من أخمص قدمي وهكذا اصبحت الطفلة العمياء البكماء عميدة للهيئة الاستشارية لمؤسسة العميان في امريكا,, وعضواً فخرياً في مؤسسة العلوم والآداب,, ومعجزة تمشي على قدمين بشعارها الدائم السلام للعالم والصفاء للناس ,,, !.
|
|
|