Friday 24th December, 1999 G No. 9948جريدة الجزيرة الجمعة 16 ,رمضان 1420 العدد 9948


أطباء النفس يكتوون بنار مرضاهم
لمن يلجأ الأطباء النفسيون لعلاجهم وحل مشكلاتهم

* من جاور الحداد يكتوي بناره، وأيضا الطبيب النفسي يكتوي بنار مرضاه، ويتأثر بالعديد من الامراض النفسية والحالات المرضية التي يقوم بعلاجها، لان الطبيب النفسي من اكثر الاطباء التصاقا بمرضاه وبمشاكلهم، يفرض عليه عمله مشاركتهم الشعور والهموم، لذا فهو اكثر عرضة لحمل المرض حيث تنتقل إليه العدوى بسهولة ولهذا كانت اعلى نسبة انتحار في العالم بين الاطباء النفسيين حسبما يؤكد الدكتور عادل صادق استاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس ولكن لمن يلجا الطبيب النفسي لحل مشاكله! وهل يستطيبع علاج نفسه ام يكابر ويرفض الذهاب إلى زميل له.
حول هذه التساؤلات التقينا بعدد من كبار الاطباء النفسيين الذين تحدثوا عن متاعبهم وطريقتهم في حل مشكلاتهم وكيف يلجؤون للعلاج إذا مستهم أية أمراض؟
يقول الدكتور يسري عبدالمحسن (أستاذ الطب النفسي بكلية طب القصر العيني): ان الطبيب النفسي يتفاعل مع الحياة بعقله وفكره ووجدانه,, ويتأثر بأحوالها المختلفة كما انه يتفاعل مع مرضاه بكل احاسيسه ومشاعره مما يجعل ذهنه مرهقا بشكل دائم, ولهذا فالطبيب النفسي يحتاج إلى فترات طويلة من الراحة والهدوء والصمت أحيانا, لكن هذه الفترات لا تتوفر دائما لأغلب الاطباء النفسيين.
وعن نفسي يقول د, يسري عبدالمحسن: تطاردني هموم المرضى بشكل مستمر، وتلاحقني حتى في منزلي فكثيرا ما أعود إلى منزلي مرهقا من العمل ولا أجد وقتا كافيا للاستماع الى مشاكل ابنائي، ولهذا يجب ان يكون لزوجة الطبيب النفسي دور كبير في رعاية الابناء,, والاهتمام بالاسرة وحل مشاكلها,, وان كانت طبيعة عملي كطبيب نفسي تمنحني قدرة كبيرة على تجنب حدوث المشاكل فضلا عن التعامل معها بطريقة سليمة في حالة حدوثها, ولكن إذا كانت هناك مشكلة معقدة وتتطلب اللجوء إلى رأي الآخرين واستشارتهم، فإنني استشير زوجتي او اصدقائي المقربين او الجأ إلى زميل يتفهم الامور جيدا، وفي هذا السياق لابد من اعلان لحظة الضعف الانسانية، لان هذا مفيد جداً من الناحية الصحية والنفسية، أما المكابرة فغير مفيدة على الاطلاق.
العجز والاكتئاب
بينما يرى الدكتور عادل صادق استاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس ان مشكلة الطبيب النفسي تختلف عن اي انسان آخر,, لان هموم الناس تستغرقه وتستهلك كل طاقته النفسية، فعليه ان يتحمل هموم من يلجؤون إليه، وعليه ان يجد الحلول لمشاكلهم,, ومن ثم ينبغي عليه ان يعايش هموم الناس ومشاكلهم وكأنها همومه ومشاكله الخاصة.
وإذا كانت هذه مسؤولية ضخمة في حد ذاتها فهناك المشكلة الضخمة الاخرى وهي ان الطبيب النفسي ربما لا يجد من يسأله العون إذا واجهته مشكلة شخصية بل انه يتحملها وحده,, كي لا يظهر امام الناس ضعيفا او عاجزا عن حل مشاكله الشخصية و,,,إلا,, كيف يساعد الناس وهو عاجز عن مساعدة نفسه,,, ؟!
وأحيانا يصاب الطبيب النفسي بالاكتئاب,, لان الاكتئاب معد,, وانا اقضي نصف يومي على الاقل,, مع مرضى مكتئبين قلقين، مما يؤثر علي في نهاية اليوم بل احيانا تستغرق مشاكل الناس الطبيب النفسي اثناء نومه ولهذا استطيع ان اجزم ان الطبيب النفسي هو اكثر الناس عرضة للاصابة بالمرض النفسي,, لذلك كانت اعلى نسبة انتحار في العالم بين الاطباء النفسيين,, وبشكل شخصي عندما اجد نفسي في مواجهة مشكلة خاصة اعجز عن حلها بمفردي,, الجأ إلى استشارة اصدقائي المقربين جدا.
الاعتراف
ويرى د, محمد شعلان استاذ الطب النفسي بجامعة الازهر,, انه من الافضل للطبيب النفسي ان يمارس مهنته بأطراف احاسيسه والا يندمج مع مشاكل المرضى للدرجة التي تؤثر عليه سلبيا وعلى الجانب الشخصي يضيف د, شعلان:
لم أشعر يوما ان الاعتراف بمشكلة ينتقص من قدري كطبيب نفسي سواء كان الاعتراف لصديقي او لزوجتي التي اقول بالفعل انها تقوم بدور الطبيب النفسي معي, وفي احيان اخرى اقوم بحكم خبرتي الكبيرة بتشخيص مشكلاتي ووضعها في حجمها الطبيعي.
أما الدكتور جمال ماضي أبو العزايم فيقول لم يؤثر عملي كطبيب نفسي على حياتي الشخصية او العائلية بشكل سلبي، بل على العكس تماما فقد كانت زوجتي قبل وفاتها تشاركني الرأي في بعض الحالات التي اعالجها وتهتم كثيرا بمجال عملي,, ولي سبعة ابناء يعملون في نفس المهنة وكلهم ناجحون في عملهم,, ومن وجهة نظري ان اهم مشاكل الطبيب النفسي هي التعامل احيانا مع مرضى شديدي الخطورة.
أما د, عمر شاهين رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي فيقول: ان الطبيب النفسي يلجأ له المرضى من جميع الفئات والاعمار ومنهم من يلجأ باختياره ومنهم من يلجأ مرغما.
والسؤال عن (لمن يلجأ الطبيب النفسي؟) ليست اجابته يسيره لان المشكلات نفسها شديدة التعدد فأحيانا يحلها الطبيب بنفسه واحيانا يؤجلها واحيانا اخرى لا تكون قابلة للحل.
والطبيب النفسي هو في المقام الاول انسان وبالتالي لابد ان يتفاعل في حياته الشخصية مع مشكلاته وينفعل بها, لكنه كطبيب يتعامل بشكل يومي مع المرضى وهنا تكمن الخطورة، وبالتالي ينبغي على الطبيب ان يجعل بينه وبين الموقف العلاجي خطا فاصلا, لان دوره كناصح او موجه او معالج لا يقتضي بالضرورة ان يدخل في المشكلة او يتوحد معها وكلما زادت خبرات الطبيب كان اكثر تحكما في الموقف, بحيث يضع هذا الخط الفاصل، ومع ذلك ففي بعض الحالات قد يتأثر او يتعاطف الطبيب مع شخص في همومه واحزانه رغما عنه، لكنني في النهاية اؤكد على ضرورة وجود ذلك الخط الفاصل بين الطبيب وبين مشكلات مرضاه, وان يتحكم جيدا في عواطفه,, لانه لو تركها على سجيتها لتتعاطف مع كل الحالات المرضية التي تصادفه، فإنه لن يصبح طبيبا نفسيا.
ويبدو ان كثيرا من الاطباء النفسيين يقعون في هذا المحظور لان الاحصائيات تذكر ان الاطباء النفسيين هم من اكثر الفئات المهنية عرضة للمرض النفسي,, وأنا لا أضع تقريرا للاسباب التي قد تكون وراء هذه الاحصائية لكن لعل السبب الرئيسي هو تعرضهم لضغوط نفسية اكثر من غيرهم.
ترنيمة ياسين

رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

الثقافية

الاقتصادية

أفاق اسلامية

لقاء

رمضانيات

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

شرفات

العالم اليوم

تراث الجزيرة

الاخيــرة

الكاريكاتير







[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved