أبو العتاهية وأصناف الجن:
قال أبو العتاهية:
يا عَتبُ مَن لم يبكِ لي مما لقيتُ من الشقاء بكت الوحوش لرحمتي والطير في جو السماء والجنُّ عُمَّارُ البيوتِ (م) بكوا وسُكَّان الهواء |
قال أبو عبدالرحمن: ورد في حديث حسن على أقل تقدير أخرجه ابن أبي عاصم: ان الجن ثلاث اصناف: منهم من يطير في السماء، ومنهم من يرحل ويظعن، ومنهم حيات وعقارب.
***
ظنون بشرية حول النية الشرعية:
سيأتي في المرافىء الظاهرية جمل من مباحث النية عند أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله ، وهي من نماذج فقه اهل الرأي تجاه النص المحدّد، وليس الهدف من هذه الجمل تقرير الحكم الشرعي على طريقة العلماء في الفقه المقارن (فقه الخلاف)، وانما الهدف إبراز جانب من الفكر الجدلي البشري ويأتي شيء من الفقه وآلته عرضاً تجاه حجج اهل الاثر التي توصف بانها نقلية اتباعية؛ لنرى في النهاية: هل ذلك الجدل الفكري يخرج اهل الاثر، وهل اثريتهم خالية من قائد فكري مسبق؟!,,, وأعني بالقائد الفكري براهينهم واصولهم الفكرية العتيدة التي أنتجت ضرورة التسليم للنص دلالة، والاستسلام له انقيادا واداء ,, ونموذج هذا الاسبوع مذهب فقهي نقل عن ابي الهذيل زفر بن الهذيل العنبري التميمي البصري الحنفي (110 158ه) وقد اختلف الراوون في النقل عنه,, قال الإمام ابو محمد ابن حزم ( 456 ه):
قال زفر بن الهذيل: من صام رمضان وهو لا ينوي صوما، بل نوى انه مفطر في كل يوم منه الا انه لم يأكل ولم يشرب ولا جامع : فإنه صائم ويجزؤه (1) ,, ولابد له في صوم التطوع من نية (2) .
قال أبو عبدالرحمن: زفر حسب هذا النقل عنه قد أوجب النية في صوم التطوع، ولم يقل: انها مشروعة في صوم رمضان الا انها غير واجبة,, بل قال: يجوز صوم رمضان ويصح بغير نية الصوم,, اي لم يقل: بغير نية وحسب,, بل قال: بغير نية الصوم,, فقيد، ولم يطلق.
وساق شمس الدين السرخسي رحمه الله هذا المذهب لزفر (خلال الحديث عن مسألة: من صام شهر رمضان المبارك تطوعا وهو يعلم به ، أو لا يعلم) واحتج له بحجة تنطبق على القول بصحة صوم رمضان بلا نية، ولا تنطبق على القول بصحة صوم رمضان بنية غير نية الصوم.
قال ابو عبدالرحمن: انطباق الاحتجاج على الدعوى مسألة غير مسألة صحة الدعوى بذلك الاحتجاج.
قال السرخسي ( 482ه): أصل النية شرط لاداء صوم رمضان الا على قول زفر رحمه الله تعالى وحجته: ان المشروع في زمان رمضان صوم واحد؛ لان الزمان معيار للصوم، ولا يُتصوَّر في يوم واحد الا صوم واحد، ومن ضرورة استحقاق الفرض فيه انتفاء غيره؛ فما يتصور منه من الامساك في هذا اليوم مستحق عليه لصوم الفرض؛ فعلى اي وجه اتى به يقع من الوجه المستحق,, وهو نظير من وهب النصاب الذي وجبت فيه الزكاة من فقير: جاز عن الزكاة وإن لم ينو (3) .
قال ابو عبدالرحمن: أعود الى تأكيد ما أسلفته عن هدفي، وأنه ليس تحقيق مسألة فقهية، وانما هو بيان منهج من مناهج الاستدلال من الفقه البشري في مواجهة الفقه الشرعي الرباني، والملاحظة من وجوه:
أولها: ان شمس الدين السرخسي رحمه الله اجمل مذهب زفر؛ إذ لم يجعل النية شرطا لاداء صوم رمضان، ولم يذكر مذهبه عن اجزاء الصيام بنية الفطر؛ فالمسألة هاهنا عن اسقاط النية وحسب، ولا يتعدى ذلك الى احداث نية مغايرة.
وثانيها: العبارة التي نقلها عنه السرخسي غير محققة، وهي قوله: المشروع في زمان رمضان صوم واحد ,, وليس هذا بصحيح حسا وواقعا، بل المشروع في زمان رمضان عدة ايام لا تزيد على تسعة وعشرين يوما، ولا تنقص عن ثلاثين يوما، وخلال زمان رمضان لياليه، وهي جزء من المسمى داخل في الاسم، وليست محل صوم.
وثالثها: عاد زفر رحمه الله فيما نقله عنه السرخسي الى تحديد زمان رمضان بصوم اليوم من رمضان؛ لانه قال: ولا يتصور في يوم واحد الا صوم واحد وهذا ينافي ما اسلفه من قوله: المشروع في زمان رمضان صوم واحد ؛ فالعبارة غير محققة ، بل ينقض آخرها اولها.
ورابعها: قوله: الزمان معيار للصوم جملة غير محققة ايضا، لان الزمان ظرف لا معيار ، وانما المعيار تحديد المدة من الزمان بعدد مضبوط او علامة معروفة كادبار النهار من المغرب ، وادبار الليل من المشرق.
وخامسها: ان قوله: المشروع في زمان رمضان صوم واحد يعني صوم واحد في كل يوم من ايامه حسب آخر عبارته : لايعني ان النية ليست شرطا، فلا علاقة بين دعواه وما اعتدّبه حجة لها,, اعني علاقة دال بمدلول عليه، فالشاهد على الدعوى معدوم فيما اعتبره حجة.
وسادسها: قوله : لا يتصور في يوم واحد الا صوم واحد تفسير لما اعتد به حجة، وهو قوله: المشروع في زمان رمضان صوم واحد ,, وليس تفسيرا لوجه الشاهد مما جعله حجة.
وسابعها: يوم الصوم اجزاء: عدة ساعات، وضحى، وظهر، وعصر، فيتصور من اليوم اكثر من صوم واحد بعرف اللغة على اساس التجزئة، فلم يبق الا القول: بان الصوم الشرعي يشمل اليوم كله من اذان الفجر الى غروب الشمس؛ فلا يتصوّر اكثر من صوم شرعي واحد في اليوم الواحد.
وثامنها: ما دامت احالة التصور متعلقة بالصوم الشرعي فالمرجع لاعتبار الشرع وحكمه، ولا مدخل لظنون البشر في ذلك: فان صح في الصوم بخصوصه اشتراط تبييت النية فيكون الاعتراض بالآراء مكابرة للشرع,, وان لم يصح ذلك في الصوم بخصوصه فالصوم من الاعمال الشرعية، وقد تواترت النصوص على ان احكام الاعمال تبع النيات، وتواترت النصوص باشتراط نية الاخلاص (تمييز المقصود بالعمل)، وصح النص وتحتمت ضرورة الفكر باشتراط نية تميز العمل المقصود؛ فيحصل الفرق بين العادة والعبادة، والواجب والنفل,, إلخ,, ولا نخرج عن هذا الا بدليل شرعي على اسقاط النية في الصوم بذاته ,, اذن اعتراض الفقه البشري مكابرة للشرع، ودعوى عليه بلا برهان، ومخالفة لضرورة الفكر بظنون الآراء.
وتاسعها: يقال: من الصحيح ما قاله زفر: لا يتصور في يوم واحد الا صوم واحد ,, ولكن ذلك الصوم الواحد لا يكون صوما شرعيا الا بنية تميّز المقصود بالعمل، وتميز العمل بالمقصود.
وعاشرها: قال زفر: ومن ضرورة استحقاق الفرض فيه اي فرض الصوم الواحد في اليوم الواحد انتفاء غيره (اي انتفاء غير فرض رمضان المحدد له ذلك اليوم)؛ لان المتصور الامساك في يوم من رمضان هو المستحق عليه من صوم فرضه؛ فبأي وجه أتى به يقع من جهة انه فرض (4) اي بنية وبدون نية .
قال أبو عبدالرحمن: هذه دعوى نتيجة من غير امر منتج بصيغة اسم الفاعل ؛ لان الفرض شرعا ان يكون العمل بنية؛ فينتفي في صوم اليوم من شهر رمضان بالنية غير فرض صوم رمضان: من صوم لغير الله، او تقية، او تطوع ، او قضاء، أو طلب للصحة,, اذن لا ينتفي غير الفرض الا بنية الفرض لله سبحانه, ونفي تصور غير رمضان في يوم رمضان مكابرة حسية، بل لا ينتفي التصور الا بنية يعلمها الله ويحاسب عليها بمقتضى الايمان,, اما بمقتضى الاسلام فيحكم للصائم في رمضان باداء الركن والخروج من العهدة؛ لانه ليس بوسع الخلق معرفة النيات,, قوله: فعلى اي وجه أى به ,, الخ محادة للشرع الذي لم يطلق هذا الاطلاق؛ بل قيد الاعمال بالنيات.
وحادي عشرها: قوله: وهونظير من وهب النصاب,, إلخ .
قال أبو عبدالرحمن: هذا من الاحتجاج للدعوى الباطلة بدعوى باطلة، وليس هذا من معطيات الفكر، ولا من اعتبارات الشرع، ولهذه الجمل نماذج في مرافئي (5) ان شاء الله.
***
عواطف غامضة:
كان يوسف وهبي قدرة قلمية نادرة، وقد اختلس من عمره الفني بعض الاعمال الادبية التي ألّفها، ولا سيما ما يتعلق بالسيرة الذاتية، وهو من اسرة سرية؛ فوالده عبدالله وهبي باشا من ابرز شخصيات مصر، وما انماع في المسرح والسينما الا بعد صراع مرير مع اسرته، وكان مهيأ له ان يكون سريا ادبا وسياسة,, عبر يوسف وهبي في ومضات التسلية الفنية, على ان من سمع نبرته العذبة، ورأى تكيّف ملامحه مع الحدث بلا تكلف، واستمتع بقلمه: لود من اعماقه ان لم يعبر فنيا، وان يخلد فكريا ,, وله مما أسلفته عن النبرة والملامح ما يجعله قطبا يؤسس مدرسة ادبية او فكرية.
وابن عبدالوهاب خلد فنيا، ولكن عشاق الفصاحة وامجاد النبر اللغوي العربي يتمنون لو خلد ادبيا، وقُدّ له خيمة من أدَمٍ في اي مجمع كعكاظ يلقي نفائس الشعر العربي منذ الشريف الرضي ومهيار الديلمي الى شوقي والمهندس بأمتع واجمل نغمة ونبرة اظنها سر الاعجاز في بلاغة العرب وحلاوة منطقهم,, لئن كان فصحاء الجاهلية وما بعدها يتحدثون بمثل نغمة ابن عبدالوهاب: فان اسماع العرب لمحظوظة يومها,, اما مساحة الحرف، واما تأتِّي كل حرف من مخرجه، واما الابداع في النبر: فلا شك ان ذلك هو حديث العرب الذي يشهد به تقعيد المقرئين في التجويد، وتقعيد الصرفيين في صفات الحروف ومخارجها، وتقعيد البلاغيين عن اوجه الفصاحة.
وكا فريد شوقي يتمدد على السرير في مرض موته كما اظهرته شاشة التلفاز ، وكلما افاق (نطقا لا وعيا) ردد بتنهد كلمة: يارب,, وانا اذكر امجاد وحش الشاشة، وهي امجاد عبرت كحلم ليل، ولا تستعاد الا للتسلية,, وآخرون كثيرون امثال هؤلاء يقفزون الى ذاكرتي في مشاعر غامضة من تقديري لأعمال دنيوية رائعة، وخوفي عليهم من افلاس روحي اخروي، ثم بعد ذلك يتعبني ويعجزني الجواب العاجز الحائر امام سؤال لحوح:
اتجتمع متعة الجمال والفن وجاذبيتهما مع ثراء الروح؟!!
الا انني كلما حاولت التماس جواب متفائل غلبني شعور يائس قانط يصوغ لي عبارة الجواب بكلمة: لا!!
***
ما كل من تغزل متيّم:
يقول ابن الرومي:
ما بالها قد حسنت ورقيبها أبدا قبيح,, قبح الرقباء ما ذاك الا انها شمس الضحى أبدا يكون رقيبها الحرباء |
قال ابو عبدالرحمن: هذا داخل في حسن التعليل بلاغة، والفراغ لمثل هذا التخيل دليل على تجوال فكر بخياله، وبرودة عاطفة من اشجانها، وذلك تغزل وتمثل، وليس غزلا ولا حرقة ولا تدفق عاطفة، كما نجد ذلك في كبرياء اراك عصي الدمع او ذوبان وعدمية صاحب الاطلال من اطلاله,, والله المستعان.
الحواشي:
(1) قال أبو عبدالرحمن: اختار كتابة الهمزة على الواو على خلاف من يكتبها على نبرة؛ لأن الضم لها، ولان الضم اقوى من الكسر.
(2) المحلى 4/286.
(3) المبسوط 3/59.
(4) قال ابو عبدالرحمن: تصرفت في العبارة بما يقرب فهمها، ولا غضاضة في ذلك مادمت اسلفت العبارة بنصها.
(5) قال أبو عبدالرحمن: جرى أهل الرسم على كتابة مرافئي هكذا مرافىء بياء واحدة,, وذلك خطأ فاحش؛ بل الياء الاولى غير منقوطة نبرة للهمزة، والياء الثانية منقوطة، وهي حرف مد.