لما هو آتٍ تراكمية الفن الراقي د,خيرية إبراهيم السقاف |
الفن الراقي يخاطب العقل بمثل ما يخاطب الإحساس، لذلك فهو مدرسة لتهذيب الحس، وتنقية الفكر، وبلورة المفاهيم، والتَّجلية عن غوامض الأمور في كل ما يمكن أن يعترض الإنسان، فيقوم الفن في مجاله، وفي محاوره، وبأساليبه المختلفة بعمليات المعادلات التي تؤتي ثمارها عندما تصل رسالته وتؤثر في الناس ومنهم هذا الإنسان الذي اعترضته تلك الأمور.
والفن الراقي لا يصل إلى تحقيق الأهداف منه، ما لم يمر بمراحل نمو متفاوتة، فالخبرات فيه تراكمية بمثل ما هي في التحصيل العلمي، والثقافي، والعملي؟,, فما لا يُكتَسِبُ بالتطبيق نتائجه، يكتسبها بالممارسة,,, من هنا ظهرت في الفترات الزمنية ذات الحقب المتفاوتة والمتراكمة نماذج فذة من الفنانين سواء من المسرحيين،أو الممثلين أو المخرجين، أو السينمائيين، أو التشكيليين، أو الرسامين، أو العازفين، بها والمغنيين، مع اختلاف تقبل أي نمط من هؤلاء لدى أي نمط من الناس، على أي توجُّه أو في أي دور، وتخطى ذلك إلى فناني الكلام من روائيين وشعراء وقاصين وكتاب مقالة أدبية فكرية فنية إلى الرسامين التشكيليين، إلى ,,, وإلى، ومن ثم إلى الكاريكاتوريين سواء رسامين بالكلمة أو بالشكل,,.
ولكل من هذه الأنماط الفنية معاييره التي تضعه في صف المفيد الناجح، أو غير ذي التوفيق في نجاح فكرة أو أداء.
ويظل الفن الراقي يشمل كلَّ عمل من هذه الأعمال التي يتاح لها توافر عوامل أو عناصر نجاحها فتصل إلى متلقيها فيحكم لها أو عليها.
والفن إذا أُريد له أن يحقق أرباحاً من أرصدة النجاح يتحرى مؤَدّوه أو واضعوه عوامل نجاحه، فمن عوامل نجاحه، قدرته على الابتكار والتجديد وصنع الثوب الذي يخرج فيه مطرزاً في اتقان متوافرا فيه كل ما فيه قدرة الجذب، وأول هذه القدرات واقعية الطرح مع تلمس تفاصيل احتياجات المتفاعل معه، كي يجد الأسلوب الأدائي له قادراً على مناقشته، وليس من الضرورة أن تكون المناقشة علنية، فليس الفنان والمتلقي في ساحة محكمة ما لم يمتثل الفنان إلى محكمة نجحت أو فشلت أو لست هنا ولست هناك , والحريص من الفنانين على أن يكسب ود كل من يتعامل معه، عليه أن يخاطب في الإنسان الذي يتلقى عمله عقله، وحسه، وحاجته، فإن هو فعل في الأول مخاطبة العقل فما عليه إلا اختيار الموضوع أي الفكرة أي المادة التي لابد أن تقابل حاجة المخَاطَب، فإن هو استطاع مخاطبة الحاجة عنده إذن فهو قد بلغ بلمس حسه، والتعبير عما يجيش فيه,، يبقى الأداء الذي عنه يتحقق هذا الثالوث المقدَّر، والذي هو مناط الفنان ، ومسئوليته.
ولأن هذا التكامل الثالوثي لا يتحقق بشكل جيد ما لم يكن الفنان قد مر بمراحل خبرة، وخضع للتوجيه،وللتدريب، واعترك الصعاب في أمر صقل قدراته وتنمية جوانبها، واتمام حاجته مما يدخل في إطار هذه التنمية، فإن عليه أن يتحلَّى بالصبر، والروية، وعدم الإسراع في الحث وراء النجاح، أو اكتساب المادة، أو لمعة الشهرة، ذلك لأن النجاح له ضرائب وليس ضريبة واحدة ما لم يدركها، ومالم يؤدها الفنان فإنه سيفشل، ولأن المكاسب الأخرى من تقدير المتلقي ، والمردود المادي، والوضع الاجتماعي الذي لاينافسه فيه أحد، وإن نافسه فكل في مجاله لا يأكل لقمة الآخر، لا تتحقق دون الوعي بذلك والعمل له بكل حرص.
ولعل أخطر ما يواجه الفنان من عوامل فشله هو تلاعبه بمقدراته أمام متلق حذق، وكذلك تلاعبه بقدرات المتلقي,,, إن هو قدَّم له عملاً مرتجلاً، هشاً، يعتمد على المتسطّح من الأفكار، في أداء بهلواني، يتلاعب فيه بالصورة أو الكلمة، بالصوت أو الضوء، باللون أو الفكرة، بالحركة، أو سواها.
ولأن الفن الراقي مدرسة للذوق، وللحس، وللتغيير الإيجابي، ولأنه المدرسة التي تحقق الدافعية نحو التهذيب، والتغيير، والبناء، والتفسير، والحل، والتَّجلية، والبناء، و,,,الخ ,,, فإن ليس كل من استأنس في نفسه رغبة في أن يلج من بواباته قادراً على تحقيق ذلك، أو لابد أن تفتح له الأبواب على مصراعيها.
ولعل المجتمعات في بداياتها تتقبل كل من يطرق أي باب كي يلجه إلى أن يستوي ما ينفع الناس بعد أن يذهب الزبد جفاء، إلا أنها في الزمن الراهن الذي استوى بتراكمية خبراته، وبرسوخ تجاربه الإنسانية الفريدة، والعديدة، والمتواصلة لم نعد نتقبل الارتجال، والتسطّح، والغوغائية، وعدم النضج، فيما يقدم له من أنواع الفن وأنماطه، فإن ألف حساب لابد أن يُوضع قبل أن تُسلَّم مفاتيح العبور لكل من يُلقي بنفسه في الدرب ولكل من يقف يطرق على أبوابه.
إن خطوات كبيرة ومهمة لابد أن يخضع لها كل من يريد أن يتعامل بأي شكل من أشكال الأداء الفني، بأي نمط من أنماط الفن، قبل أن يحتك بالمتلقي، ذلك لأن المرحلة تقتضي احترام خبرات المتلقين، بما يقابل ذلك من تدريب لمقدرات المُعطين على أي شكل,,, كي يكون الفن على مستوى المرحلة التي لا تقبل الإضحاك السَّاخر من فراغ، أو إجهاد الذهن وراء كيف أصبح هذا الفن مُتاحاً قبل أن يُحقق تراكمية خبروية كافية لإنضاجه.
|
|
|