(2)
* حضرنا رمضان، الشتاء، اثناء الدراسة في الجامعة بالرياض، عدة سنوات.
* كانت الجامعة قد ألغت السكن، فسكنَّا مجموعات في بيوت، مستأجرة، حفلت بكل ما تحفل به، مساكن الطلاب، من مُتع، ومضايقات، ومتاعب.
* كان (سالم) هو طباخنا العتيد.
* وكان (الطبخ) بالنسبة ل(سالم) تهمة لا ينكرها,, وموهبة لا يدعيها.
ولكنه كان يجمعنا في مطبخه الشهير في ساعات ما قبل السحور نتدفأ بنيران طبخه ونراقب مذهبه السريالي في الطبخ، وصيغه الكيماوية الشهيرة الخاصة التي يحول بها (الشوربة) الى (جريش).
والكفتة الى حصى، والرز إلى اسمنت.
* الاستيقاظ لمحاضرات الصباح كان ثقيلا,, على النفس,.
فليس أصعب من ان تجر نفسك من تحت بطانية دافئة,, وأنت تترقب يوما,, بارداً طويلا، وتحمل في ذهنك كوابيس طبخة (سالمية),, لا يخفف منها,, او يغير طعمها في فمك حتى فنجان قهوة.
* كانت أمسيات رمضان دافئة,, صعبة,, مزدحمة بين جدران غرفنا الصغيرة وفي جوار مدفأتنا الكهربائية الرخيصة.
وعلى قفشات الزملاء عن محاضرات الصباح وعن بعضهم البعض.
ومع ذلك فقد كان البرد، والمذاكرة يحتجزاننا بين الجدران لفترات طويلة، ويحرماننا من ازدحامات السوق الرمضاني وصخب لياليه.
* أذكر تلك الأيام فتحضرني من رمضان في تلك الدار الصغيرة أركانها الباردة المعتمة، وروائح الطبخ في ممراتها، وضجيج الازدحام في غرفها الدافئة المختنقة وتوترات الاستعداد لامتحانات نصف السنة.
* وأتذكر دعوات الإفطار التي كان يتكرم علينا بها بعض الاصدقاء والمعارف في بيوتهم,, لنطعم فيها وجبات رمضانية منزلية محترمة، ينقذوننا بها ولو مؤقتا من حكم الاطعمة الشاقة التي كان ينفذها فينا (سالم) العتيد.
* في الجزء الشمالي الغربي من الولايات المتحدة الامريكية تأتي العتمة مبكرة حتى قبل الموعد المحدد للإفطار فتجمع الصوم والإمساك وظلام يفترض أن تفطر فيه.
* كثيرا ما كانت تأتينا ساعة الإفطار في كافتيريا الجامعة، والكافتيريا في اوائل المساء مكان متعب,, مجهد,, كئيب,, تختلط فيه روائح طعام الظهيرة بقتامة وجوه تحمل على اكتافها عبء يوم طويل مضن، لا تنتظر إلا مساء من (الوحدة) والحنين الى الاهل او الضيف من الاصدقاء، او التحسر على قصة حب فاشلة.
* في ركن قصي من الكافتيريا, كنا نتناول إفطارنا,, كوب بلاستيكي مملوء بقهوة قديمة لعلها من بقايا قهوة الظهيرة وكعكة سكر او قطعة شوكولاتة، وجرعات ماء.
* كانت (سالي) طالبة التربية البدنية الشهيرة تجلس على طاولتها المفضلة بالقرب من ركننا وتصر على ان تسألنا كل مساء.
هل صحيح أنكم لا تأكلون ولا تشربون طيلة اليوم؟
ويجيبها زميلنا الملقوف:
لا نأكل,, ولا نشرب, ولا نعمل اشياء كثيرة,, يمنعني رمضان من شرحها لك.
ويضيف زميل آخر متضايقا من (لقافتها).
الحديث مع نساء فضوليات,, غريبات,, يفسد الصوم.
وتفهم (سالي) وتعود الى كتبها,, ولكنها تنسى,, فتكرر السؤال كل مساء.
* لا يعرف فرق الصيام في رمضان شتائي امريكي,, الا من جرب الصوم في الصيف هناك.
فالنهار يسمح لك ان تنهي محاضراتك وتعود الى بيتك,, وتصرف حتى بعض الوقت للاعداد لوجبة إفطار مقبولة بعيدا عن (سالي) وأمثالها.
* لذعة العطش وبعض من القيظ تسترد ذكريات رمضان الطفولة والإحساس ب (الجهد) يعطيك شعورا بالاطمئنان والرضا.
والمساء المتأخر,, يعطيك وقتا للاسترخاء الروحي، واستنشاق رائحة العتمة الرمضانية المتأنية.
* رمضان شهر خير وبركة دائما.
وهو (رمضان) في كل الاماكن ولكل الفصول,.
لكن يظل رمضان (الطفولة),, البعيد هو (رمضان) الأثير.
* وكم من (رمضان) صامه,, وسيصومه الفتى، ويظل حنينه دوماً ل (رمضان) الأول.
أنور عبدالمجيد الجبرتي