د, إبراهيم العساف وزير المالية والاقتصاد الوطني في حفل جائزة التصدير الاقتصاد السعودي وتحديات المرحلة المقبلة رؤية لشراكة بين القطاعين العام والخاص |
قال معالي وزير المالية والاقتصاد الوطني في الحفل الذي نظمته الغرفة التجارية الصناعية للمنطقة الشرقية بمناسبة جائزة التصدير إنني أنتهز هذه الفرصة الطيبة لأهنئكم بحلول شهر رمضان المبارك سائلاً المولى عز وجل أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، كما أشكر الغرفة التجارية الصناعية بالمنطقة الشرقية دعوتهم لي للحديث إليكم في هذه الليلة المباركة.
لعل حديثي إليكم يخرج عن الطابع التقليدي لمثل هذه الأحاديث ، وسأحاول أن استعرض معكم رؤيتي كمواطن في المقام الأول وكمسئول في المقام الثاني لعدد من القضايا التي تواجه اقتصادنا الوطني وسبل معالجتها ودور القطاع الخاص في ذلك وعلاقته بالقطاع العام.
نستذكر ونحن نعيش مئوية التأسيس بارتياح الخطوات المتميزة التي خطاها اقتصادنا الوطني في مجال تنمية المواطن السعودي ، حيث قامت الحكومة من خلال قيادتها للنشاط الاقتصادي بالعبء الأكبر في هذا المجال فقد وفرت الدولة المرافق والخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية للمواطنين دون تحميلهم تكاليف تذكر، انعكس ذلك جليا في انخفاض معدلات الأمية ومعدلات وفيات الأطفال، وزيادة توقعات الحياة وارتفاع مستويات المعيشة، حتى أصبحت مستويات المعيشة في بلادنا تضاهي مستواها في كثير من الدول المتقدمة وعلى الرغم من هذه الجوانب الإيجابية إلا أن اقتصادنا لا زال يعاني من الحساسية لما يحدث في الأسواق الخارجية خاصة الأسواق النفطية نتيجة للاعتماد على الإنفاق الحكومي ومن خلفه الإيرادات النفطية كمحرك رئيسي لمختلف الأنشطة الاقتصادية وشيوع أنماط استهلاكية اتسمت في أحيان كثيرة بمظاهر الترف واختلال هيكل قوة العمل في البلاد.
لقد أدت زيادة الإنفاق الحكومي نتيجة لتزايد الطلب على الخدمات الحكومية مع انخفاض الايرادات العامة جراء انخفاض أسعار النفط إلى بروز ظاهرة العجز المالي في الميزانية العامة منذ عام 1403ه، وقد قامت الحكومة حرصاً منها على استمرار النهج التنموي الطموح بالسحب من الاحتياطيات، لكن استمرار العجز لسنوات أطول مما كان متوقعاً حتم أن تلجأ الحكومة إلى وسائل بديلة تمثلت في إصدار سندات الدين الحكومي لتمويل العجز، مما أدى إلى ظهور الدين الداخلي، ولا يخفى أن الدين العام يفتح باباً إضافياً للإنفاق العام كما أن الاقتراض الحكومي يزاحم القطاع الخاص في سوق الاقتراض المحلي.
إن ظروف وطبيعة اقتصادنا الوطني تقتضي رسم سياسات جديدة يمكن من خلالها التعامل مع المستجدات بكفاءة وفعالية، وتجاوز الآثار السلبية التي تحدثها الهزات الاقتصادية الخارجية كما تتطلب معالجة على المديين القصير والطويل فعلى المدى القصير لا بد من العمل على ترشيد الإنفاق الحكومي وهذه ليست مسئولية وزارة المالية والاقتصاد الوطني فقط بل مسئولية كل إدارة حكومية.
فالمطلوب هو أن تراعي الجهات الحكومية المختلفة مبدأ فاعلية النفقة، والذي يتضمن النظر إلى العائد من كل ريال ينفق، كما ينبغي العمل على رفع أداء وكفاءة الإدارة الحكومية من خلال تطوير أساليب العمل ومعالجة البطالة المقنعة، وتعاون الأجهزة الحكومية في هذا الجانب مهم فالنظرة التقليدية لوزارة المالية على أنها الجهة الوحيدة المعنية بتدبير الموارد المالية والرقابة على صرفها ينبغي أن تتغير، صحيح أن هذا هو دور الوزارة في إطار تقسيم العمل الحكومي لكن هذا الدور لن يكتمل ولن يؤت ثماره المأمولة دون تضافر جهود كافة الأجهزة الحكومية وفي الواقع يلاحظ ان التوجه ايجابي في هذاالمجال.
في الوقت الذي نحتاج فيه العمل بفعالية وكفاءة لترشيد الإنفاق، ينبغي لنا النظر بجدية نحو تطوير قاعدة الإيرادات المحلية لتساهم في تخفيف درجة الاعتماد على الموارد الخارجية والصدمات الناجمة عنها، ومن ذلك تعزيز الجهود لتحصيل الإيرادات المقرة وتطوير نظام ضريبي فعال يسهم في تعزيز قدرات السياسة المالية وليكون مصدراً من مصادر تمويل الإنفاق العام على المدى الطويل وليصبح أداة توجيه وتصحيح للنشاط الاقتصادي الخاص.
وتفرض حساسية الموضوع دراسته بشكل متأن وعميق لكي يحقق الهدف المرجو منه.
تتطلب استراتيجية المدى البعيد عملاً دؤوباً ومتواصلاً لتطوير قدراتنا الاقتصادية لكي نتمكن من التكيف مع الصدمات الخارجية، وفك الارتباط الكبير بين الميزانية العامة وما يحدث في الأسواق النفطية العالمية، وهذا لن يتم إلا من خلال العمل على إعادة هيكلة اقتصادنا بهدف إحداث تغيير هيكلي في بنية الاقتصاد لضمان اضطراد مسيرة التنمية وتحويل دور الدولة من دور المنتج المباشر للخدمات ذات الطبيعة التجارية إلى التركيز على دور الموجه والمصحح لمسيرة الاقتصاد، وتعتمد إعادة الهيكلة على محورين الأول : محور القطاع الخاص، والثاني: الاستفادة من القوى العاملة الوطنية.
يتفق الجميع أن الهدف من التخصيص ليس فقط تغيير الملكية من القطاع العام (الدولة) إلى القطاع الخاص، بل يعد تحويل الملكية (التخصيص) أداة لتحفيز الإدارة لرفع الكفاءة وحسن الأداء وزيادة معدلات الإنتاج والحد من الهدر، فقد كان من الملاحظات على إدارة الحكومة (أي حكومة) لكثير من المرافق(خاصة ذات الآفاق الربحية) إهمال مسألة الكفاءة والهدر المالي من خلال المبالغة في النفقات.
ويمثل التخصيص وسيلة هامة من وسائل معالجة هذه الاختلالات، حيث يعول على التخصيص في تحسين الإنتاجية وزيادة الفعالية الاقتصادية وتقليص الهدر المالي والإداري، ولكي يصبح التخصيص خياراً مقبولاً لا بد من التأكيد على أن الغاية من التخصيص ليست رفع أسعار الخدمات الحكومية بل تحسين نوعية هذه الخدمات، كما أن الغاية ليست أيضاً تقليص حجم العمالة في المؤسسات العامة بل ضمان زيادة إنتاجيتها وبالتالي تحسن دخول هذه العمالة.
ولنجاح عملية التخصيص لا بد من وجود قطاع خاص مدعوم بقدرات مهنية عالية وإمكانات فنية ومالية مرتفعة، ولحسن الحظ فقد حقق القطاع الخاص السعودي في الفترة الماضية قفزات نوعية وكمية كبيرة انعكست في تنامي حصته من الناتج المحلي الإجمالي، وقد ساهم في تعزيز قدرات قطاعنا الخاص التشجيع والمؤازرة التي لقيها من الحكومة، ويتيز قطاعنا الخاص بانفتاحه على التجارب العالمية الأمر الذي مكنه من تطوير كفاءته الفنية والتقنية، وهذه السمات لقطاعنا الخاص توفر الأرضية المناسبة لنجاح عملية التخصيص.
من القضايا الهامة التي تواجه اقتصادنا الوطني المسألة السكانية، حيث أشار الإحصاء السكاني الأخير إلى أن النسبة الغالبة من السكان في مرحلة الشباب (60% من 19 سنة وأقل) كما أن السكان السعوديين يتزايدون بمعدلات تعد من أعلى المعدلات العالمية، وهذه المؤشرات تعني وجود نسبة إعالة عالية بين السكان مما يزيد من الأعباء على الميزانية الحكومية لتوفير الخدمات الأساسية لهم، كما يعني تزايد أعداد القوى العاملة السعودية التي تدخل سنوياً إلى سوق العمل.
من المطلوب أن يتكيف القطاع الخاص مع المستجدات ويسهم في توفير فرص العمل للمواطنين من خلال تطبيق برنامج لإحلال العمالة الوطنية محل العمالة الأجنبية، ولن يتم ذلك دون انفتاح حقيقي على العمالة الوطنية فقد كانت الحجة أن العمالة الوطنية لا تعمل بمجهود يذكر، وأنهم يطالبون بأجور تتجاوز جهدهم المبذول في العمل ويتطلب الأمر تشجيع العمالة الوطنية للانخراط في مختلف الأعمال وتحفيزها للبذل والانتاج ومن ثم توقع النتائج، وليس المطلوب توظيف أي شخص بل توظيف من يتوسم فيه القدرة على اكتساب الخبرة والمعرفة الفنية في مجال العمل فانفتاح الاقتصاد السعودي يوجب استمرار القدرة التنافسية للصناعات السعودية ولهذا فهناك ارتباط وثيق بين الأجر الذي يحصل عليه العامل والانتاجية.
من التحديات أيها الإخوة التي تواجه اقتصادنا الوطني تحديات العولمة الاقتصادية وهذه العولمة في مجملها دعوة إلى مزيد من الانفتاح والتحرير الاقتصادي أي تبني نظام السوق داخل الدولة وفي معاملاتها مع الدول الاخرى، وعلى الرغم من أن الاقتصاد السعودي يعد من أكثر الاقتصادات في المنطقة انفتاحاً حيث تشكل الصادرات الكلية ما نسبته 42% والواردات 20% من إجمالي الناتج المحلي لعام 1997م، مما يعني تداخلاً كبيراً للاقتصاد السعودي في نظام التجارة العالمي إلا أن قطاعنا الخاص مدعو للاستعداد لمزيد من الانفتاح ومزيد من تحرير التجارة وذلك عن طريق تبني سياسات تمكنه من التكيف مع هذه التوجهات التحررية.
هذه التحديات تفرض شراكة وتقسيم عمل من نوع جديد بين القطاعين العام والخاص، فالقطاع الخاص ينبغي أن يواصل تطوره دون أن يعتمد على النشاط الحكومي، كما أن على القطاع الحكومي توفير المناخ الملائم لأنشطة القطاع الخاص من خلال تحديث وتطوير الأنظمة وتحسين بيئة الاستثمار، فبناء اقتصاد متطور يسهم فيه القطاع الخاص لا يتحقق إلا بقيام القطاع العام بدور رائد يمهد لعملية التنمية، فتخلي الدولة عن دورها التنموي لا يساعد على تحقيق التنمية كما أن هيمنتها المطلقة على الاقتصاد لا يحقق كذلك التنمية.
وإدراكاً من الحكومة لأهمية التوازن في الدور الحكومي في الاقتصاد فقد انتهجت سياسة مبنية على أن تدخل الدولة في نشاط انتاجي أو خدمي ما يرتبط عكسياً بقدرة القطاع الخاص على القيام بدوره في هذا النشاط، فإذا نمت قدرة القطاع الخاص انحسر دور القطاع العام، وكلما استجدت مبررات لتدخل الدولة في نشاط ما تتدخل الدولة، فدور الدولة يتجدد ويتنوع مع تطور الاقتصاد.
فالمرحلة القادمة تتطلب علاقة تفاعل بين القطاعين الحكومي والخاص لا علاقة اعتماد وتبعية، وقد دأبت الجهات المسئولة في المملكة على استطلاع مرئيات القطاع الخاص كما يحرص المسئولون على اللقاء بالفعاليات الاقتصادية من القطاع الخاص والحوار معهم ، ولقاءنا الليلة مثال على ذلك وتفرض التحولات الاقتصادية المحلية والعالمية تعاون القطاع الخاص مع القطاع الحكومي، فعلى سبيل المثال نحرص في وزارة المالية والاقتصاد الوطني كما هو الحال في الجهات الحكومية الأخرى على التعرف من بين أشياء أخرى على العوائق التي يواجهها المصدرون السعوديون في سعيهم لارتياد الأسواق الخارجية لبحث هذه العوائق مع المسئولين في الدول المستوردة خاصة الدول التي نرتبط معها في اتفاقيات تجارية مثل الدول العربية، وبهذه المناسبة أوجه نداء للمصدرين السعوديين بألا يترددوا في الاتصال بالوزارة والإفادة عن المشاكل التي تواجههم لنتمكن من بحثها مع الجهات المختصة في الدول المستوردة ونتمنى على المصدرين السعوديين أن يحرصوا على توثيق ما يواجههم من معوقات.
لست بحاجة إلى استعراض ما تقوم به الحكومة حالياً من عمل متواصل لتحديث الأنظمة وتطويرها، لكنني أشير إلى مقتطفات من حديث صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني مؤخراً لوكالة الأنباء السعودية حيث أشار حفظه الله إلى توجه الدولة إلى تبني عدد من الاجراءات الهادفة إلى إعادة هيكلة الاقتصاد السعودي، ويعد إنشاء المجلس الاقتصادي الأعلى إحدى الحلقات المهمة لمتابعة تحقيق مرامي السياسة الاقتصادية السعودية الجديدة والتي من أهم مراميها:
1- توفير مناخ استثماري ملائم يتواكب مع متطلبات العولمة والانفتاح التي يعيشها عالمنا حالياً.
2- تحديث أنظمة العمل والعمال لضمان تلبيتها لاحتياجات سوق العمل وتكيفها مع المتغيرات العالمية.
3- تخصيص المؤسسات العامة السعودية لضمان تحقيق الكفاءة ورفع مقدرتها التنافسية.
ومن المؤشرات الإيجابية لتقليل الآثار السلبية للعولمة الاقتصادية، موافقة المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي في قمته الأخيرة في مدينة الرياض على قيام الاتحاد الجمركي بين دول المجلس اعتباراً من الأول من مارس عام 2005م، ولا شك بأن قيام هذا الاتحاد سيعود بالنفع على جميع دول المجلس، كما يمكنها من قصر تطبيق مبدأ المعاملة التجارية التفضيلية (وهو المبدأ الأساسي لنظام منظمة التجارة العالمية) على دول المجلس، وفي هذا السياق قد يثور تساؤل حول سبب وضع موعد متأخر لقيام الاتحاد الجمركي، لكن بالنظر إلى تعدد متطلبات واجراءات قيام هذا الاتحاد يتضح أن هذا الموعد مناسب لجميع دول المجلس لكي تتمكن من دراسة الخطوات والإجراءات اللازمة لقيام هذا الاتحاد، كما يعطي قطاعنا وقتاً كافياً للاستعداد للانفتاح بشكل أكبر على اقتصادات دول المجلس.
كما أن موافقة المجلس الأعلى على مراجعة وتطوير الاتفاقية الاقتصادية الموحدة يعكس حرص دول المجلس على استكمال خطوات التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء وتمكينها من تقوية التعاون في المجالات الاقتصادية الأخرى ومن ذلك انشاء سوق خليجية مشتركة تتمكن من خلالها عناصر الانتاج المختلفة على الانتقال بين الدول الأعضاء دون عوائق، وممارسة مواطني هذه الدول للأنشطة الاقتصادية بحرية في أي دولة من الدول الأعضاء.
أشكر لكم استماعكم وأكرر شكري للإخوة في الغرفة التجارية الصناعية بالمنطقة الشرقية اتاحتهم فرصة اللقاء بكم، وأقدر لكم حسن الإعداد والتنظيم، متمنياً للجميع التوفيق والنجاح.
|
|
|