حصل العالم المصري أحمد زويل على جائزة نوبل في الكيمياء نتيجة أبحاثه المتعلقة بالتفاعلات الكيميائية ومراحلها الانتقالية، اذ امكنه تصوير المراحل الانتقالية للتفاعلات الكيميائية بواسطة اختراعه في آلة تصوير فائقة السرعة والدقة (حصل من خلالها على جائزة الملك فيصل في العلوم قبل عدة سنوات) مسجلاً انجازاً غير مسبوق في هذا المحال كأول عالم يقوم بمشاهدة وتصوير هذه المراحل التي تحدث بسرعة فائقة وفي زمن محدود يعادل ما يستغرقه الضوء لقطع مسافة واحداً في المائة من سمك شعرة واحدة، هذا الضوء الذي يقطع المسافة ما بين الأرض والقمر في ثانية واحدة!!
لقد فتح هذا الانجاز آفاقاً جديدة من آفاق البحث العلمي في مجالات عديدة كالطب والادوية، الصناعة والزراعة وغيرها من المجالات التي سوف تعود نتائجها بما يخدم البشرية جمعاء، وهو شرط للحصول على هذه الجائزة الكبرى.
عند سماع الخبر ومن ثم قراءته تملكني شعور ما بين الفرحة والحيرة، نعم سعدت كما سعد غيري كثيراً بفوز زويل بتلك الجائزة التي تأتي تتويجاً لجهد سنوات من الأبحاث، وهي حرية بأن تكسر تلك النظرة الدونية للعرب والمسلمين وانهم أمة مستهلكة لا منتجة, غالباً ما تذهب هذه الجائزة الى الغرب وفي احيان نادرة الى الشرق وكأنه لا توجد منطقة بين هاتين الجهتين, الا ان زويل اثبت للعالم اننا موجودون!! آن لنا ان نستبشر خيراً بمستقبل زاهر، وآن لزويل ان ينضم الى تلك القائمة التي طالما تغنينا بها, قائمة الخوارزمي والفارابي وابن الهيثم وابن سينا والرازي وابن البيطار وابن النفيس وجابر بن حيان والزهراوي وابن رشد والكندي وابن يونس وغيرهم من علماء المسلمين الذين سطعوا في سماء الحضارة الانسانية فأضاءوا ظلمات الجهل والتخلف, لقد تزامنت هذه الجائزة مع بداية قرن جديد وألفية جديدة أحوج ما يكون فيها العرب والمسلمون الى رفع معنوياتهم وإعلاء هممهم وتحفيز طاقاتهم في زمن العولمة والبحث العلمي إذ لا مكان للجهل والتخاذل.
ولكن ما سر شعوري بالحيرة عند سماعي للخبر بتفاصيله؟ يعتبر زويل من العقول العربية المهاجرة وهم كثر التي تلقت تعليمها الأساسي وجزءاً من تعليمها العالي في مصر ثم هاجرت الى الغرب (خاصة امريكا)، حيث وجدت هناك بيئة ملائمة وارضاً خصبة لتطوير قدراتها ودعم بحوثها الدعم المادي والمعنوي وذلك بفضل ما تمتلكه تلك الدول من تقدم تقني هائل ودعم مادي غير محدود.
هناك سؤال يطرح نفسه: لو بقي زويل في البلاد العربية ولم يذهب الى امريكا هل كان سيحقق هذا الانجاز ويحصل على الجائزة؟ سؤال اصابني بالحيرة ويجب أن يشعر هذا السؤال القائمين على التعليم العالي والبحث العلمي في البلاد العربية بضرورة مراجعة الحسابات، اعتقد ان هنالك العشرات، بل المئات من أمثال زويل في الوطن العربي الذين يقعون بين مطرقة نقص الدعم المادي وسندان عدم كفاءة التقنية، مما جعلهم ينشغلون بتدبير شؤون معيشتهم عن مواصلة بحوثهم ودراساتهم.
إن العالم العربي والإسلامي يعاني من نقص في الدعم المادي والمعنوي للبحث العلمي سواء من جهة نقص في المعاهد العلمية المتخصصة ذات الموازنات الكبيرة التي ينضوي تحتها عدد من العلماء المتفرغين، او من جهة عدم كفاءة تلك المعاهد مادياً وتقنياً وبشرياً, كذلك اين دور رجال الأعمال العرب في دعم المشاريع البحثية، اعتقد انهم مشغولون اما بالمشاريع الربحية المضمونة ذات العائد السريع او بانشاء القنوات الفضائية التي قد تزيد الطين بلة، او بشراء منديل لأم كلثوم بخمسة ملايين دولار!!
وكما أن اليد الواحدة لا تصفق، فإن الجهد الفردي لا ينتج ولا يستطيع تحمل كافة النفقات, على سبيل المثال: عملية اكتشاف دواء جديد ومعرفة تركيبه الكيميائي ومن ثم اجراء تجارب السلامة والفعالية والآثار الجانبية عليه ومن ثم تصنيعه وتوفيره في الأسواق تتكلف مبلغا لا يقل عن 200 مليون دولار.
إن البحث العلمي هو اساس التقدم والتطور في جميع المجالات الطبية والعسكرية والاقتصادية.
ولو اجرينا دراسة لمعرفة مقدار نجاح العرب والمسلمين في الوقت الحاضر في مراحل البناء العلمي الحضاري (مرحلة العلم النظري مرحلة التطبيق العملي مرحلة الاكتشاف والاختراع والتطوير) لوجدنا ان العرب نجحوا في مرحلة العلم النظري ونجحوا في مرحلة التطبيق العملي، اما في مرحلة الاختراع والتطوير فإنهم يأتون في ذيل القائمة ان لم يكونوا خارج القائمة أساساً.
وإذا كان العرب على مدى قرن كامل قد فازوا بجائزة نوبل واحدة (في مجال علمي) فإننا اذا ما استمر وضع البحث العلمي كما هو عليه سوف ننتظر قرناً كاملاً آخر وربما ألفية أخرى ليخرج لنا زويل عربي آخر ليفوز بتلك الجائزة.
وليد سليمان الفايز
كلية الصيدلة