Sunday 26th December, 1999 G No. 9950جريدة الجزيرة الأحد 18 ,رمضان 1420 العدد 9950


ماوراء الظواهر
الدكتور :عبدالله فهد اللحيدان

يدرس العلم الحديث في مختلف فروعه الظواهر: فيدرس علماء الفلك الكواكب والنجوم والشموس والأقمار ويراقبونها، ويدرس علماء الكيمياء العناصر المكونة للمواد وكيفية التفاعل بينها ويدرس علماء السياسة الظواهر السياسية كالصراع الدولي وصنع الحرب والسلام واسباب قيام وسقوط الدول والحضارات وكيف ولماذا تعايش او تتصارع, ولكن يظل العلماء يدرسون ظواهر واشياء ملموسة ومحسوسة ثم ينطلقون ليصلوا الى نتائج, ويعتقد العلماء في العصر الحديث انهم من خلال هذا المنهج توصلوا الى نتائج مذهلة,,, وهذا حق, فقد توصل العلم الحديث الى نتائج لم تكن تخطر ببال احد عن سعة الكون والأبعاد الهائلة بين النجوم والكواكب والارض وأحجام النجوم والشموس وكثرتها والتي قد تبلغ المليارات في مجرة واحدة,, هذا بخصوص علم الفلك والفيزياء فقط, لقد اصبح تصور الإنسان للكون مختلفا تماماً اليوم عنه قبل مائة عام, كما اكتشف الإنسان الحديث عددا هائلا من المعلومات التي ظل الإنسان في غفلة عنها آلاف السنين.
لكن العلم الحديث لايعترف بكل ماوراء هذا العالم المادي والحياة الدنيا ويركز الجهود على ترقية هذه الحياة وترفيهها فقط يعلمون ظاهراً من الحياة الدنياوهم عن الآخرة هم غافلون سورة الروم آية (7),, ثم يكمل المولى جل وعلا في الآية التالية (أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما الا بالحق واجل مسمى وان كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون) وجاءت هذه الآيات رقم 7 و8 في سورة الروم بعد إخبار المولى جل وعز في بداية السورة عن بعض الأحداث الدولية الهامة التي وقعت في السنة السابعة لبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم, فسورة الروم تبدأ بالإخبار عن هزيمة الروم إحدى القوتين العظميين في ذلك الزمان (الم، غلبت الروم، في أدنى الأرض ,,,) ثم يخبر المولى جل وعز عما سيحدث بعد ذلك فيقول (وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين، لله الأمر من قبل ومن بعد، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، وعد الله، لايخلف الله وعده ولكن اكثر الناس لايعلمون، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا,,),, فقد وقعت في السنة السابعة للبعثة المحمدية هزيمة نكراء للروم واستطاع الفرس السيطرة على العراق والشام ودخلوا القدس واستمروا في انتصاراتهم غرباً فدخلوا مصر ووصلوا الى طرابلس وحاصروا الروم شمالاً في القسطنطينية التي تمنعت بحصونها العظيمة, ولم يكن أي مراقب للأحداث يتوقع أن يتمكن الروم في بضع سنين ان يقلبوا الطاولة في وجه الفرس, لكن ذلك تم في بضع سنين، عندما استطاع هرقل النزول باسطول بحري خلف خطوط الفرس وهزيمتهم هزيمة نكراء, وقد فرح المسلمون بهذا النصر لأن قريش واليهود كانت تؤيد الفرس الذين أحست قريش انهم اقرب لدينها وفرح اليهود بهزيمة ظالميهم الرومان.
وفي هذه الآيات بشارة للمسلمين الذين كانوا يتعرضون لأشد حالات الاضطهاد من قريش في ذلك الوقت, فهؤلاء الرومان وبعد هزيمتهم النكراء استطاعوا قلب الطاولة وهم اقرب للمسلمين فلم يكن بينهم وبين المسلمين يومئذ صراع كما انهم يؤمنون بدين سماوي وبالآخرة(ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، وعد الله لايخلف الله وعده,,,) فكما نصر الله الروم فسيأتي يوم وينصر المسلمون (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين انهم لهم المنصورون، وان جندنا لهم الغالبون) سورة الصافات 171 173.
ان الغرض الأساسي من الإخبار عن هزيمة الروم قبل ان يصل الخبر الى مكة ثم الإخبار عما سيقع من انتصار الروم في بضع سنين هو بالإضافة الى شد أزر المسلمين الوصول الى الحقيقة الكبرى وهي ان علم الإنسان يظل ناقصاً إذا هو لم يهتم بالموت وما بعد الموت إذا هو ظل غافلا عن الآخرة (وهم عن الآخرة هم غافلون) ويواصل الله سبحانه وتعالى في سورة الروم ليثبت لهم ان هناك حياة بعد الموت (الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم اليه ترجعون )آية11, فالذي بدأ الخلق قادر على إعادته بعد الموت، فهو سبحانه (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الارض بعد موتها) آية 19,, فهذه الصحراء القاحلة الميتة تتحول الى رياض نضرة حية بعد المطر, وكذلك الإنسان سيبعث يوماً ما ويحاسب (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون، فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون، واما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون ) آية 14 16 سورة الروم, وينبهنا القرآن دائما الى عدم جعل الظواهر هدفا بحد ذاتها،وهي مهمة لكن الأهم هو الجوهر من ذلك ان الله سبحانه وتعالى وبعد ان أمر بتغيير القبلة من القدس أولى القبلتين الى مكة المكرمة (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ماكنتم فولوا وجوهكم شطره,,) سورة البقرة آية 144 وكذلك (ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) البقرة آية 150 ثم أنه سبحانه وتعالى ينبه ان التوجه الى مكة رغم اهميته وانه شرط من شروط صحة الصلاة الا انه ينبغي ان لاننسى الجوهر فيقول تعالى (ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين,,) انظر آية 177 من سورة البقرة, وهذه آية عظيمة أوضحت أولوية الإيمان والتصديق بالله واليوم الآخر ثم أوضحت بعض المبادىء الروحانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للفرد والدولة والمجتمع المؤمن, ونعود لنقول إن الاكتشافات الضخمة التي توصل إليها الإنسان من خلال مراقبة الظواهر مثل اكتشاف سعة وعظمة الكون ستجعل الإنسان يعترف انه غير قادر على الإحاطة بهذا الكون الواسع بما فيه من بشر وارض وسماوات ونجوم وكواكب، وما اشتمل عليه البر والبحر والفضاء, ان كل ما تعلمه الإنسان عبر تاريخه لايبلغ قطرة من علم الله (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) سورة لقمان الآية 27, فلو تحولت كل أشجار الأرض الى أقلام وكل بحار الأرض الى مداد ما بلغنا شيئاً من علم الله, ان هذا التيه والإعجاب بما وصل إليه العلم البشري في عصر من العصور والتعلق بالماديات والمحسوسات وإنكار كل ما وراءها هو ضيق فكر وقصر نظر, لذلك كان لابد من نزول الوحي وإرسال الرسل ليخبروا الناس وينبهوهم الى ماوراء الظواهر (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا، قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولايشرك بعبادة ربه أحدا), سورة الكهف آيات 109،110.
رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

منوعـات

رمضانيات

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

تحقيقات

مدارات شعبية

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير







[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved