كان أئمة المسجد الحرام حتى سنوات قريبة يوترون بالناس في نهاية صلاة التراويح كل ليالي الشهر بما في ذلك ليالي العشر الأواخر التي تقام فيها صلاة التهجد في الثلث الأخير من الليل وكان المأمومون الذين لديهم رغبة في صلاة التهجد من حاضري صلاة التراويح حتى آخرها مع الامام يأتون بركعة بعد سلام الامام لوتر التراويح حتى يوتروا مع الامام في صلاة التهجد أما الإمام فإنه ان أوتر في صلاة التراويح ثم صلى بالناس صلاة التهجد في الليلة نفسها فإنه يصلي بهم مثنى,, مثنى، ثم يصلي إمام غيره بالناس الوتر، أما الامام نفسه فإنه يدخل معهم في وتر التهجد ثم يأتي بعد ذلك بركعة حتى لا يكون قد صلى وترين في ليلة واحدة.
وقد استمر هذا التنظيم لصلاتي التراويح والتهجد في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك عشرات السنين حتى عهد قريب جداً، ثم أصبح الأئمة الذين يصلون التراويح لا يوترون بالناس في العشر الأواخر، وقد سألنا عن سبب هذا التغيير فقيل لنا إن الحديث النبوي الشريف ينص على أنه لا وتران في ليلة ولذلك اكتفي بالوتر الذي يأتي به إمام المسجد الحرام في صلاة التهجد دون صلاة التراويح ولكن هذا الحديث الشريف يتعلق بالانسان وليس بالمكان، فالنهي هنا ألا يوتر المسلم مرتين في ليلة واحدة فإن أوتر في أول الليل ثم أحب ان يقوم من الليل آخره فله ذلك ولكن لا يأتي بوتر آخر بل يصلي ما شاء مثنى,, مثنى,, أو يجعل الوتر في آخر الليل وذلك أفضل، اما في المكان فإنه يجوز أن تقام فيه صلوات وتر وعلى سبيل المثال لو أن مائة شخص أوتر كل واحد منهم على حدة فلا نقول إنه صُلي في تلك الليلة، في ذلك المسجد مائة وتر ولكنه وتر واحد، وعليه فإن عدم صلاة الوتر في نهاية التراويح في العشر الأواخر من رمضان في المسجد الحرام أو في أي مسجد تؤدى فيه صلاتي التراويح والتهجد ليس له ما يبرره من الناحية الشرعية وإذا كان المقصود هو أن الإمام الذي يختتم صلاة التراويح وصلاة التهجد واحد فإن بامكانه ان يجعل وتره هو وحده في صلاة التهجد أما وتر صلاة التراويح فيقوم به إمام غيره ممن خلفه من الأئمة ولهذه الطريقة فوائد جمة منها:
أولاً : أن معظم المصلين يصلون التراويح ثم ينصرفون إلى أعمالهم وقد لا تتاح لهم فرصة العودة لأداء صلاة التهجد وهؤلاء في المسجد الحرام يعدون بمئات الآلاف، فلماذا نحرمهم من فضيلة أداء الوتر مع الامام وما قد يعقبه من دعاء,, كم هي الأمة في حاجة إليه، لمجرد أن إمام التراويح هو إمام التهجد ولا يريد أن يوتر في أول الليل حتى يوتر مع المتهجدين، مع أن الحل بسيط وميسر وهو أن يتقدم إمام غيره لصلاة الوتر في التراويح ليوتر معه من شاء من المصلين وليقوم من ينوي حضور صلاة التهجد مع وترها بأداء ركعة بعد سلام الإمام المؤدي للوتر، أو يؤدي الإمام صلاة التراويح بما فيها الوتر ثم يصلي بالناس التهجد فلا يوتر وفي الأمر سعة ويسر كما هو واقع الحال فلماذا لا تأخذ بهذا التيسير؟!
ثانياً : إذا كان المقصود بالتنظيم الجديد هو وجود فئات من المصلين لا تعلم بالنهي عن الإتيان بوترين في ليلة واحدة وأن بعضهم يصلي الوتر مع الإمام في التراويح ثم يصلي معه التهجد ويوتر معه مرة أخرى، فأحب المسؤولون الذين أقروا التنظيم الجديد أن يفوتوا عليهم تكرار الوتر والوقوع في النهي، فأعتقد انه كان الاوفق هو تعليم الناس وإرشادهم إلى عدم جواز الإتيان بوترين في ليلة وذلك متاح وفي العلماء الأفاضل ووسائل الإعلام المسخرة لخدمتهم وحلقات الدروس الخير كل الخير وذلك أفضل من حرمان عشرات الآلاف من المصلين، من حضور الوتر مع الإمام في التراويح وتركهم يصلونه منفردين بعد سلام الإمام!
وبمناسبة الوتر وما يعقبه من دعاء القنوت فقد أعجبني ما تطرق إليه سماحة المفتي العام الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ رداً على سؤال عن قيام بعض الائمة بإطالة الدعاء والوقوف ولاسيما في ختام شهر رمضان فأجاب سماحته أن الأفضل عدم الإطالة إلى الحد الذي يمل منه المأمومون وأن الأولى الدعاء بجوامع الكلم وما ورد في السنة النبوية من دعاء مأثور، والواقع أن فتوى سماحته طيبة وفيها نصح لمن يظل واقفاً يدعو لمدة أربعين دقيقة أو نحوها وفي ذلك إطالة لا لزوم لها وإملال للمأمومين وبعد عن منهج السلف في الدعاء ومخالفة للتوجيه النبوي بعدم الإطالة في الصلاة نفسها لأن من بين المأمومين المريض والضعيف وذا الحاجة، وعندما أطال الصحابي الجليل معاذ بن جبل في الصلاة بالناس عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمره بالصلاة في قومه بعد أن يؤدي معاذ الصلاة جماعة مع رسول الله فتكون إمامة معاذ لهم نافلة له وفرضاً لهم، عندما أطال وشكا منه قومه قال له صلى الله عليه وسلم أفتّان أنت يا معاذ ؟! وأمره بعدم الإطالة ففعل رضي الله عنه ما أمر به، فإذا كانت الإطالة في الصلاة الواجبة منهي عنها لمن يؤم الناس وهي ركن فلماذا يطيل هؤلاء الأئمة في دعاء القنوت في صلاة التراويح أو التهجد وهي سنّة والدعاء نفسه سنّة، والملل والتعب حاصل وخلفهم المرضى الذين تتوق نفوسهم لحضور هذا الفضل فيكون في الإطالة أذى لهم أو حرمان عن شهود الصلاة أو الدعاء، والإسلام دين يسر لا عسر وقد بعث الرسول ميسراً ومبشراً لا منفراً أو معسراً وما شادَّ أحد هذا الدين إلا غلبه وشيوخنا الأئمة أعلم منا بهذه الأمور، والله الهادي إلى سواء السبيل!
وا سكب على الأرض دواء الجهول !
إذا احتاج إنسان ما للشفاعة فان كان عاقلا قدم العقلاء وإن كان غير ذلك قدم المتردية والنطيحة والمنخنقة، فجاسوا خلال الديار وأتوه بما يسوءه ويزيده غماً وهماً ونكداً وحسرة وهو مسؤول عما حصل لأنه لم يجد اختيار الشفعاء العقلاء الذين يعرفون كيف يتحركون بحكمة وعقل ويعالجون الأمور بدراية وفطنة بعيداً عن عنجهية المادة والتلويح بالقدرات الاجتماعية المزعومة التي يدعون أنها فعالة وقادرة على عمل المستحيلات، ثم لا تكون النتائج إلا تعقيد المسائل ودخولها في طريق مسدودة وعندها يتوارى أولئك الشفعاء عن الأنظار خجلاً أو عجزاً أو دمامة ويجد الذي قدمهم نفسه وحيداً فريداً بلا معين ولا صديق حميم وقد تتملكه الحسرة فيتمثل بعجز بين المتنبي: إذا عظم المطلوب قلَّ المساعد !؟
وواقع الأمر أن الحصيف إذا مرت به ظروف عصيبة، واحتاج إلى من يقف بجواره فإن حصافته تدله على الرجال القادرين على إدارة الحوار مع الأطراف الأخرى بكفاءة ولباقة تامتين وقد قيل في المثل الشعبي الفصيح عدو عاقل خير من صديق جاهل , ونسج الشاعر بيتاً في هذا المضمار يدرك معناه ويعمل به أصحاب الألباب:
فاشرب نقيع السم من عاقل واسكب على الأرض دواء الجهول |
وحتى لو ظهر أن الشاعر قد بالغ في وصف الحالة واعتبر ان السم من يد عاقل خير من دواء يقدمه جاهل، إلا أن واقع الحال يؤكد أن الاعتماد على الجهل وأهله يؤدي عادة إلى ما لا تحمد عقباه، فإن كان هذا الجاهل مغروراً بوجاهة أو أموال يظن أنه بهما يستطيع شراء الذمم وفِعل ما يحلو له وغرير وساطته في جميع الردهات فإن التعقيد للمسألة يكون أكبر وأعظم لأنه بدل أن يكحلها يعميها فلا تنفع معها نظارات أو عدسات طبية لاصقة وعندها يندم الذين قدموه ومشيخوه ولات حين مندم !
أما أكثر الناس عقلاً وحصافة فهو الذي ينأى بنفسه عن الشبهات ومواطن الزلل فلا يقف ذات يوم موقفاً يحتاج فيه إلى مساعدة أحمق أو حتى عاقل، وقانا الله وإياكم من غدر الزمان!