التاريخ السعودي الحديث يحفل برجالات على مستوى رفيع من الحكمة والاتزان والقيادة الرشيدة، فمنذ أن وضع مؤسس هذه الدولة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله أركان هذه الدولة ولم شملها ووحد كلمتها وهذا البلد يشهد بناة رسخوا أركانها وقادوها إلى أعلى المراتب ووصلوا بها إلى عصرنا الحاضر عصر العلم والمعرفة والتقنية، وجعلوها في مصاف الدول المتقدمة.
وخادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز حفظه الله واحد من هؤلاء القادة الذين ساروا بهذه الأمة واتجهوا بها اتجاهاً أدى الى تقدمها وتطورها في جميع المجالات بقيادة رشيدة حكيمة تلفها الحنكة والفطنة وتهدف الى خدمة الوطن والمواطن.
في هذا الاطار يأتي كتاب ملك يبني أمة من تأليف الأستاذ الدكتور عبدالرحمن بن أحمد صايغ أستاذ الادارة التربوية في كلية التربية جامعة الملك سعود ليلقي الضوء على جانب يسير من انجازات الأب القائد خادم الحرمين الشريفين خصوصا في المجالات التعليمية والتربوية، وأتى الكتاب في خمسة فصول، الفصل الأول قيادة الفهد: البنية والجذور، والفصل الثاني: الفهد وريادة التربية والتعليم، والفصل الثالث: النهضة التعليمية الحديثة في المملكة العربية السعودية، والفصل الرابع: الفهد وثروة الوطن، والفصل الخامس: بناء الأجيال المدرسة والرجال, وفي هذه العجالة السريعة نلقي الضوء على جوانب من حياة خادم الحرمين التربوية من خلال هذا الكتاب، حيث ذكر الكاتب ان مسيرة التربية والتعليم في بلادنا الغالية اقترنت باسم الملك فهد منذ أن كان أول وزير للمعارف وحتى وقتنا الحالي, وأصبح مألوفاً لدى أبناء هذا الوطن وغيرهم ان الفهد هو رائد التربية وراعي النهضة التعليمية الحديثة, ولقد استحق الفهد أولوية الريادة والرعاية لقطاع التربية والتعليم نظراً لآرائه وأفكاره التربوية وممارساته العملية في ميدان التعليم ونتيجة لانجازاته التي قادها منذ بداية النهضة التعليمية الحديثة للبلاد ومازالت تتضح آثارها ومعالمها في مختلف مراحل التعليم وأنواعه ومستوياته, ويتميز الملك فهد بشخصية تربوية ذات سمات ريادية فإذا كان الانتماء أو الانتساب إلى القطاع التربوي شرطاً أساسياً من شروط الريادة وسمةلازمة لها لا تستقيم بدونها فإن الانتساب إلى أسرة التعليم أمر محبب الى نفس الفهد، وهو أيضاً مصدر فخر واعتزاز له، وصرح بذلك في كثير من المناسبات التي جمعته بأبناء وطنه حيث قال: من الأشياء التي أعتز بها انتسابي لاسرة التعليم ويقول أيضاً يمكن ألا أكون غريباً عن الناحية التعليمية بالنسبة للمملكة العربية السعودية، وقد شرفني الله بأن أقوم بعمل أول وزارة معارف أسست بالمملكة العربية السعودية، وهذه من الأشياء التي في الواقع أعتز وأفتخر بها ويأبى راعي النهضة التعليمية الحديثة إلا أن يشيد بجهود الرجال المخلصين الذين شاركوه في وضع اللبنات الأولى لهذا البنيان التعليمي وتلك سمة ثانية من سمات الريادة والقيادة الحقة، إذا كنت قد أديت واجباً من الواجبات فيما يتعلق بالنهضة التعليمية في المملكة العربية السعودية فلا أدعي انني أنا شخصياً فقط أديت هذا الواجب الذي يجعلنا نصل إلى مركز مشرف جداً ولكن كان هناك مشاركون لي في العمل لقد ساهمت وساهم معي رجال استطاعوا أن يدفعوا عجلة التعليم إلى الأمام , ولقد أدرك الوزير الأول للمعارف الأهمية البالغة لشحذهم العاملين معه وتحميل المسؤولية لكل فرد منهم وحثهم على الاخلاص والعمل وفق امكاناتهم وفي ضوء الاختصاصات التي يفرضها المركز الوظيفي لكل منهم وتلك سمة ثالثة من سمات الريادة.
ويظهر التوجيه القيادي لإذكاء روح العمل الجماعي في أروع صورة حينما يقول الفهد: كل موظف في وزارة المعارف هو وزيرها وعليه مسؤولية الوزير في حدود عمله واختصاصه، لذلك يجب أن يعمل كل منا وفق طاقته وان يخلص لهذا الجيل الصاعد من أبناء وطنه .
وثمة سمة رابعة لريادة رائد التربية والتعليم تتعلق بوضوح الرؤية وتحديد الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى والمرتبطة ببناء المواطن وتنمية الوطن، فالعمل القيادي يستند أساساً الى تصور مستقبلي لغايات بعيدة يتم تحقيقه في ضوء أهداف مرحلية يجب ان يدخل العلم كل بيت في هذه البلاد ان يستضيء المواطنون في حقولهم وأماكن عملهم بنور المعرفة , وبمنظور القائد التربوي المؤمن بربه وعقيدته الإسلامية يرجع الملك فهد ما وصلت إليه هذه البلاد من مستوى متطور في المجال العلمي والصناعي والاجتماعي المرتبط بانطلاقة التعليم الأول الى رب العزة والجلال والاعتماد على العقيدة الإسلامية.
ولعل هذا البعد الروحي في قيادته هو السمة الغالبة في شخصيته لا في مجال التعليم فحسب وإنما في جميع أدواره القيادية التي يمارسها زعيماً للأمة وعاهلاً للبلاد، نحن لا ندعي الكمال لأن الكمال لله عز وجل ولكن نستطيع ان نقول: ان الفترة القصيرة التي لا تتجاوز الخمسين عاماً لانطلاقة التعليم الأولى تعتبر فترة قصيرة جداً للوصول إلى المراحل التي وصلنا إليها سواء من الناحية العلمية أو الناحية الصناعية أو الناحية الاجتماعية، إن هذا البلد يعتمد بعد الله على عقيدته الإسلامية ومن اعتمد على العقيدة الإسلامية الصحيحة لا يمكن بأي حال من الأحوال إلا أن يكون نصيبه كبيراً جداً من الرقي والاندفاع لما فيه خير مواطنيه في جميع المجالات .
ويمضي الكاتب قائلاً: إن العقيدة الإسلامية تحتل في فكر الملك فهد أعلى المراتب وأرفع الدرجات، فالعقيدة هي الهدف الأساسي وقاعدة الانطلاق والتمسك بها واجب وسبب لكل خير ونماء، وحتى انه غدا من المألوف ان نجد عبق العقيدة الإسلامية فواحاً في جميع أحاديث الفهد وخطبه ولقاءاته سواء تلك التي اختص بها رجال التربية والتعليم وأبناءه طلاب العلم أو تلك التي قالها في مناسبات مختلفة، أهم شيء أود أن أقوله لأبنائنا الطلبة هو الالتزام بالعقيدة الإسلامية نصاً وروحاً وبمفهومها الحقيقي وان العقيدة الإسلامية فيها الراحة والحنان والعطف والمستوى الاخلاقي الذي لا يوصف والذي لا تستطيع القوانين الوضعية ان تصل إليه.
ويذكر الكاتب ان الفهد أدرك قيمة العلم وان امتلاك المعرفة هو الأساس لتنمية رأس المال البشري وان الجهل هو آفة العلم والخطر الأكبر الذي يفتك بمصادر الثروة البشرية ويعوق تقدم الأمة والوطن.
لذلك كانت رؤيته الحكيمة أن يدخل العلم كل بيت بمثابة وثيقة عمل لأضخم مشروع استثماري عرفته البلاد في بناء الثروة البشرية، حيث اشرف عليه اشرافاً مباشراً بحكم مسؤوليته المبكرة كأول وزير أنيطت به أمور التعليم واستمر في رعايته الدائمة له واهتمامه البالغ به.
وما أن آلت إليه مقاليد الحكم في البلاد حتى انبرى مجدداً التزامه المعني بهذا المشروع قدماً ويؤكد ذلك قوله: إن صناعة ا لإنسان هي الأساس فالمال يذهب والرجال وحدهم هم الذين يصنعون المال وان كل أهدافنا في البناء والتطور وتحقيق المجتمع المتقدم لن تتم أبداً اذا لم يتم القضاء على الجهل واننا لنعتبرها مهمة من أقدس مهمات ومسؤوليات الحكم .
ولعل من أسمى أهداف التربية التركيز على بناء المواطنة الصالحة، فالمواطن لا ينهض إلا بسواعد أبنائه المخلصين لعقيدتهم والمتفانين في أداء واجبهم تجاه وطنهم، ولقد قرر الفهد الرائد هذه الحقيقة مراراً وتكراراً ليس المهم فقط بناء المباني وخلافه ولكن الأهم من ذلك ايجاد المواطن السعودي الصالح ، كما انه يؤكد على دور القائمين على التعليم من مديرين واساتذة في بناء الطالب المواطن بقوله: كل ما أتمناه للمشرفين على الجامعات السعودية من مديرين واساتذة ان يواصلوا هذا المجهود الخير , ويشير الفهد إلى أهمية ربط التعليم بخطط التنمية بقوله: ربط الجامعات بخطط التنمية في نظري هو قوة والتزام من الدولة ولذلك لو لم يعمل مثل هذا الأمر فمن طبائع الأمور أن تفقد البرامج أهميتها ويفقد الاعداد أهميته وذلك ربط أهم المؤسسات التعليمية عندنا وهي الجامعات بالتنمية أمر ضروري .
ويتحدث الكاتب عن الأساليب التربوية في ممارسات الفهد ومنها فن الحوار والاتصال حيث يعتمد الملك فهد في طرح آرائه وأفكاره على أساليب وطرائق تربوية ناجعة تسهل على المتلقي منهم مضمون الرسالة أو المعلومات التي يرغب في ايصالها وتشده الى المتابعة وتفضي به الى الاستيعاب، ويبدو أسلوب الحوار واضحاً في جميع لقاءات خادم الحرمين الشريفين بطلبة العلم داخل المملكة وخارجها يتلقى أسئلة اخوانه وأبنائه المواطنين من منسوبي التعليم وطلبة العلم، ويبادر بالرد عليهم إنني أفضل دائماً ان ألتقي بالمواطن السعودي سواء كان في مجال التعليم أو غيره واني من الذين يؤمنون بأن السؤال والجواب لهما أهمية كبيرة وأرحب دائماً بأي سؤال لعلي استطيع ان أجاوب عليه بقدر الامكان ولذلك ليس عندي أي مشكلة في أن أجاوب على أي سؤال كان كتابة أو مشافهة .
إن أسلوب الحوار الذي ركن إليه الملك فهد في لقاءاته مع طلبة العلم ومنسوبي الجامعات والطلاب المبتعثين هو سنة حميدة استنها إلى الحرص على اتباعها انطلاقاً من سياسة الباب المفتوح بين الرعية والراعي, بل إنه يقدر هذا الأسلوب وينعته بانه مفيد جداً حيث يقول: من حسن الحظ ان الطريقة المتبعة في المملكة العربية السعودية هي طريقة مافيه حاكم ومحكوم , ولا يكتفي الفهد باتباع الأسلوب التقريري في طرح آرائه وأفكاره بل عادة ما يجنح الى شرح الحقائق مدعمة بالأرقام والاحصائيات خصوصاً فيما يتعلق بجوانب التنمية الشاملة في البلاد وشؤون البلاد الداخلية أو الخارجية حيث يوجه المسؤولين المختصين الى إمداده بالمعلومات والاحصائيات الدقيقة كل في مجال عمله,ويعتمد الملك فهد في حواره أيضاً على ضرب الأمثلة التي تساعد على حسن الفهم والادراك الواضح، ويميل الى استرجاع المواقف والشواهد كوسيلة تربوية لترسيخ المعلومة لدى المتلقي وشد انتباهه إليها.
كما يميل الفهد الى عرض أفكاره وآرائه باتباع الأسلوب المقارن الذي يمكن من خلاله تبسيط المعلومة وايضاحها ودائماً يعزز الفارق في التطور في مجال التعليم وخلافه بحقائق وأرقام تعكس مستوى الانجاز المتحقق, ومن المبادئ الأساسية للعمل الاداري التربوي الزيارات الميدانية ولقد دأب الملك فهد على زياراته لمختلف القطاعات التنموية في البلاد وخص مؤسسات التعليم سواء الجامعات أو المدارس بزيارات عديدة منذ أن تولى مسؤولية التعليم كأول وزير للمعارف.
كتاب ملك يبني أمة كتاب يتحدث عن الجوانب التعليمية والتربوية لدى خادم الحرمين الشريفين، هذه الجوانب تحتاج الى أكثر من كتاب وأكثر من مؤلف ولكن هذا الكتاب يعد عملاً متميزاً بذل فيه الكاتب مجهوداً رائعاً لإبراز الجوانب التربوية والتعليمية والدور القيادي التربوي لخادم الحرمين الشريفين، وفقنا الله جميعاً لما يحب ويرضى.
* كلية التربية جامعة الملك سعود