إذا كان السبب في انتقال المجتمعات الزراعية بشكل عام الى المجتمعات الصناعية، يعود الى اختراع الآلة، فإن السبب في انتقال المجتمع الصناعي الى مجتمع المعلومات يعود الى اختراع الحاسوب قبل أكثر من نصف قرن،
بيد أن التطور الأهم في عالم الحاسوب جاء في أواخر الخمسينات، مع ابتكار لغة (الكوبول)، وهي لغة حاسوبية شديدة السهولة أصبح من اليسير جداً على الجميع استخدامها، وكانت بمثابة القاعدة التي انطلقت منها الثورة المعلوماتية المعاصرة،
ومن أجل توفير المساحة الثمينة على الكروت المثقبة التي كانت تعمل بها حاسوبات تلك الايام ، تمّ اختصار تاريخ السنة إلى رقمين فقط،
وكان هذا الخطأ التقني الصغير هو منبت المشكلة التي يعتقد بعض المتابعين أنها ربما تقود الى نهاية العالم، و تعرف باسم مشكلة عام 2000م،
وتتمثل المشكلة في أن الكثير من حواسيب العالم ودوائر الرقائق الدقيقة، وهي الدوائر التي تدير كل شيء بدءاً من آلات صرف النقود الإلكترونية وحتى أجهزة الفيديو المنزلية والصواريخ الباليستية العابرة للقارات ستضمن عيباً في البرمجة، يجعلها عاجزة عن قراءة التاريخ 2000م،
إن مشكلة العام 2000م بوصفها شبكة كونية من العواقب المترابطة، تبدأ عند المركز في الدول المتقدمة تقنياً لكنها سرعان ما ستمتد الى بقية أنحاء العالم في سرعة مخيفة، حسب توقعات الخبراء،
وعلى المستوى الاقتصادي تقدم التكلفة الإجمالية التعامل مع مشكلة العام 2000م على صعيد العالم بما يتراوح بين 300 600بليون دولار، وهي التكلفة المباشرة وحدها، والمرتبطة بمحاولات معالجة المشكلة، ، إن الأضرار الاقتصادية المتوقعة ربما تصل 120 بليون دولار،
وعلى المستوى التقني، ينبغي أن تدرك أنه خلال السنوات الأربعين الماضية كتب آلاف المبرمجين البلايين من سطور الشيفرة الإلكترونية (الكود)، ، البرمجية لأجهزة الحاسوب التي يعتمد عليها الآن اقتصاد العالم ومجتمعاته،
لذا، يشير أحد المحللّين الى أنه سيتعين عزل 180 بليوناً من سطور الكود البرمجية على المستوى العالمي كتبت ربما يقارب من 2500 لغة حاسوبية،
يقول جون بيترسون في مقالة له بعنوان: مشكلة العام 2000 : إننا نتحدث عن مشكلة سميت في البداية علّة الألفية The Millennial Bug ثم صعدتها الحساسية المتزايدة فيما يتعلق بخطورة الأزمة الوشيكة لتصبح قنبلة الألفية ،
ويقول ريتشارد لاكايو في مقالة له بعنوان نهاية العالم الآن : علّة الألفية يمكنها أن تضرب كل شيء، فالمنجمّون يقولون إنها نهاية العالم،
ويقول داميان طومسون، ، في مقالة له بعنوان: الألفية الالكترونية المشؤومة : تخلّف التنبؤات المتشائمة بالكوارث التي ستحدث في أعقاب أنهيار الحواسيب بسبب مشكلة العام 2000 رنيناً مألوفاً على نحو مثير لدى ملايين المؤمنين بالقيامة الألفية في سائر انحاء العالم: ذعر الجماهير، وشلل الحكومات، واحداث شغب من أجل الغذاء، وطائرات تصطدم بناطحات السحاب،
إن القضايا موضع النقاش هنا هي: الزمن والناس ، والأموال، وطبيعة النظم،
والواقع أن الآثار الاقتصادية فيما يتعلق بالاقتصاد الكوني ضخمة وغير معروفة،
بقواعد روس واجنر في مقالة له بعنوان مشكلة العام 2000 في البورصة والاقتصاد : قد تؤدي المشكلة الحاسوبية للعام 2000م خلال وقت ما من عام 1999م الى تدهور اقتصادي عالمي النطاق في اسواق المال فاذا ماحدث، فسوف يظل الركود مخيّماً على أسواق الاسهم الكونية،
إن من المرجّح أن يحبس المستثمرون أنفاسهم خلال شهور العام2000م محجمين عن التعامل في الاسهم حتى يقتنعوا بأن العام كله سيتخلص بنجاح من آثار مشكلة عام2000م، وبالتالي يمكن لتحفظهم هذا أن يؤخر انتعاش الأسواق المالية في العالم حتى عام 2001م،
إن هذه النرفزات المالية هي أشبه بطفل جريء يعلم الى أية مسافة يمكن أن يخطو فوق بركة من الجليد، لكنه يندفع عائداً بفزع شديد نحو الشاطئ عند اول رؤية او اول صوت يسمعه لتشققات في الجليد، لكنه مايلبث أن يعيد كرة المغامرة، ، مرة أخرى،
إن مثل هذه الذهنية لاتملك سوى أن تعجّل بحركة الاندفاع نحو الشاطئ المالي والذي سببته التشققات المتعددة والوشيكة للمشكلة الالفية في الجليد الاقتصادي وستبدأ مثل هذه التشققات في الظهور في أواخر عام 1999م،
مشكلة العام 2000 مشكلة بالغة الخطورة وممتدة التأثير في مختلف مناحي حياتنا، ومن الواضع أن هذه المشكلة في حاجة ماسة وعاجلة إلى الحل المناسب في الوقت المناسب بما يمنع حدوث صدمة اقتصادية خطيرة الاقتصاد العالمي،
وحيث إن البورصة ليست سوى انعكاس لدى سلامة أداء الاقتصاد ، فان من المرجح أن تعكس الاسواق الكونية للاسهم هذه الصدمة الاقتصادية من خلال تزايد هبوط اسعارها،
ختاماً أقول إن الارض ستظل تدور حول الشمس وتقترب من العام 2000، واذا لم نسطتع أن ننتقل على الفور من بلاغة القول إلى جدّية الفعل، ومن الخطابات السياسية الى المشاركة الاقتصادية الجماعية، وإذا لم نبدأ في التواصل المشترك فيما بيننا من أجل الهدف المشترك، فسوف نعيش وضعاً مخيفاً فجر ذلك اليوم، والعُهدة على خبراء الحواسيب، وستعاني من عواقب كان بالامكان تجنبّها لو تعلّمنا تلك الدروس وأعددنا العدة اللازمة،
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود
عضو جمعية الاقتصاد السعودية