Sunday 26th December, 1999 G No. 9950جريدة الجزيرة الأحد 18 ,رمضان 1420 العدد 9950


لما هو آتٍ
الثَّراءُ والشِّراءُ
د , خيرية إبراهيم السقاف

لا أدري لماذا تذكَّرت قطَّتي الرافعي وأنا أتجوَّل لأقل من ثلثي الساعة بمرافقة صديقة عزيزة تزور الرياض لأول مرة، في بعض الأسواق الكبيرة التي وَلَجتُها معها للمرة الأولى,, فما كادت تُصدق، ولا كدت أُصدق.
أما هي فلم تكن تُصدق بأنها المرة الأولى لي التي أَلِجُ فيها السوق الذي ذاع صيته في خارج المملكة عن طرق شتى تبدأ بالدعاية، وتنتهي بالإعلان، وللدعاية أساليبها وأُناسها، أما أنا فما كدت أصدِّق هذا الاكتظاظ ، ولا تلك المنافسة ، ولا ذلك الانتشار ، لكل أسواق وماركات العالم تتجمَّع هنا بكل غضِّها وغضيضها,.
كانت قطتا الرافعي تلازمان مخيِّلَتي من محلٍّ لآخر، ومن ساحة مجمَّع للأخرى، أبنية فخمة، وديكورات برَّاقة، ومظهر مادي متفوق، وأساليب عرض مغرية، ومضامين تلعب بشهوة الشِّراء على كل وتر، يحتار الذهن، وتهفو النفس، ويسيل اللعاب أمام ألوانها وأشكالها، وتجد صعوبة بل مكابدة في كبح هذه الرغبة التي تصرخ فجأة ضاربة بعرض الحائط بكل الضوابط النفسية دون الاقتناء لغير ذي الجدوى ولما لا حاجة له.
ظلَّت قطتا الرافعي تلاحقان مُخيلتي، والأسواق تقضي على كل تدريبٍ قاسٍ للنفس أن تزهد وأن تقنع، وأن ترضى من الحياة قدر حاجتها، فغداً سيموت المرء,, فكيف سيواجه ربه، وذلك الفتى القرشي أبوبكر الصديق أثرى الأثرياء الذي كان لا يُكرر ملبسه في الجاهلية، ويتوزَّع شبابُ قومِه ملابسَه بعد أن يقضي منها، قد بلغ به الزُّهد مبلغَه، حتى خوطب من ربه: أنه تعالى راضٍ عنه، فهل هو راضٍ عن ربه؟,, وهو يودِّع زخرف الدنيا بكل حريرها ودمقسها وفضتها وذهبها وثريدها ولحمها، وعذب مائها وشرابها؟!,.
ظلت قطتا الرافعي تتابعان مُخيلتي، والأبواب في الأسواق مشرَعَةٌ، والتعامل معها بكل أساليب البذل، سواء عن طريق النقد عُملةً، أو البطاقات الائتمانية، أو الفيز الذهبية والفضية والنحاسية، أو,, أو من أساليب تيسِّر وتدفَع وتحفِّز كل ذلك في كفة، وفي الأخرى, إن أسعار مضامين هذه المحلات تتفاوت تفاوتاً كبيراً بينها داخل هذه الأسواق وبينها في مدنها الأصل,,، أسعار مضاعفة، متفاوتة، والأكثر عجباً أن هناك تفاوتاً بين محل وآخر، وسوق آخر داخل أسواقنا,,، وذهبتُ وصديقتي نبرّر: على الرغم من أن الجمارك في نظام هذا البلد ليست تستنزف التاجر، ولا تضيّق عليه، ولا تُفحمه أو تُحرجه، أو تُضيِّق عليه، إلا أن الأسعار تؤكد النظرة إلى هذا المجتمع على أنه: مجتمعُ ثراءٍ مادي، ومجتمعٌ استهلاكه غير مدروس، ومجتمعٌ أفراده غير مدبرين, لذا تحول السوق إلى سوق، والبيع فيه منافسة أرباح، وفرص استثمار، ومجال ثراء,.
وتلاحقنا قطتا الرافعي,.
تذكرت تلك المرفَّهة التي عُني بها، وُضعت لها خدمة مقننة، غذاؤها منظم النوعية والوقت، نومها منظم الزمن والمكان، أكلها محدد الزمن والنوعية، بفائق العناية تُنظَّفُ، وتُطيَّبُ، وتُلقَم، وتغذَّى، فإن هي أحجمت، وقف طبيب مختص في رعايتها,,حتى أنها قد قُلِّمت أظافرها، ونُعِّمَت بما لم يُنعَّمُ به ولا فيه إنسان,,, ففقدت طبيعتها، وتخلّصت من عاداتها، وجهلت مقدراتها فوهنت فيها الحاسة واليقظة، وخمد فيها الذكاء والدقة، وتخلّصت من نشاطها وحيويتها، رُفِّهت حتى أخذت تشبه الإنسان، هادئة وديعة، مسالمة حالمة، لا تقوى على رفع يديها فكيف تفكُّ فكَّيها، تأكل بلطف، وتقضم برقة، وتهرب من حركة الفأرة والصرصور,, بُذل لها حتى أُتخمت,.
وهذه الأسواق تفعل في الإنسان ما فُعِلَ في هذه القطة,, تنظر إلى الناس فتجدها معارض متحركة بماركات متفاوتة,, إن حاولت أن تخبر ثراء الداخل منها وجدته بناءً هشَّاً، هشّاً.
وتذهب إلى المجتمعات التي تُورِّد كل هذا,, لتجد فيها الإنسان كقطة الرافعي الثانية، تلك التي تجوب الشوارع، وتأكل النفايات، وتنام في الصقيع، وتجوع كثيراً، وتتعرض للاضطهاد والضرب والطرد,.
لكنها إن خرجت بليل أو نهار فهي الشرسة القوية، الصلبة المقتدرة، المحاربة الناجحة,.
أما الأخرى فهي لا تقوى على مواجهة النور فكيف بالعراء والبرد والتشرد والجوع؟
إن تقابلتا فازت قطة الشارع على قطة المنزل، وانتصرت المحرومة على المرفَّهة.
عدت مع صديقتي من السوق، وهي تثني على تطور مجتمعنا، ومنافسته للأسواق العالمية، وهي تتحدث,, تتحدث,, وأنا لم أعِ مما قالت إلا النزر,, ذلك لأنني ذهبت أفكر كيف نبني الأجيال بناءَ قوَّةٍ، وصلابة، وصبرٍ، وهي تنشأ محشوَّةً بأفكار الثراء، والشراء؟.
رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

منوعـات

رمضانيات

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

تحقيقات

مدارات شعبية

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير




[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved