موت الأيدلوجيا ,,, أيضاً د , فهد العرابي الحارثي |
كما ان ثورة الاتصالات جاءت نتيجة لتطورات تقنية ومعلوماتية متراكمة، إذ أنها تحمل عوامل استمرار كثيرة، فإن عولمة الاقتصاد ارتبطت هي الأخرى من جهتها بتطور الرأسمالية ذاتها، وهي بدورها تحمل عوامل استمرار وبالمقابل عوامل انقطاع,, وبحسب ميشيل نوفل فإن هناك عوامل هي من صلب الرأسمالية وسابقة على موجة العولمة الراهنة فبعد الحرب العالمية الثانية تشكل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومن ثم شهدنا إرهاصات تشكيل ميكانيزم الضغط المسمى اجتماع الدول الصناعية الكبرى، الذي تطور ليصبح مؤسسة اليوم، ومن ثم الغات وغيرها،، فهناك مظاهر للاستمرار وتطور الآليات بشكل مستمر فهل هذا يعني ان الرأسمالية او الغرب (امريكا تحديدا) كانت تتلقى منذ وقت مبكر ارهاصات بيّنة لانتصارها في حروبها الباردة، فهي ظلت تمهد وتستعد لاعتلائها عرش هذا الكوكب، ليس عسكريا فقط، ولكن سياسيا واقتصاديا وثقافيا ايضا؟
إن المنظمات الدولية المسيرة من قبل امريكا ودول الغرب المستفيدة من موجة العولمة، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية,, إن هذه المنظمات غدت كما جاء في كتاب فخ العولمة الوسائل التي تحارب بها تلك الدول في معركتها الدائرة رحاها الآن من اجل تحرير رأس المال فسواء تعلق الامر بالملاحة الجوية، أو الاتصالات ذات التقنية العالية، او بالمصارف وشركات التأمين، أو بصناعة البناء، وتطوير برامج الكومبيوتر، لا بل حتى بالقوة العاملة، فإن هذه كلها، وكل شيء او شخص سواها لابد ان يخضع لقانون العرض والطلب .
إن هذا التكامل يتزامن كما جاء في المرجع السابق نفسه مع قيام نظرية اقتصادية سميت بالليبرالية الجديدة وفكرتها المركزية هي ان ما يفرزه السوق صالح، أما تدخل الدولة فهو طالح وأهم من قال بهذه النظرية الاقتصادية العالم الامريكي ميلتون فريدمان، الحاصل على جائزة نوبل,
وقد اخذت بهذه النظرية غالبية الحكومات الغربية، وهكذا صار عدم تدخل الدولة، الى جانب تحرير التجارة، وحرية تنقل رؤوس الاموال، وخصخصة المشروعات والشركات الحكومية، اسلحة استراتيجية في ترسانة الحكومات المؤمنة بأداء السوق .
لقد اتسعت هذه السوق لتشمل الكوكب كله واصبحت كلمة عولمي تملك مدلولات صحيحة واكثر واقعية، في حين اصبحت كلمة وطني او قومي مزدراة ومهزوزة في قاموس ثقافة العالم الجديد,, ومساعد وزيرة الخارجية الامريكية ستروب تالبوت يرى على ذمة ميشيل نوفل ان كلمة خارجي لم تعد ذات معنى,, ولعله يقصد إلى أن الداخلي اليوم أصبح يعني الكوكب كله,, هذا الكوكب الذي شرع ويشرع في الاخذ بالتبادل على النطاق الكوني.
إن من مقتضيات النواميس الكونية الجديدة ليس فقط ما ذكرناه في مرة ماضية من تداعي اسوار السيادات القطرية، بل إن اسوار السياسات المبدئية تتداعى بدورها وتنهار, يقول د, جلال أمين: ان ترك القطاع الخاص حرا في اختيار ما ينتجه من سلع واختيار وسيلة انتاجها وتسويقها، ولو شمل اسرائيل، يؤدي الى تعظيم الكمية المنتجة وتحسين نوعيتها, ونحن نضيف: ان هذا ينسجم حتما مع شروط السوق المفتوحة الجديدة، ولكنه يعني في الوقت ذاته اختراقا لالسياسي وإلغاءً له، وهدما لأسواره هو الآخر, فكما تداعت اسوار الدولة القومية تداعت ايضا حصون السياسات المبدئية، لأن هذا يعني التعامل مع اسرائيل دون ان تكون قد نفذت اي شيء من وعودها للفلسطينيين وللعرب الآخرين، ودون ان يكون قد تحقق الحد المطلوب من السلام او من شروطه معها.
إن منطق السوق الجديدة جعل الكثيرين يقولون ايضا بأن العالم الآن هجر الايدلوجيا لينخرط في عجلة الاقتصاد الجديد والتقنية الجديدة، ونحن على خلاف جلال أمين نؤمن بواقعية مثال رجل الاعمال الذي يتجاهل، أو يتغافل، او لا يرى من البحر الجميل سوى شاطئه الذي هو مكان رائع لإقامة فندق خمس نجوم .
واذا كان هجر الايدلوجيا لم يتم فعلا,, او لم يحدث بشكل متكامل، فالايدلوجيا على الأقل تواجه ما قال به نبيل ياسين في جريدة الحياة: ان العولمة ستظل مقابل الايدلوجيا وليس مقابل الواقع العربي وهو يضيف: هذا يفسر كيف ان الاثر النفسي للرفض يستمر حتى بعد تحقق المرفوض في الواقع، فالعولمة تبدو مثل اسرائيل مرفوضة ذهنيا لكنها قائمة في الواقع، قابلة للالقاء في البحر ديماغوجيا لكنها تزحف علينا فعليا .
إلى أين المفر؟!! ان كان لابد من مفرّ ، فنحن كما يقول بطرس غالي الامين العام السابق للأمم المتحدة نعيش في غمرة ثورة شملت المعمورة بأجمعها ويقول ايضا ان التاريخ يشهد على ان اولئك الذين يعيشون في غمرة التحولات الثورية نادرا ما يفهمون المغزى النهائي لهذه التحولات .
لينقذ نفسه من يستطيع ذلك هذا هو نداء عصرنا الجديد هذا.
ونحن نتساءل مع المتسائلين: من هو هذا الذي يستطيع ذلك؟!
|
|
|