Thursday 27th January, 2000 G No. 9982جريدة الجزيرة الخميس 20 ,شوال 1420 العدد 9982



قصة قصيرة للكاتب الأمريكي (فرانس كافكا)
الطبيب الريفي
*ترجمة وإعداد: عامر الجهني*

لقد كنت في حيرة من أمري، كان علي أن أبدأ برحلة عاجلة, لقد كان هناك شخص مريض جدا وينتظرني في قرية تبعد من هنا حوالي عشرة أميال، وكانت الثلوج الكثيفة تتراكم على المسافات التي بيني وبينه, لدي عربة صغيرة ذات عجلات كبيرة مناسبة تماما لطرقاتنا الريفية, وبالداخل معطفي الفرو وحقيبة أدواتي بيدي, ومتواجد في الفناء مستعدا للرحلة ولكن لم يكن هناك حصان على العربة، لا يوجد حصان, لقد مات حصاني ليلة البارحة، مات من شدة الاعياء بسبب الشتاء المثلج, خادمتي الآن تركض عبثا في القرية لتجد لي حصانا ولكن دون جدوى, لقد كنت اعلم بأن ذلك سيحدث, وقفت وحدي والثلج يتجمع فوقي اكثر وأكثر لدرجة انني لم اعد اقوى على الحركة, ظهرت الفتاة (روز) الخادمة في اول مدخل الفناء وحدها تلوح بالفانوس, طبعا من سيعطي حصانه في هذا الوقت لرحلة من هذا النوع؟ مشيت بخطوات واسعة داخل الفناء مرة اخرى, لم استطع ان ارى شيئا او ارى مخرجا من هذه الورطة, اثناء يأسي المشوش ركلت باب الحظيرة المتصدع والمهجور منذ أكثر من سنة, ومن شدة الركلة أخذ الباب يتأرجح ذهابا ومجيئاً, خرج غبار ورائحة وكأن خيولاً ستخرج من الداخل خلال الباب,, كان هناك فانوس ضوؤه خافت ومعلق بحبل وسط الحظيرة، شاهدت رجلا جاثما على سجيته على الارض أراني وجهه ويحدق بي بعينيه الزرقاوين.
هل تريدني ان ألجم الحصان؟ قال لي وهو يزحف على اطرافه الاربعة، لم اعرف ماذا اقول له, انحنيت إلى اسفل لأرى ماذا يوجد داخل الحظيرة, كانت الفتاة تقف بجانبي.
أنت هناك يا أخي، أنت يا أختي قال سائس الخيل وكان هناك حصانان هائلا الحجم وذوا جذعين قويين, الواحد تلو الآخر وأرجلهما بالقرب من جسديهما، كلاهما يتميزان بشكلهما الرائع ورأساهما منحنيان للاسفل كالجمل, وبقوة مطلقة دفعا إلى الخارج من خلال الباب الصغير الذي كان بالكاد بمقاس احدهما, وفجأة وقفا على ارجلهما الطويلة بنشاط غريب وحيوية ويتصاعد من جسديهما البخار بكثافة من شدة برودة الجو.
ساعديه قلت للفتاة وهبت لمساعدة السائس بتلحيم الخيول, بالكاد قفزت الفتاة مبتعدة عن السائس بعد ان امسك بها بقوة واندفع بوجهه باتجاه وجهها, صرخت الفتاة وركضت نحوي, وعلى خدها علامة حمراء لصفي اسنان.
أيها المتوحش صرخت عليه بغضب, هل تريدني أن أجلدك ولكن في اللحظة نفسها ايقنت ان الرجل السائس غريب ولم أعلم من اين أتى وبملء ارادته هب لمساعدتي حين لم يساعدني احد في القرية وخذلوني، وكأنه علم بما يدور بخلدي لم يكترث لتهديدي بل انشغل بالحصانين ولم يلتفت عليّ سوى مرة واحدة قائلا:
اركب العربة .
حقا كان كل شيء معدا، ثنائي رائع من اقوى الخيول،لاحظت ذلك حيث لم يسبق وان جلست خلف خيل بهذه الروعة صعدت العربة وأنا مسرور.
لكنني سأقود العربة بنفسي، أنت لا تعرف الطريق قلت للسائس.
قال لي: بالطبع,, أنا لن آتي معك على أي حال,, أنا باق هنا مع (روز) .
صرخت الفتاة (روز) لا وهربت إلى المنزل وكأنها تعلم ماذا سيحدث لها مسبقا ومصيرها محتوم فيما سيحدث لها, سمعت اصوات سلاسل قفل الباب تغلق وصوت قفل الباب أيضا, واستطعت ان ارى بأنها اطفأت نور مدخل البيت والغرف تباعا لتتمكن من الاختباء منه كي لا يستطيع ان يجدها.
أنت ستأتي معي قلت للسائس وإلا فلن أذهب، كضرورة رحلتي هذه، أنا أرى أنه من الضرورة ان لا أدفع لك مقابل مساعدتك لي بأن اسلم لك الفتاة .
هيا انطلقا صرخ السائس وهو يصفق بيده, لم احس بشيء سوى ان العربة انطلقت بسرعة البرق، وفي نفس الوقت اسمع باب منزلي يتهشم من هجوم السائس عليه ليدخل منزلي وراء الفتاة (روز) وكأني أصبت بالطرش والعمى من شدة سرعة العربة للحظات ولم اجد نفسي إلا وانا في فناء منزل المريض وكأن باب فنائه فتح امام باب فناء منزلي، لقد وصلت ووقف الحصانان بثبات امام الباب توقف سقوط الثلج وضوء القمر يسطع في كل انحاء القرية, خرج والدا المريض من داخل المنزل وأخته خلفهما, لقد كدت ان احمل من العربة من شدة اضطرابهما ولم استطع ان اتفوه بكلمة, وفي غرفة المريض بالكاد استطيع ان استنشق الهواء، الدخان يتصاعد من الفرن المهمل, أردت ان افتح النافذة ولكن علي اولا ان ألقي نظرة على مريضي، كان هزيل الجسم ولا يعاني من اي عوارض حمى, حرارته ليست باردة ولا حارة, وعيناه غائرتان ولا يرتدي قميصاً, رمى المريض بنفسه من اسفل فراشه المريش ورمى بيديه حول رقبتي وهمس بأذني:
دكتور ,, دعني أموت .
نظرت حولي في الغرفة، لم يسمع أحد كلام الفتى المريض,, كان الاب والام ينظران إلي بشغف وهدوء بانتظار حكمي, احضرت الاخت مقعدا لأضع حقيبة ادواتي عليه, فتحت الحقيبة وأخذت بالبحث داخلها, لايزال الفتى المريض يمسك بي وهو راقد على فراشه ليذكرني بطلبه, اخذت ملقطين صغيرين وفحصتهما تحت ضوء الشمعة بعناية ووضعتهما مرة أخرى.
نعم اخذت افكر بطريقة غريبة إن تدخل المعجزات لها دور في هذه الحالة,, لقد أرسل لي حصان ضائع ثم جاء معه حصان آخر للضرورة القصوى,, وليتوج كل شيء وهبت ايضا بسائس وبهذه اللحظة فقذ تذكرت الفتاة (روز) مرة أخرى، ماذا عساي ان افعل؟ كيف يمكنني ان انقذها؟ كيف يمكنني ان انقذها من ذلك السائس وهي على بعد عشرة أميال؟ ومعي حصانان لا استطيع ان اتحكم بهما؟
بطريقة ما أفلت الحصانان من اللجام ودفعا درفة النافذة من الخارج, لا أعرف كيف، كل منهما دفع برأسه داخل الغرفة ولم يتحركا رغم صراخ العائلة من الفزع وينظران إلى المريض.
يجب عليكما ان ترجعا حالا قلت لنفسي وكأن الحصانين يستدعياني لرحلة العودة.
على الرغم من اني سمحت لاخت المريض التي تخيلت بأنه سيغمى علي من شدة الحرارة ان تأخذ معطفي الفرو, قدم الاب مشروبا بارداً، أمسك بيديه حول كتفي بطريقة حميمية يلتمسني عذرا لما قدمه لي.
هززت برأسي، وحسب تفكيره المحدود بان سبب رفضي للمشروب كان بسبب اعيائي من الحرارة, والأم تتملق لي وتدفعني نحو السرير, وانقدت معها إلى ان وصلت إلى سرير الفتى المريض,, وضعت رأسي على صدره العاري الذي رجف من شدة برودة لحيتي المبلولة, لقد تأكدت مما كنت اظنه, الفتى لم يكن مريضا، وليس هناك سوى شيء بسيط في جهازه الهضمي, كان مشبعا بالقهوة التي اعطته اياه امه القلقة, من الافضل ان ينهض من سريره بدفعة قوية ليصحو, أنا لست مصلحا عالميا لذلك تركته ملقيا على السرير, لقد مر علي زمن طويل وأنا أقوم بزيارة المرضى في بيوتهم للمعالجة بقدر المستطاع، لدرجة إني لم أعد أحتمل زحمة الزيارات المنزلية, لقد كان اجري سيئاً للغاية ولكنني كنت كريما وخدوما للفقراء والمحتاجين يجب علي ان اتأكد من ان (روز) بخير ولكن قد يموت الفتى، يجب ان ابقى معه لكنني سأتمنى الموت لو حدث شيء لها.
ماذا كنت افعل هناك في هذا الشتاء الأبدي؟ مات حصاني ولم يعيرني احد من القرية حصاناً اخر, لقد تحتم علي ان اخذ طاقمي من الحظيرة لو لم يكونا الحصانين هناك صدفة لكنت اخذت هذه الرحلة على ظهر بقرة, هكذا كان الامر, اشرت برأسي للعائلة مودعا الذين بدورهم لم يكونوا على علم بماذا حدث معي، وحتى إذا ما علموا بذلك فسيكون من الصعب عليهم تصديقه،, إن كتابة وصفة طبية امر سهل للغاية ولكن عندما تريد ان تتفاهم وتتفق مع الناس فهذا صعب للغاية.
حسنا، إلى هنا وتنتهي زيارتي هذه، لقد تم استدعائي إلى مكان آخر ولكن حالته ليست طارئة، لقد كنت معتادا على ذلك, المنطقة كلها جعلت من حياتي عذاباً, وكان علي ان اضحي ب(روز) هذه الليلة تلك الفتاة اللطيفة التي عاشت في منزلي لسنوات ولم اعير لها انتباهي مطلقا, ان هذه التضحية اكثر مما تتحمله تلك المسكينة، وبطريقة او بأخرى تملك هذا الموضوع عقلي وجعلني اجد المبررات لهذه التضحية لصالح عملي لانقاذ هذه العائلة من معاناتها، حتى لو بذلت اقصى جهدي فلن استطيع ان اعيد (روز) إلي مرة اخرى, ولكن بمجرد ان اغلقت حقيبة ادواتي ومددت يدي لالتقط معطفي الفرو وقفت العائلة جنبا إلى جنب يشير الأب إلى الشراب ليقدمه لي، الأم خاب ظنها بي، لماذا؟ ماذا كانوا يتوقعون هؤلاء الناس، والأخت تعض على شفتيها وتغرق الدموع عينيها وتلوح بمنشفة مشبعة بالدم, عندها,, بدأت اجزم بطريقة او بأخرى ان الفتى قد يكون الآن مريضاً بالفعل, ذهبت إليه ورحب بي بابتسامة وكأنني سأقدم له طعام مريض عاجز.
بدأت الجياد تصهل مجددا, هذا الازعاج,, باعتقادي,, انه كان كمساعد لي من السماء لكي افحص المريض مجددا وفي هذه اللحظة فقد ايقنت حقيقة ان الفتى مريض جدا, كان في الجانب الايسر من جسد الفتى جرح مفتوح بحجم كف يدي، ولونه يميل إلى الاحمر الوردي وألوان وأشكال هذه غامقة اللون من الوسط وفاتحة من الجوانب, وبداخل الجرح اشكال على هيئة حبيبات، وتخثر دموي غير طبيعي, الجرح مفتوح وكأنه منجم ارضي في وضح النهار,, هكذا بدا لي الجرح من على بعد, ولكن بعد الفحص الدقيق والقريب اتضح لي ان هناك امراً اخر معقداً, لم اتمالك نفسي من الصفير من المفاجأة,, ديدان بحجم اصبع يدي, ولونها ايضا احمر وردي وعليها بقع دم متخثرة تتلوى بسرعة داخل الجرح باتجاه الضوء, كانت لتلك الديدان رؤوس بيضاء ولها ارجل صغيرة, يا للفتى المسكين، لقد تأخرت حالتك جدا من اساعدك الآن، لقد اكتشفت جرحك الكبير وايقنت ان هذا البرعم الذي بجسدك.
لمحت العائلة,, لقد كانوا مسرورين بانشغالي بالفتى وجرحه, اخبرت الاخت امها,, والام اخبرت الاب بدورها الذي بدوره اخبر الضيوف الذين بدءوا بالتجمهر هنا في هذا الليل المضيء بضوء القمر خلال الباب المفتوح، يمشون على رؤوس اصابعهم يتمساكون بتوازنهم اثناء المشي برفع ايديهم جانبا.
هل ستنقذ حياتي؟ همس الفتى المريض وهو يبكي بصوت خافت وهو يمني نفسه بالحياة بوجود هذا الجرح, هكذا هم اهل هذه المنطقة، يتوقعون دائما المستحيل من الطبيب, ويتوقعون مني ان اكون رجلاً ذا نفوذ ولدي ايدي جراح تحمل الرحمة لهم، كما يحلو لهم, فأنا لم اقدم خدماتي لهم إلى الآن حتى لو اساءوا فهم واجبي بأنه مقدس, لقد فعلت ذلك مرة، وماذا كنت اتمنى اكثر من ذلك الشعور، هذا هو انا طبيب ريفي عجوز.
أخذوني وحملوني من رأسي ورجلي الى السرير, وضعوني على السرير بجانب الحائط وبجانبي على نفس السرير التف المريض, خرج بعد ذلك الجميع من الغرفة واقفل الباب وغطت السحب ضوء القمر, لقد كان مفرش السرير دافئا من حولي ولازالت الجياد تلوح برؤوسها من الشباك.
هل تعلم؟ همس صوت في اذني لدي احساس ضئيل جدا بالثقة تجاهك، لقد عصف بك إلى هنا، انت لم تأت على قدميك, بدلا من ان تنقذني انت تضايقني على فراش الموت, ما أود ان افعله الآن هو ان اقلع عينيك بأظافري.
أنت على حق قلت للفتى انه من المخجل مع انني انا الطبيب ولكن ماذا علي ان اعمل؟ صدقني، انه امر ليس بالهين حتى على نفسي ايضا .
هل من المفروض ان اقتنع باعتذارك هذا؟ آه,, يجب علي ذلك,, لا حيلة لي,, يتوجب علي دائما ان اتحمل اشياء كهذه,, جرح رائع,, هذا كل ما حصلت عليه من الدنيا, هذه هي هبتي الوحيدة.
صديقي الصغير قلت له: خطأك هو انه ليس لديك بعد نظر كفاية, لقد ذهبت الى العديد من غرف مرضى، اشكال وألوان، وأقول لك جرحك ليس بالشيء السيئ حيث موضعه جانبي بسبب ضربتين من فأس, العديد من الناس عندما يعرض الى الناحية الاخرى ولا يسمع صوت الفأس في الغابة ولا يعتقد بأن الفأس قريب جدا منه.
هل هذه هي الحقيقة؟ أم انك تضللني كي لا اعرف عن الحمى؟ .
بل الحقيقة,, خذ مني كلمة شرف من طبيب رسمي.
أخذ الفتى بكلمتي ورقد ساكنا، لكن الآن حان الوقت بالنسبة لي بأن افكر بالهرب من هنا لاتزال العربة تقف في الخارج, جمعت ملابسي ومعطفي وحقيبة أدواتي على وجه السرعة, لا اريد ان اضيع الوقت في ارتداء ملابسي, لو سابقت الجياد الريح إلى المنزل كسرعة مجيئي الى هنا لا يتحتم على سوى ان اقفز من هذا السرير إلى سريري في منزلي, ابتعدت الجياد عن النافذة بكل طاعة, رميت حزمة ملابسي داخل العربة.
ولكن اخطأ المعطف الفرو الهدف وعلق بمقبض العربة من الكم, جيد إلى حد ما, وجهت نفسي اإلى احد الخيول وبلجام مرخي بالكاد الحصان الآخر مربوط به, اخذت العربة تتمايل خلفي ومعطفي يتدلى اخر العربة على الثلج.
هيا انطلقا صرخت ولكن لم تعدو الجياد بل كانت تمشي ببطء شديد كرجل عجوز زحفنا خلال بقايا الثلوج وصوت صدى طويل اسمعه خلفنا لاغنية الاطفال المليئة بالاخطاء:
أوه,, كونوا مبتهجين,, كلكم ايها المرضى,.
إن الطبيب نائم على السرير بجانبكم,.
لن أصل إلى منزلي ونحن نسير بهذه السرعة لقد انتهت مهمتي الناجحة, خليفتي في المنزل الآن يسرقني ولكن دون جدوى لانه لن يستطيع ان يأخذ مكاني كطبيب, لا يزال ذلك السائس المثير للاشمئزاز ثائرا في منزلي (روز) ضحيته, لا أريد أن أفكر بهذا الموضوع مرة اخرى فأنا اتعرض للصقيع في هذا العمر التعيس على هذه العربة الارضية، وجياد من عالم الخيال, رجل عجوز، هذا هو أنا، لقد انحرفت عن الصراط المستقيم, معطفي الفرو يتدلى خلف العربة ولكنني لا أستطيع ان اصل إليه، ولن يشير اي من مرضاي القادمين بأصابعهم لمناداتي سوى,, خائن,, خائن,, قرع زائف لجرس الليل يجيب, لا يستطيع هذا الجرس ان يجدي نفعا,, أبداً,,.
Romantic*Sahara Comsa.

رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

فنون تشكيلية

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

متابعة

منوعـات

لقاء

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

مدارات شعبية

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]
ContactMIS@al-jazirah.com with questions or comments to c/o Abdullatif Saad Al-Ateeq.
Copyright, 1997-1999 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved.