Sunday 30th January, 2000 G No. 9985جريدة الجزيرة الأحد 23 ,شوال 1420 العدد 9985



الرئيس الجزائري افتتح أعمال الدورة 17 لمجلس وزراء الداخلية العرب
الأمير نايف: أمن كل وطن عربي أمن لنا جميعاً,, وستتواصل مسيرتنا تدفعها النوايا الحسنة,, وتعززها الإرادة الصادقة
سعدنا بما تحقق في الجزائر من تعزيز للمسيرة الأمنية,, ونتطلع إلى أن يكون الغد أفضل من الحاضر

* الجزائر موفد الجزيرة : محمد السنيد
افتتح الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة ظهر أمس السبت أعمال الدورة السابعة عشرة لمجلس وزراء الداخلية العرب في قاعة المؤتمرات بقصر الأمم بنادي الصنوبر بحضور صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية والرئيس الفخري لوزراء الداخلية العرب ورئيس مجلس ادارة أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية وأصحاب السمو والمعالي وزراء الداخلية العرب في الدول العربية وعدد من معالي الوزراء من الجمهورية الجزائرية.
وفور وصول الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الى قاعة المؤتمرات عزف السلام الوطني الجزائري ثم بدىء الحفل بآي من الذكر الحكيم.
بعد ذلك ألقى صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية والرئيس الفخري لمجلس وزراء الداخلية العرب كلمة رحب فيها بفخامة الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة وشكره على تشريفه لرعاية افتتاح دورة هذا المجلس وقال سموه:
انه من دواعي سروري ان تتواصل لقاءاتنا على دروب الاخاء والتعاون لما فيه أمن ورخاء واستقرار وطننا العربي الكبير,, هذا الوطن الكبير بعقيدته سماحة وسلاماً,, الكبير بانسانه فكرا وعملا وعطاء,, الكبير في أهميته الجغرافية السياسية والاقتصادية,, وأيضا الكبير في مواجهته للتحديات الداخلية,, والخارجية.
ويشرفني ان يكون لقاؤنا هذا العام على أرض الدولة المجيدة,, أرض التاريخ العريق والعزة والكرامة,, دولة الجزائر الشقيقة التي نكن لها كل تقدير ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
أصحاب السمو والمعالي,, أيها الاخوة,, تدركون وبدون أدنى شك ان صلاح المنزل من صلاح أهله,, وان الهدم من الداخل أخطر في تأثيره من قوى أشرار الخارج,, وأقسى في الفرقة والدمار مما يمكن ان يفعله أعداء العلن خارج ساحة الوطن,, ومن المؤلم أيها الاخوة ان يتربص بالوطن أهله ينالون من استقراره,, ويعطلون مسيرة تنميته,, ويريقون دماء الاهل والاخوة,, تحكمهم بكل أسف دوافع الذات,, أو الجهالة,, أو التفسيرات الخاطئة.
وهذا أيها الاخوة هو في حقيقة الأمر - التحدي الذي يجب ان يدركه الانسان العربي أينما كان,, صيانة لحاضره,, وبناء لمستقبله,, فالمواطن اينما كان هو رجل الأمن الأول,, هو الجندي الأساس لحماية وطنه من عبث العابثين,, ومن شر جنود الشياطين,, وهو المعني بالحفاظ على مكتسباته,, وهو الوسيلة كما هو هدف النماء والرخاء والاستقرار,, ونحمد الله اننا جميعا في هذا المجلس الموقر,, ومن خلال تعاوننا الدائم ان شاء الله نعمل للمواطن ومع المواطن بكل عزم وحزم على محاربة عوامل الهدم,, اينما كان مصدرها,, ونقف بكل ارادة وتصميم في وجه عوامل الدمار,, تأكيدا لحاضر آمن,, وتعزيزا لمستقبل أكثر نماء وعطاء وهذه أيها الاخوة مسؤولية كبيرة كما تعلمون ولنا جميعا ان نفتخر في مجلس وزراء الداخلية العرب بما تحقق لنا من انجازات,, وما توصلنا اليه من نتائج,, انجازات ونتائج أسهمت فعلا فيما يعيشه وطننا العربي من أمن واستقرار,, وستتواصل مسيرتنا، تدفعها النوايا الحسنة,, وتعززها الارادة الصادقة,, ويغذيها الالتزام الصادق للوفاء بالمسؤولية نحو الوطن قيادة وشعبا، وأكد سموه قائلا: ان امن كل وطن عربي هو أمن لنا جميعا,, ونسعد دائما كلما كان الأمن هو السماء التي تظلل الوطن ,, وكلما تهاوت عوامل الشر والظلال,, وعلى الحق والخير والسلام,, ونحمد الله ان نشهد في هذا الوطن المبارك كما في غيره من وطننا العربي تعزيز المسيرة الأمنية لتحقيق أهداف الاستقرار والرخاء,, ونتطلع دائما الى ان يكون الغد - بمشيئة الله - أفضل من الحاضر.
وفي الختام باسمنا جميعا اتقدم بالشكر والتقدير والامتنان الى هذا البلد المضياف,, دولة الجزائر الشقيقة - رئيسا وحكومة وشعبا - وأخص بالشكر معالي الاخ يزيد زرهوني وزير الداخلية في الجزائر على ما لقيناه من حسن الاستقبال وكرم الضيافة,, وجودة الاعداد والتنظيم ,, ولكم يا فخامة الرئيس منا الشكر والامتنان على رعايتكم لاجتماعنا هذا وأنتم ايها الاخوة الافاضل لكم مني التقدير والاعتزاز على ما تبذلونه من جهود نحو تحقيق أهداف مجلس وزراء الداخلية العرب خدمة لأهداف امتكم العربية,, والشكر لأمانة المجلس ممثلة في أمينها العام على جهودهم القيمة والمثمرة ,, شكرا للجميع مع دعواتي لاجتماعنا هذا بالتوفيق والسداد.
كلمة الدكتور السالم
بعد ذلك ألقى الدكتور احمد السالم الأمين العام لمجلس وزراء الداخلية العرب كلمة قال فيها:
كم هو تشريف لنا وتكريم فخامة الرئيس ان تنعقد الدورة السابعة عشرة لمجلس وزراء الداخلية العرب على أرض الكفاح والنضال أرض المليون ونصف المليون شهيد وبلاد التضامن والوئام باستضافة كريمة من حكومتكم الرشيدة التي وفرت لها كل اسباب ومقومات النجاح تحت اشراف ومتابعة معالي السيد يزيد زرهوني وكبار مساعديه ومعاونيه ويسجل للجزائر احتضانها اليوم اول لقاء وزاري عربي يلتئم في الألفية الثالثة لعله يشكل بداية موفقة للعمل العربي المشترك القادر باذن الله على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين ومخاطره.
فخامة الرئيس:
أصحاب السمو والمعالي:
لما كان الأمن الداخلي لأي دولة عربية هو جزء من الأمن العربي الجماعي جاء انشاء مجلس وزراء الداخلية العرب في عام 1982م كتكتل أمني اقليمي يهدف الى تنمية وتوثيق عرى التعاون والتنسيق بين دولنا في مجال الامن الداخلي ومكافحة الجريمة ولتحقيق هذا الهدف النبيل يعمل مجلسنا من خلال استراتيجيات وخطط وبرامج واضحة المعالم والاسس ويحتوي جدول اعمال هذه الدورة على عدة تقارير تعرض ما تم انجازه من تلك الاستراتيجيات والخطط مما اضفى على المجلس صبغة الجدية والفعالية والكفاءة وجعلته يحتل المكانة المرموقة التي تليق به عربيا ودوليا.
واوضح د, السالم ان في عام 1999م عقدت الامانة العامة للمجلس اثنين وعشرين لقاء لرؤساء وممثلي الاجهزة الامنية العربية المختلفة في مواعيدها المحددة كما شاركت في اكثر من 24 اجتماعا عربيا ودوليا فضلا عن قيامها بمتابعة تنفيذ 16 قرارا صدرت عن المجلس في دورته السابقة ولتكريس مبدأ الامن بمفهومه الشامل وفقنا في العام الماضي في توسيع نطاق العمل بالاستراتيجية العربية لمكافحة الارهاب على مستوى الوطن العربي حيث تبناها كل من مجلس وزراء الاعلام العرب ومجلس وزراء الشؤون الاجتماعية العرب كما ان الامانة العامة توصلت في عام 1999م الى تحديد اسبوع مرور عربي موحد تحتفل به دولنا اعتبارا من عام 2000م ويبدأ في اليوم الرابع من شهر مايو/ ايار من كل عام.
فخامة الرئيس:
أصحاب السمو والمعالي:
يكتسي التعاون العربي - الدولي أهمية قصوى في مكافحة الجرائم العابرة للحدود, وفي هذا المجال فان ابرز ما تم انجازه هو توقيع مذكرة التفاهم مع الامين العام لمنظمة الانتربول والتي كان من اولى ثمارها اعتماد اللغة العربية في اواخر عام 1999م كلغة عمل رسمية في المنظمة وفي هذا السياق لابد من توجيه تحية اكبار واعتزاز الى دولة البحرين ممثلة بمعالي الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة وزير الداخلية على ما بذلته من جهود حثيثة، من خلال عضويتها في اللجنة التنفيذية لتلك المنظمة الدولية، كما يشرفني في هذه الدورة أن أعرض على المجلس الموقر مشروع مذكرة تفاهم مع برنامج الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات، للنظر في اقرارها، وما كان لنا أن ننجز برنامج عملنا لعام 1999م، بشكل مرض لولا توفيق الله ثم المؤازرة الصادقة والدعم اللامحدود من قبل أصحاب السمو والمعالي وزراء الداخلية العرب, وأخص بالذكر هنا معالي الأستاذ نايف سعود القاضي رئيس الدورة السادسة عشرة للمجلس, الذي اعاننا كثيراً في تسيير عملنا وتسهيل مهمتنا خلال فترة رئاسته, فلمعاليه كل الشكر والتقدير والامتنان, كما اننا نثمن عالياً الدور الحيوي الذي يضطلع به الرئيس الفخري لمجلسكم الموقر، صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز في توطيد دعائم العمل الأمني العربي المشترك، بشقيه التنفيذي والعلمي, كذلك يقتضي واجب الأمانة تقديم كلمة شكر وثناء لتونس الغالية, دولة المقر، على العناية الفائقة التي تحظى بها الأمانة العامة في عهد صانع التغيير سيادة الرئيس زين العابدين بن علي حفظه الله معربين عن خالص شكرنا للدعم الذي نلقاه من معالي السيد عبدالله القلال وزير الداخلية وقال: أكرر شكري لكم ، فخامة الرئيس على ما غمرتمونا به من كرم وجود ، يعبران عن اصالة شعبكم العريق، مهنئاً فخامتكم على قانون الوئام المدني الذي نال ثقة الشعب وتأييده، وفتح الباب واسعاً للمصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الواحد ليحل الأمن والأمان محل الخوف والرعب، والوفاق والوئام بدلاً من الصراع والنزاع.
كلمة الرئيس الجزائري
بعد ذلك ألقى فخامة الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة كلمة بمناسبة افتتاح هذا المجلس رحب فيها بسمو وزير الداخلية الأمير نايف بن عبدالعزيز وأصحاب السمو والمعالي وزراء الداخلية العرب وقال:
ها هي ذي الجزائر تتشرف باحتضان دورة مجلس وزراء الداخلية العرب، وبلساني ترحب بكم ترحيب المحبة والإخاء,إن دورتكم هذه تنعقد في بلادي، وهي تجتاز طوراً حاسماً من الأزمة الطويلة التي مزقتها وأذاقتها ألواناً من شر العذاب, وبالفعل، فإن المسعى الرامي إلى إعادة بناء الوئام المدني، ذلكم المسعى الذي زكاه الشعب الجزائري بأغلبية ساحقة، قد أفسح المجال أمام كل أولئك الذين سلكوا سبل العنف المسدودة، عن اقتناع شائه مشوه أو بدافع من اليأس والقنوط، لكي يعودوا إلى مكانهم في احضان المجتمع, وأعني به مجتمعنا الذي تدارك نفسه وراح يغترف من قيمه الأصيلة العريقة في مضمار التفاهم والتسامح ورحابة الصدر, وهو المجتمع الذي عقد العزم على أن يمحو رواسب التمزق الوطني، محتملاً إياها بصبر وجلد، وموطناً نفسه للعودة إلى سابق عهده من التضامن والوحدة، من أجل تجسيد الآمال المشتركة وقال: فإن ذوي الغرائز الهمجية، وأصحاب النزوات الاجرامية، سيجدون أنفسهم معزولين تمام العزلة بعد أن اصروا على الوقوف ضد شعبهم ووطنهم ودينهم، وهو الأمر الذي يضع الدولة في موقف شرعي، كامل الشرعية، لكي تجند ضدهم، من الآن فصاعداً، كل الوسائل التي تتوافر عليها، دون أي استثناء، في سبيل ضمان الأمن والاستقرار، اسمحو لي، في هذا المقام، أن أفضي إليكم ببعض الخواطر التي تولدت في أعماقي، نتيجة لهذه المأساة، ولا سيما ان ظواهرها وتطوراتها تمت بصلة وثيقة إلى المسائل التي تضطلعون ببحثها اليوم.
وأكد ان العنف الذي انفجر واستشرى في الجزائر، وأثقل كاهلها وأصابها في مقاتلها، لم يكن حتماً مقضياً, بل هو ناتج، في جوهره، عما اقترفه البعض من الزيغ عن الصواب، مثلما هو ناتج عن انعدام الرشاد في السياسات المتعاقبة التي كسرت شوكة المجتمع في سياق تميز بالعسر والضائقة، وتجوهلت فيه الحقائق الجوهرية وأجدر الحاجات بالأسبقية, وذلك بالذات ما نال من تماسك المجتمع، وألحق الضرر بانسجامه وتلاحمه، أمام بعض متطلبات التطور ومقتضياته، وأمام بعض المساعي الخارجية التي كثيراً ما تربصت بنا السوء, وقال بوتفليقه: إن ما حدث هنا، في الجزائر، يمكن أن يحدث في أي مكان آخر, بل ان قوى الشر والبغضاء والعنف، هذه القوى التي نعمل على اخماد مفعولها، قد تنبعث حية من رمادها في المستقبل، إن نحن لم نحسن استخلاص الدروس والعبر مما امتحنا به من نوائب وملمات, وإن بلداننا تجابه اليوم، بدرجات متفاوتة فيما بينها، نفس المتطلبات ونفس المضايقات والاكراهات، في عالم يوجد في خضم التغيير والتطور، ويرمي الى محو المسافات وازالة الحدود, وفي هذا السياق العام الجديد، تظهر في بلداننا أشكال متماثلة من التمسك بالآراء والمواقف، ومطامح متشابهة فيما بينها، وهي أحياناً تتصادم هنا أو هناك، وقد تكون محل مناورات مغرضة، بفعل الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والعوامل الخاصة، فتتحول وجهتها، وتتخذ طرقاً أقل ما يقال عنها إنها طرق التعصب الأرعن والعنف الأعمى,وهذه الخطورة بالغة بالنسبة لكل واحد منا، لا سيما وان العقيدة والثقافة المشتركة، إذا ما حدث التآلف بينهما وبين التطور التقني، يشجعان تفشي مثل هذه الانحرافات في مجالنا العربي والإسلامي.
وتزداد هذه الخطورة شدة، إذا ما علمنا ان هناك قوى، في العالم أجمع، تقف لنا بالمرصاد، ولا تتقبل فكرة استقلال شعوبنا, وهي، لهذا الغرض، تعمل، في الخفاء، من أجل زيادة بؤر التوتر حدة، وعلى اشاعة عوامل الاضطراب، التي قد تظهر، هنا أو هناك، في محيطنا.
إن المحاولات الصارخة من أجل التدخل وفرض الوصاية على الجزائر عندما اشتدت الأزمة عليها ونالت منها، والتي عمل البعض على تغذيتها لهذا الغرض بالذات، تدل اليوم على حقيقة هذه النية الماكرة، ولذلك يتعين علينا اليوم أن نكون واعين بها تمام الوعي, وأشير في هذا الصدد، أيضاً، إلى أنه، خلال هذه الفترة العصيبة من تاريخ بلادي، كان البعض في العالم العربي، وفي العالم الاسلامي، غير آبه بالطبيعة الحقيقية للأزمة ورهاناتها بالنسبة للجزائريين، وكذا بالنسبة لهم أيضاً، بحيث ساهموا صراحة، أو بصورة متسترة مضمرة، في اطالة عمر الأزمة, واليوم ينبغي ان يتضح للجميع انه اذا كان الأمن يرمي إلى أن يصير عنصراً لا يقبل التجزئة في مجالنا، وأنه اذا كانت متطلباته تفرض علينا موقفاً موحداً وأعمالاً مشتركة مواتية، فإن الدفاع عن استقلالنا، سواء أكان فردياً بالنسبة لكل بلد منا، أم جماعياً بالنسبة لنا كأمة عربية، في مواجهة القوى التي تسيطر على العالم، وتعمل على قولبته على نمط واحد، وفقاً لارادتها وتحت سلطتها، أقول إن هذا الدفاع، يقتضي منا تعميق التفكير المشترك، وكذلك تعزيز الوسائل التي تجسد وجوه التضامن فيما بيننا.
أصحاب السمو والمعالي,, حضرات السيدات والسادة,.
إن الاجماع الوطني يقوم، في مجتمعاتنا المتشبعة بروح الإسلام، على تطلع عميق إلى العدالة والتضامن, وان الاطر التي تجسدت فيها، عبر القرون الطويلة، هذه القيم العميقة باتت تنزع إلى التداعي والتفكك في نطاق حركة التحديث التكنولوجي والتفتح الذي أصبح يميز العالم، وينال من الذهنيات ومن طرائق العيش المختلفة,وهذه العوامل تؤثر بطريقة متباينة، حسب تباين خصوصيات المسار التاريخي لكل بلد من بلداننا، وجغرافيته، وحال موارده، ومستواه من التطور الاقتصادي والتقني، غير أنه يتعين علينا، من وراء هذه الاختلافات، أن نعتمد استراتيجية تجنبنا انتهاج سبيلين على نفس القدر من الخطورة، وذلك من أجل أن نضمن مستقبلنا وننجح في مواجهة التحولات العالمية، وذلك حسب قدرات كل بلد من بلداننا وخصوصياته,علينا، إذن، أن نتجنب، من جهة، التقوقع على الذات وعلى الماضي، فندير ظهورنا للتقدم الانساني الذي كان اسلافنا من طلائع رواده, وهو تقوقع قد يلقي بناء في متاهات التخلف، في وقت ما انفكت فيه وتيرة تطور الأشياء تتسارع، قد يزيد من حدة التأخر، بصورة لا رجعة فيها، أمام الأجيال القادمة، فيؤدي بذلك إلى التبعية السلبية المتزايدة المردية في المهانة والمسكنة.
أما الطريق الثاني، الذي ينبغي علينا ان نتجنبه ايضا، فهو التقليد الأعمى الذي تحاول بعض المنظمات وبعض التيارات في الغرب، ارغامنا عليه، وذلك عن طريق بعض الأحكام التي تصدر في حقنا بكل سذاجة، أو عن تجاهل لحقائق مجتمعاتنا ولمرجعياتها العميقة ولما هي في حاجة اليه حقا في الوقت الراهن,ذلك ان التقدم لا ينبغي أبدا ان يعني التخلي عن مقومات الشخصية والثقافة الضاربة في أعماق التاريخ والتي غذاها الاسلام بقيمه الأصيلة التي تسامت في اشاعة روح الانسانية والانعتاق والتحرر والعدالة,ان الحداثة مضمون وليست شكلا تاريخيا,, وهي بالفعل مضمون يهدف الى التضامن اولا في مجتمعاتنا، على أساس من الثقافة العميقة، وعلى أساس من الضرورة الحيوية بالقياس الى وضعها الراهن.
كما ان الحداثة مضمون يرمي الى اقرار العدالة الاجتماعية قبل اثبات الفردانية التي يقوم عليها تنظيم المجتمعات في الغرب.
وذلك ان حقوق الانسان، هذه الحقوق التي لا نجادل في أي منها، هي أولا وقبل كل شيء الحق في لقمة العيش، وفي تلقي العلاج، وفي تعليم الأطفال، والحق في العمل، وهي أيضا بالنسبة لنا، نحن العرب، الذين نشعر شعورا عميقا بواجب التضامن، الحقوق الجماعية، ومن بينها حقوق الفلسطينيين في وجود دولتهم الوطنية المستقلة على الرغم مما يقوله الأدعياء، والذين يحبون تلقيننا الدروس حسب أهوائهم واختيارهم,, وفي هذا السباق يتعلق الأمر كذلك بحق ابناء لبنان في ان تغادر اسرائيل جنوب بلادهم بلا شرط، كما يتعلق أيضا بحق سورية في استعادة الجولان طبقا للوائح التي أقرتها المجموعة الدولية، وفي ان تفضي المفاوضات الجارية الى نتيجتها المنشودة دون مماطلات جديدة من قبل اسرائيل.
أجل، يتعين ادخال التطوير على سائر مناحي تنظيم المجتمع، وسير مؤسساته، باعتماد أساليب التغيير والتحديث التي تكيف المعطيات والتطلعات وفق ما لكل بلد من خصوصيات ذاتية.
ولكن هل كتب علينا ان نذعن لما يوعز لنا أحيانا، ونقلد أشكال الديمقراطية والتنظيم الاجتماعي المعتمدة عند غيرنا؟ تلك البنيات التي كانت وليدة تطور ثقافي واجتماعي خاص بغيرنا، وما بلغت شكلها الحالي الا بعد تكييف وتأقلم للعقليات والسلوكيات معها استغرقا قرونا وقرونا من الزمن, فلابد لنا ونحن ندخل ما يجب من التكييف والتحديث أن نتحاشى الأنماط التي تنكر الواقع العميق للوضع القائم، وتهمل المتطلبات الخليقة بالأسبقية، والا وجهنا ضربة قاصمة للتلاحم الوطني، وفتحنا الباب واسعا امام تفشي كل أشكال التذمر والعنف, وهذا التوازن بين متطلبات التطور ومقتضيات الاجماع من الهشاشة والصعوبة بمكان بحيث ان العالم سيدخل مرحلة جديدة تتسم بالسرعة المفرطة في التحولات، وهو الأمر الذي ستكون له تأثيراته على العلاقات بين البشر وبين الأمم بحيث يمكن مقارنته بالتحولات التي أحدثتها الثورة الصناعية.
ان تكنولوجيات الاعلام ومسعى العولمة الذي يرمي الى فرض نفسه على الجميع، يؤديان معا الى انشاء محيط جديد يزيد من تفاقم حدة المضايقات بالنسبة لبلداننا المهددة جماعيا هذا ان هي لم تعمل على تقديم جواب منسق حازم بذوبان شخصيتها وازدياد وطأة التأخر في نظام علاقات لا يرحم الأشد ضعفا منا, ان تطوير أشكال التضامن الطبيعي في صلب العالم العربي، والعمل على ان تصب الجهود في بوتقة واحدة، وكذا تجسيد أشكال التكامل المتعدد الذي تتوافر عليه، كل هذه الامور تشكل اطارا للعمل الذي يجب ان تتجسد فيه ارادة بلداننا في رفع هذا التحدي، وذلك بالانضمام الى حركة التقدم الثقافي والتقني، وكذلك الى التحولات الاقتصادية مع الحفاظ على عبقريتنا الخاصة وقيمنا المشتركة.
وان لمجلسكم هذا، على غرار جميع الهيئات العربية المشتركة، دور يضطلع به في تجسيد هذه التوجهات، وان دوره الخاص من الأهمية بمكان، بحيث ان المساعي الجارية على مستوى العالم تفتح المجال واسعا امام تفشي أنواع السلوك المختلفة التي تلحق الضرر بالأمن وبالاستقرار من مثل الجريمة المنظمة والمتاجرة بالمخدرات، والجنوح في مضمار الاعلام الآلي، والاضرار بالبيئة فضلا عن الارهاب الأعمى, وهذه الأخطار مرتفعة حدتها عندنا نحن بوجه خاص ذلك ان المجال العربي هو بمثابة همزة وصل وملتقى جغرافي بين أوروبا وآسيا وافريقيا، ولأن ثرواته الطاقوية، بوجه خاص تجعل منه منطقة رهان جيوستراتيجي كبير، فتعرضه لتلاعبات التدخل، ولصراعات النفوذ في العالم، ولأن تأخرنا في مجال التنمية يجبرنا في العديد من الاحوال على بذل جهود التكيف السريع مع النظام العالمي الجديد، وهو مما يؤدي الى ما ينجم عن المراحل الانتقالية السريعة من مزيد التذبذب والهشاشة, ان الجزائر التي تنهض من كبوتها، التي طال أمدها، تدرك حق الادراك معنى الاستقرار والأمن، خاصة في هذا الظرف الذي تفرض فيه حركة التاريخ علينا تجنيد جميع الطاقات وتضافر جميع الجهود من اجل تسخيرها في سبيل تحقيق أشكال التطور المختلفة والنجاح فيها, وهي واعية كل الوعي، برهانات التعاون الذي يسعى مجلسكم هذا الى تطويره ومن ثم فهي تؤكد لكم عزمها على المساهمة بجميع الوسائل، وبكل وفاء، في توسيع هذا التعاون وفي جعله بالغ الفعالية والنجاعة, أصحاب السمو والمعالي: حضرات السيدات والسادة:أجدد لكم الترحيب في بلدكم الجزائر وأتمنى لأشغالكم، هذه الرامية الى بناء مستقبل من السلم والازدهار، ان تؤتي ثمارها بما يخدم أمتنا العربية جمعاء, وفي نهاية اختتام الجلسة الافتتاحية قدم صاحب السمو الملكي الامير نايف بن عبدالعزيز درعا تذكاريا مقدماً من مجلس وزراء الداخلية العرب لفخامة الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة, ثم بعد ذلك تشرف اصحاب السمو والمعالي وزراء الداخلية العرب بالسلام على الرئيس الجزائري ثم غادر بوتفليقة مقر الحفل مودعا بالحفاوة والتكريم من وزراء الداخلية العرب.

رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

متابعة

منوعـات

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

أسواق وصيف

تحقيقات

مدارات شعبية

وطن ومواطن

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]
ContactMIS@al-jazirah.com with questions or comments to c/o Abdullatif Saad Al-Ateeq.
Copyright, 1997-1999 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved.