Tuesday 8th February, 2000 G No. 9994جريدة الجزيرة الثلاثاء 2 ,ذو القعدة 1420 العدد 9994



شؤون وشجون
أحاديث عن التربية والتعليم 1
د, سعيد أبو عالي

مقدمة لابد منها
** لعلنا نبدأ هذا الحديث بمسلّمة يدركها كل قارىء وكل مهتم بشؤون التطور والتقدم,, هذه المسلّمة تكمن في ان كل بلد، بل وكل قوم او قومية، يحاول ان يحقق التقدم في مجال الحياة الاجتماعية وفي مجال ما يحمي ويطور هذه الحياة من قوة اقتصادية وقوة )معنوية(,
* والمسيرة الانسانية في مختلف مراحلها، وفي مختلف الحقب التاريخية كانت تهدف الى الارتفاع بالحياة الاجتماعية اسلوبا ومضمونا,, ولذلك، حاول الفلاسفة والمفكرون ان )ينحتوا( خلفية فكرية تقود الى ترشيد، وأحيانا تقود الى تحديد اسلوب العمل بغية الوصول الى اهداف الحقبة التاريخية,
** وحاول وما يزال الانسان يحاول، في كل حقبة، وفي اي مكان في العالم ان يطور اسلوبا للحياة ينطلق من مفاهيم تربى عليها ونشأ في ظلالها، واحيانا لايكاد يرى غيرها,, ولذلك ظلت كل حقبة وكل مرحلة تاريخية لا ترمز الى اكثر من فترة زمنية بعينها )حقبة( ولاتدل على اكثر من منطقة جغرافية محدودة )مكان( ترعرعت على ارضها تلك الفكرة وذلك المضمون وذلك الاسلوب وهنا اعترف واجزم ان كل حقبة بالرغم من بقائها او اندثارها قد اعطت للتراث الانساني العام قيما وافكارا تهدف الى مصلحة الانسان بغض النظر عن الزمان والمكان وبغض النظر عن اي انحرافات او اخطاء اقترفتها,
** الفراعنة في مصر طوروا نظما خاصة في البناء والعمران، واخرجوا للناس اسلوبا عمليا في الري والزراعة ولعل )التحنيط( على الاقل بالنسبة اليّ، هو ابرز ما تركوا للانسانية, البابليون في العراق طوروا نظما للحكم تحدد علاقة الحاكم بالمحكوم,, وتقدمت هذه النظم لتشمل تطبيق العدل، وتحمي حقوق الافراد في بعض الحالات وفي بعض الفترات, ولعل قوانين )حمورابي( ذلك السلطان العظيم من ابرز ما تركه البابليون للانسان,
** اليونانيون طوروا نظاما عسكريا صارما في )سبارطة( وأنشأوا مجتمعا عسكريا لايعرف الا توجيه الاوامر، والتأكد من قوة البدن، واحتمال البأس ,, ولذلك بقي هذا النظام ومعه الارض التي عاش عليها )سبارطة( ذكرى من ذكريات التاريخ, ولكن الشعر والفلسفة التي تميز بها اليونانيون في )اثينا( حكمت الحياة العامة في المجتمع وتناقلها الناس من بعدهم, ولو لا الشطط والانحراف الذي صاحب نظرة اولئك الفلاسفة القدامى الى الكون لاستطاعوا ان يتركوا للانسانية تراثا اكثر عمقا واكثر نفعا مما تركوا, لقد جاء اولئك المفكرون في غياب الدين عن الطريق الصحيح فاعتبروا لكل نشاط انساني إلها,, فتعددت عندهم الالهة ولذلك كانت حياتهم مزيجا من حياة الشرك والوثنية ,, وجاءت افكارهم ملوثة وبعيدة عن الايمان بالله الإله الواحد الاحد الذي خلق الكون وجعل الليل والنهار وإليه يرجع الامر كله, وجاء الرومان من بعدهم يؤلفون الحشود العسكرية، ويبتكرون آلات القتال والتدمير، ويدربون ابناءهم على الغزو فاحتلوا بلادا شاسعة وأذلوا أقواما كثيرين وخلفوا لنا اسماء الغزاة والمحاربين,, ولعل ما نشهده اليوم من اسلحة الدمار الشامل ومن ادوات الفتك النووي هو من موروث الانسان عن هذه الحقبة,
** لقد حاولت أثناء دراستي ان استقصي مبادىء وممارسات واساليب يمكن ان يكون اتبعها الرومان في مجال التربية والتعليم والفكر والثقافة,, ولا اجد غير رائحة البارود، ومنظر الغزو والدماء,, وهكذا فبرغم القوة والسيطرة العسكرية الصارمة لم يبق للرومان في نظري الا ذكرى من ذكريات التاريخ,
** ابتكر الغرب الاوروبي الآلة وانتقلوا بالعالم من عصر الزراعة الى عصر الصناعة, لقد استطاعوا توظيف رأس المال والهيمنة على مصادر المواد الخام واتجهوا لتشجيع العلم والعلماء وطلاب العلوم الطبيعية والتطبيقية لأن التطبيقات العلمية لازمة للصناعة والتقدم الصناعي,, ومن هنا نشأت ظواهر الاحتكار والمضاربات واستغلال جهود الافراد والجماعات لتنمية رأس المال, وهكذا ظهرت وترعرعت فكرة الرأسمالية التي تستغل جهود العمال وتسيطر على مصادر الثروات الطبيعية للشعوب, وقد تطلب ذلك انشاء جيوش قوية لحماية المصالح الرأسمالية حيثما وجدت,
وقد دفع هذا دولا اوروبية بالذات مثل بريطانيا وفرنسا وايطاليا الى استعمار عدد من شعوب افريقيا وآسيا بحجة الحماية احيانا والانتداب احيانا,, ولكن ذلك كان اولا وأخيرا لحماية المصالح الاوروبية واستغلال ثروات الشعوب,, ومن هذا نجد ان )الغرب( قد شجع )العلم( وابتعد عن )الدين( وطور أساليب الحياة والعمران وهيمن على مصادر الثروات وحرم كثيرا من الشعوب من حرياتها,, وطور اساليب الحرب والدمار,, ومازال الغرب الرأسمالي يمارس ذلك غير انه تراجع عن الاستعمار السياسي,, ولكنه في هذه الايام وبقيادة امريكا مازال يطور الصناعة، وينتج التقنيات المعقدة، ويفتح الجامعات ، وينشىء مراكز البحوث العلمية يبتكر اسلحة دمار جديدة ورهيبة,, ولعل برنامج حرب النجوم الذي ابتدعته امريكا خير دليل على تطور اساليب الحرب والدمار وحركة الغرب وعلاقاته مع الشعوب والثقافات المختلفة مازالت تحكمها المصالح,, والمصالح الذاتية، وان ارتدت ملابس الديموقراطية وحقوق الانسان,
اما المعسكر الغربي الآخر )شرق اوروبا( فقد تبنى افكارا وفلسفات هدفت في ظاهرها الى التوزيع العادل للثروة,, ولكنها لم تنجح في هذا السبيل بل ان اوروبا الشرقية بقيادة )الاتحاد السوفيتي السابق( جنحت الى تطوير اساليب الحرب والدمار وسيطرت على شعوب كثيرة في اوروبا وآسيا وافريقيا وامريكا الجنوبية وحرمتها حريتها بل انها حرمت الفرد )المواطن( حتى في بلادها من حريته وسلبته جهده وامواله مما ادى الى فشل فكرة الشيوعية وسقوط الاتحاد السوفيتي )حامي حمى الشيوعية( ومع هذا السقوط الهائل والسريع فان روسيا الاتحادية )وهي مابقي من الاتحاد السوفيتي( مازالت حائرة فلاهي اقامت نظاما يحمي حقوق المواطن,, ولا هي تخلت عن )اسلوب( الاضطهاد,, ولعل ما يحدث في )الشيشان( من قتل وتجويع وتدمير وهدم بيوت وتشريد مواطنين هو خير دليل على بقاء سياسة العنف والاضطهاد ضد كل معارض بل وضد كل من يطالب بحقوقه في الحياة الكريمة,

الحضارة الإسلامية
قبل اربعة عشر قرنا ظهرت الدعوة الى الدين الخالص، دين التوحيد الذي يربط الانسان بالله ويوفر له الكرامة )ولقد كرمنا بني آدم( ويحترم عقله وفكره )قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون( ويحقق المساواة بين الناس جميعا )وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله أتقاكم( وقد تحققت هذه المساواة بين الناس في داخل الدولة الاسلامية بغض النظر عن العرق او اللون او اللغة او الدين,, لقد تعايشت الاديان المختلفة في داخل الدولة الاسلامية وكانت الدعوة الى الاسلام بالاقناع ودخل الناس في الدين عن اقتناع )أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين(,
** لقد نظر الاسلام الى المستقبل وأقر كل فكرة سليمة من الماضي,, وفي هذا الاطار نجد ان الحضارة الاسلامية تفاعلت مع الحضارات السابقة فأخذت منها ما يصلح وكذلك تعاملت مع الحضارات المعاصرة بنفس المعيار، انطلقت نحو المستقبل,
لقد وجد العلماء المسلمون الفرصة سانحة للبحث والاضافة الى المعارف الانسانية مما هيأ الظروف لإقامة دور العلم، وانشاء المكتبات، وترجمة علوم الهند والفرس وبعض افكار اليونان الى اللغة العربية والتعليق عليها وتنقيحها بل وتخليصها من شوائب الشرك والوثنية، وقامت الجامعات الكبرى في بغداد ودمشق والقاهرة والقيروان والزيتونة والحمراء وغرناطة ونيسابور وغيرها من الحواضر الاسلامية,, وفتحت الجامعات والمكتبات ودور العلماء للباحثين من اوروبا ومن اتباع الديانات الاخرى,, لقد تقدم الطب وتطورت الرياضيات,, وابتكر العرب المسلمون )الصفر( الذي احدث ثورة علمية وتكنولوجية ما نزال نعيش تأثيرها ونقطف ثمارها حتى الآن, وكانت مكة والمدينة معاقل للعلوم الشرعية التي تمثل الضابط والحاكم الاساسي للحضارة الاسلامية الانسانية,
كانت هذه هي الفكرة في صلب الحضارة الاسلامية,, والغرب الحاضر بصناعاته وتقدمه في مجالات المعلومات والتقنية الحديثة مازال يعتمد في كثير من التطبيقات العلمية على جهود العلماء المسلمين,
ويأتي العدل بين الناس، وكذلك يأتي العمل والانتاج في اساس الممارسات الانسانية في المجتمع الاسلامي,, واذا غاب العدل وجنح الناس الى الخمول والكسل، ساءت الاحوال,, ولقد كان غياب العدل وغياب العمل والمسؤولية )في نظري( من الاسباب الرئيسية لتدهور النظام وسوء الحالة العامة في الدولة الاسلامية مما ادى بالمسلمين الى عصور من التخلف والجمود لاينقضها ولا يقضي عليها الا نظام تربوي سليم يعتمد على الدين ويشجع الابداع والابتكار, وهذا ما سيكون محور احاديثنا القادمة,, ان شاء الله,

رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

متابعة

الجنادرية 15

أيام في أرض دولة فلسطين المحررة

منوعـات

لقاء

القوى العاملة

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

مدارات شعبية

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved