Thursday 10th February, 2000 G No. 9996جريدة الجزيرة الخميس 4 ,ذو القعدة 1420 العدد 9996



خيول ومربعات
مع الحالة الشعرية في اليابان 2
علي الدميني

بإزاء تشكل المسرح الشعري للحضارات القديمة المختلفة في المعابد، فإن الشعر الياباني نهض من بلاط الامبراطور، وكانت قصيدة الواكا التي تسمى الآن تانكا (قصيدة قصيرة) هي الرحم الأول لهذا الشعر، ثم ما لبث الشعر ان هجر عالم البلاط متجها حيث موقعه الحقيقي بين الناس في كل المواقع، ويحتفظ اليابانيون بمختارات من عدة مجلدات من هذا الشعر تدرس ويعود الياباني اليها عندما تستحثه الذاكرة او حنين المحافظة على جذور الهوية، ويوجد في اليابان ملايين الشعراء الذين يمارسونه بحسب الدكتور عضيمة.
والتانكا تحتوي على 31 مقطعا صوتيا تنتظم في أبيات إيقاعية متوازنة التكرار يرمز لها ب(57577) وهذا نموذجها:
تويجات السوسن
تتفتح الآن
انتهى تقريبا
ربيع حياتي
الأخير .
ثم اصبحت اكثر إيجازا في ثلاثة مقاطع صوتية على هذا النمط المسمى هايكو :
ايضا وباستمرار
أسألكم من الثلج
وتعتبر التانكا شكلا أرحب للتعبير عن حالات اكثرتعقيدا حيث انها اكثر غنائية وايقاعية بالدرجة الاولى.
اما قصيدة البيت الحر بالمعنى المعاصر فقد بدأت مع عصر ميجي (1868م) وانفتاح اليابان على الغرب كشكل من اشكال الانفجار الشامل عقب عهود الكبت والانغلاق التي استمرت لأكثر من قرنين ونصف حيث لم يعد الاسلوب القديم في كل تجلياته الاجتماعية والتقنية والفنية ومنه التانكا والهايكو قادرا على التعبير عن الصيغة الجديد للتعاطي والتثاقف مع رياح ومنجزات الآخر الغربي بالتحديد.
لذا فقد برز التأثر الكبير بالحركات الادبية الغربية (الرومانسية والرمزية وصولا الى السريالية) كما اتكأ النقد في اليابان على النظريات النقدية الغربية، ويمكن لقارئ كتاب مفارقات الحداثة الخمس للياباني كومبنيون التي ترجمها د, عضيمة ان يلمس ذلك التأثير والاستيعاب لإشكالات الثقافة الغربية والتركيز البالغ على المدارس النقدية والمبدعين الفرنسيين تحديدا.
ولهزيمة اليابان في عام 1945م على يد الحلفاء تأثيرها السلبي الهائل على حياة الياباني اجتماعيا ونفسيا ولكن ما نتج عن ذلك من إقامة نظام ديمقراكي (حتى وان كان فوقيا) ووضع دستور جديد، اسهم في احداث تغييرات عميقة طالت كل البنى الثقافية ومنها معايير الذوق والنقد والنماذج الابداعية ايضا.
وفي هذا المناخ غدت قصيدة الارض الخراب لإيليوت انموذجا يحاكي مرموزه خراب اليابان بعد الحرب على كل المستويات.
واذا ما عدنا الى التراث الثقافي الياباني فإن الدكتور عضيمة مرجعي الوحيد في هذا الشأن سيوضح لنا ان الياباني لا يقدر على التذهين والتجريد ولا يستطيع ان يرى إلا ما هو مطروح امامه، ولذا فهو قوي جدا في التقليد والمحاكاة ولا يجاريه في هذا الامتياز احد,فالياباني سليل حضارة لا تنطلق من فلسفة كلية في تأمل الكون والبحث عن معنى الوجود والاصل والنهاية، وحتى دياناته كانت ارضية اكثر مما كانت تهتم بالماورائيات وان تم تحويلها الى كهانة، ولكنها كهانة طقسية ارضية اكثر من اي شيء آخروفي أتون الازمة البنيوية المتغلغة في الثقافة والنفسية اليابانية عقب الهزيمة مضى الشعر يبحث ويعمل على انجاز ملامح رؤية جديدة كلية الطابع حيث رأى انه في ليل الهزيمة سيكون الشعر اكثر قدرة على الصمود وبث روح العزاء في قلب الانسان من العلم وسواه من الافكار.
لذلك فإن د, عضيمة حين يسأل الشعراء اليابانيين الكبار عن العلاقة بين الشعر والدين يجيب أحدهم غوزو يوشيماسو قائلا: غدت العلاقة بين الشعر والدين تشبه علاقة بين توأمين يقفان ظهرا لظهر ويربط بينهما الالم من ناحية الجذور.
وحين نسأل د, عضيمة عن مغزى ذلك وهل يعني ان اليابان تبحث عن دين جديد يقدم لها الرؤية الكلية التي تمتلكها الديانات التوحيدية فإنه يجيب في كتابه المرايا وعلى لسان الشاعر يوشيماسو نفسه قائلا: يقودني خيالي الى عالم جمالي وميتافيزيقي، ولكن ليس له او فيه نظام فلسفي، بل هو اشبه بالعالم الذي يحلم به راهب .
ونسأل د, عضيمة: هل نجح الشاعر الياباني في مسعاه لتقديم العزاء والبديل للياباني ليخرج من آثار الهزيمة، فيجيبنا في ثنايا كتاب سفينة الموت بما مؤداه انه يمكن القول بان الشاعر الياباني قد ابدع في تقديم تجربة شعرية جديدة ترقى فيها نصوصه الى العالمية ولكن العلم هو الذي قدم العزاء وذلك بتحسين وتطوير الوضع الاقتصادي للإنسان فنسي الهزيمة.
وماذا كانت النتيجة؟
بقي الياباني بشكل عام بنفس تركيبته النفسية الثقافية القديمة رغم تطوره الاقتصادي، وتوج ذلك بالابتعاد عن الشعر الحديث بشكل مخيف للشعراء انفسهم، لقد انخرط الناس بقوة في تحسين اوضاعهم الاقتصادية مع طفرات الانتعاش الاقتصادي الذي عاشته اليابان بعد ذلك والانتقال الكلي من حالة الثقافة القروية الى حالة ثقافة مجتمع المدينة المعاصرة، ثم بالتخصص الذي يعتبر اكبر عدو للشعر في اليابان وغيره في علوم التقنية التي شكلت جمالياتها الخاصة كمنافس عملي للشعر وآليات فعله,ورغم ذلك يبقى امامنا ان ننظر بإعجاب الى كيفية خروج اليابانيين من هزيمتهم وكيف حاول الشعر الاسهام في معالجتها بينما عانينا وما زلنا في عالمنا العربي من هزائم كثيرة وما برحنا في مهب الريح على كافة الاصعدة فيا للمقارنة البائسة!

رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

فنون تشكيلية

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

متابعة

الجنادرية 15

منوعـات

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

مدارات شعبية

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved