صدرت هذه الطبعة الموسعة الواقعية في واحد وعشرين مجلداً وقد قام بالإنفاق على طبعها الشيخ سليمان بن عبدالعزيز الراجحي، خدمة للعلم ولطلابه، أجزل الله له الأجر والمثوبة .
ومن المعلوم ان الرجل المحسن لا يودُّ أن يتحدث عن عمله أحد، لأنه إنما يريد بذلك وجه الله سبحانه، ونيل مثوبته، ولكن من حقِّ هؤلاء القراء الذين سيستفيدون من هذه الطبعة أن يعبروا عن عميق شكرهم وتقديرهم لهذا الرجل المحسن، الذي هيأ لهم الاستفادة من الكتاب، والله سبحانه وتعالى شكر المحسن، وحثَّ على الشكر، وفي الحديث: مَن صَنَع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فَادعُوا له حَتَى تَروا انَّكُم قد كافأتموه ، وفي الإشادة بفعل ما يكون حافزاً لذوي الهمم من أهل الخير أمثاله، ممن وهبهم الله سعَةً في المال، أن يقتدوا بالأفعال الطيبة التي يُحمَدُ ذكرها، ويُقتَدَى بها في فعل الخير، وفصَّل الدكتور عبدالله في المقدمة (1) متوخّياً انه وأمثاله من المحسنين في (المملكة العربية السعودية) يضربون أروع الأمثلة وأحسنها في التعاون والتكاتف، وتآزر جهودهم مع جهود حكومتنا الرشيدة .
وهذا مما حفز لوصف هذه المطبوعة الحديثة التي يتضح لكل من طالعها ما بُذِل في سبيل نشرها، وما أُولِيَت من عناية في التحقيق، من جهد متميز بارز.
ويحسن قبل هذا الإشارة إلى أن الفضل الأول بعد الله سبحانه وتعالى في نشر هذا الكتاب يرجع لموحد هذه البلاد، الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، الذي أنفقَ على الطبعة الأولى التي صدرت في مصر سنة 1348ه، متوجة بما هذا نصه (2) : وقد اتفق المؤرخون على عظمة هذا الكتاب وجلالة قدره، وطالما تشوَّق الفضلاء على طبعه ونشره، وفي طليعتهم رافع لواء العلوم الدينية، وناصر الشريعة المحمدية، من أحيا آثار السلف الصالحين، فخر ملوك العرب والعجم، جلالة ملك الحجاز ونجد وملحقاتها عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، أيده المَلِكُ المعين، ووفقه لجمع كلمة المسلمين آمين .
هذه الطبعة صدرت في 14 جزءاً تنقصها النهاية التي أفردت بعد ذلك بالطبع ثم الحقت بالكتاب، ومطبوعات الملك عبدالعزيز رحمه الله كانت توزع على القراء مجاناً في داخل البلاد وخارجها.
ومن هنا لقي هذا التاريخ من الرواج ما دفع كثيراً من دور النشر لاعادة طبعه، فطبع للمرة الثانية بمطبعة السعادة سنة 1351ه (3) .
وصدرت الطبعة الثالثة عن مكتبة المعارف في بيروت في سنوات متعددة 1980 الى 1985م .
والطبعة الرابعة صدرت عن دار الكتب العلمية في بيروت ثم أعيد طبع هذه أربع مرات، بحيث صدر عن هذه الدار خمس طبعات فيما بين سنتي 1405ه و1409ه .
والطبعة الثامنة سنة 1409ه بمطبعة الفجالة ومطبعة السعادة بمصر.
والطبعة التاسعة: طبعة دار الريان للتراث سنة 1988م بمصر أيضاً.
والطبعة العاشرة: طبعة دار إحياء التراث العلمي في بيروت سنة 1988م.
والحادية عشرة: طبعة دار الحديث في القاهرة سنة 1413ه.
والثانية عشرة: طبعة دار الفكر في بيروت سنة 1398ه.
والثالثة عشرة: طبعة دار الغد العربي في القاهرة سنة 1411ه.
ولقد صدرت هذه الطبعة بتحقيق الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والاسلامية بدار هَجَر عن مؤسسة هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان في مصر سنة 1417ه 1997م .
وقد صدَّرَ المحقق الكريم الكتابَ بعد المقدمة التي ورد فيها (4) : لقد تطلب تحقيق هذا الكتاب جهوداً عظيمة لكي يتحقق ذلك الحلم الذي داعب خيال الكثيرين من مطالعي التراث، في أن يروا كتاب البداية والنهاية محققاً تحقيقاً علميّاً، يَتَّسِمُ بالدقة والتحرِّي والتوثيق، وقد كان من توفيق الله أن يتم التعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر في اخراج هذا الأثر النفيس .
وساق في هذه المقدمة ترجمة الحافظ ابن كثير، وذكر مؤلفاته، مشيراً إلى ما طبع منها وذكر منها التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل ناقلاً وصفه عن المؤرخين.
وأضيف إلى هذا: انني قد اطلعت على مجلد قديم الخط لدى شيخنا المحدث العلامة الشيخ محمد عبدالرزاق حمزة 1311/1392ه ولعله آل بعد وفاته إلى مكتبة دار الحديث أو انتقل إلى تلميذه الشيخ سليمان الصَّنيع.
وجامع المسانيد جاء فيه (5) : طبع هذا الكتاب في دار الفكر، بيروت 1415ه 1995م ووثّق أصوله وخرج أحاديثه وعلّق عليه د, عبدالمعطي أمين قلعجي ويحسن أن يضاف إلى هذا: كما حققه الدكتور عبدالملك بن عبدالله بن دهيش، وطبع في عشرة أجزاء (6) الطبعة الثانية سنة 1419ه.
ثم بعد ترجمة المؤلف، انتقل للحديث عن طبعات كتاب البداية واصولها، وعن المستخرجات من البداية والنهاية وخلص من ذلك للحديث عن منهج التحقيق ومجمل ما فيه:
1 مقابلة المخطوطات، التي تيسرت من الكتاب على النسخة المطبوعة التي اشير إليها بالرمز م ، وهو يقصد بهذا الطبعة التي اصدرتها مكتبة المعارف في بيروت التي سبق له وصفها (7) ، مع التثبت من صحة ما فيها بالرجوع إلى الأصول المخطوطة.
2 إثبات الفروق في الحاشية، وضبط النص ضبطاً تامّاً، وتخريج الآيات والأحاديث.
3 توثيق النقول من كتب التاريخ والسيرة وغيرها، وسَمَّى بعض هذه الكتب.
4 المقابلة بين روايات ابن كثير، وروايات غيره للأحداث.
5 التعريف بالأماكن والأعلام الذين لم يُتَرجم لهم ابن كثير.
6 شرح الغريب من الألفاظ والمصطلحات وتخريج الأشعار.
7 الربط بين تاريخ ابن كثير وتفسيره في فترة الأنبياء السابقين والأمم السابقة.
8 وضع فهارس فنية شاملة لما ورد في هذا التاريخ.
ثم وصف النسخ الخطية المعتمدة عند تحقيق هذا الكتاب، واستغرق وصفها صفحات كثيرة من نسخ كاملة وأجزاء مفردة، مع إيراد نماذج من تلك المخطوطات بحيث شغلت هذه المقدمة من هذا الكتاب أكثر من مائة صفحة.
ثم الشروع في الكتاب، فبعد خطبة المؤلف المختصرة شرع في وصف ما يحويه كتابه من ذكر مَبدَإِ المخلوقات، من خلق العرش والكرسي والسماوات والأَرَضِين وما فيهن وما بينهن من الملائكة والجان والشياطين، وكيفية خلق آدم عليه السلام وقصص النبين، وما جرى مجرى ذلك الى أيام بني اسرائيل وأيام الجاهلية حتى نبوة المصطفى عليه الصلاة والسلام.
واستمر في ذلك حتى ذكر الحوادث في زمنه، واتبعه بذكر الفتن والملاحم واشراط الساعة، ثم البعث والنشور، وصفة الجنة والنار، وما يتعلق بذلك، مشيراً إلى أنه سيذكر من الاسرائيليات ما أذن الشارع بنقله مما لا يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من بسط مختصر، أو تسمية مبهم ورد في شرعنا، فيذكره على سبيل التحلي، وإنما الاعتماد على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فوقع قسم التاريخ في هذه الطبعة في ثمانية عشر جزءاً تنتهي في بعض حوادث ربيع الآخر في سنة ثمان وستين وسبعمائة، وآخره: هذا آخر ما وجد من التاريخ والحمد لله وحده وصلاته على نبينا محمد وصحبه وسلم .
والمؤلف رحمه الله توفي في شعبان سنة أربع وسبعين وسبعمائة (8) ، أي بعد انتهائه من تأليف الكتاب بست سنوات، ولعل المانع له ذهاب بصره أثناء تأليفه كتاب جامع المسانيد فلم يتمكن من تدوين تاريخ تلك السنوات.
ويحوي الجزء التاسع عشر كتاب الفتن والملاحم الواقعة في آخر الزمان، وذكر أشراط الساعة، إلى آخر هذا المجلد، وهو في الكلام على الميزان.
وفي المجلد المكمل العشرين من ذكر العرض على الله عز وجل يوم القيامة إلى آخر وصف النار والجنة، وما يتعلق بهما من أخبار.
ثم المجلد الحادي والعشرون الذي تنتهي به هذه المطبوعة وقد وقع في 1312 من الصفحات، وهو مخصص للفهارس الشاملة من حيث ذكر الآيات والأحاديث والغزوات والأيام والوقائع، والأمم والقبائل والفرق، والأماكن، والأعلام، والكتب، والكتب النبوية، والغرائب والكائنات، والأحاديث القدسية، ومراجع التحقيق، ثم الاستدراكات، وهي في أخطاء الطبع.
إن القارئ ليعجب اثناء تصفحه هذا الكتاب في أجزائه الواحدة والعشرين من الجهد العظيم الذي صرف لابرازه بهذه الصورة من الصحة بكثرة الرجوع إلى مختلف المصادر للتثبت من صحة النص، ومن إيضاح المرجع، ومن تفسير بعض الكلمات اللغوية إلى غير ذلك مما يتطلبه التحقيق، وفق ما منحه الله الإنسان من قدرة، هي مع سعتها وقوتها محدودة، ولا يلام مهما حدث في عمله من قصور أو نقص فهو عرضة لذلك إِلَّا من عصمه الله من أنبيائه.
ويتضح مما وصفه المحقق الفاضل من الأصول المخطوطة لهذا الكتاب، انها ليس من بينها ما يرقى إلى عهد المؤلف سوى جزء واحد مخطوط سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة أي قبل وفاته بنحو سنتين ولكن هذا الجزء ينتهي قبل مقدمات السيرة في المطبوع ج3 ص 99 ثم ما بعده من مخطوطات القرن التاسع فما بعده، ومعروف ان بعض النساخ قد يضيفون إلى الأصل وقد يتصرفون فيه اجتهاداً منهم، ومن هنا وقع في المطبوعة الأولى من هذا الكتاب بعض العبارات التي يستغرب حدوثها من ابن كثير، وليس من شك بان المحقق الكريم وهو من العارفين بمشرب ابن كثير، وتقديره لشيوخه من محققي العلماء قد تحاشى وقوع مثل هذا في هذه المطبوعة وقد أشار في المقدمة إلى هذا حيث قال (9) : مقابلة المخطوطات التي تيسرت على النسخة المطبوعة، التي أشير لها بالرمز م وتم اثبات الفروق التي تخالف ما أثبت في المتن في الحاشية، وقد أهملت بعض الفروق الهينة، التي تبدو كأنها من حشو النساخ، وبعض هذه الفروق اثبتت، وذكر أنها من حشو النساخ .
ليس من اليسير لمثلي قراءة هذه المطبوعة لادراك هذا، إلَّا انه مَرَّ بي أثناء التصفح عرضاً ما ورد حين مناظرة القضاة والعلماء لشيخ الإسلام ابن تيمية بشأن عقيدته الواسطية قال (10) : ثم اصطلحوا على أن يكون الشيخ كمال الدين بن الزملكاني هو الذي يحاققه من غير مسامحة، فتناظرا في ذلك وشكر الناس من فضائل الشيخ كمال الدين بن الزملكاني وجودة ذهنه وحسن بحثه، حيث قاوم ابن تيمية في البحث وتكلم معه، ثم انفصل الحال على قبول العقيدة .
وجه استغرابي لهذا القول: وشكر الناس من فضائل الشيخ كمال الدين حيث قاوم ابن تيمية في البحث .
لا أدري هل مثل هذه العبارة تصدر من ابن كثير في حق شيخه؟
وكذا ما ورد بعد الكلام على عمارة الجامع في المزة الفوقانية ونصه (11) : وعقدت فيه الجمعة بجمع كثير وجم غفير من أهل المزة، ومن حضر من أهل البلد، وكنت أنا الخطيب يعني الشيخ عماد الدين المصنف، تغمده الله برحمته، ولله الحمد والمنة .
لاشك ان عبارة يعني الشيخ, إلى آخرها مقحمة من أحد النساخ، والمحقق كما تقدم نص على اهمال الفروق الهينة، التي تبدو كأنها من حشو النساخ، فكان من الأولى حذف تلك العبارة أو الإشارة إلى أنها من الحشو.
وورد (12) : وقد قال بعض الشعراء في قتل صلاح الدين لشاور الوزير ثم أورد بيتين.
وفي الحاشية: البيتان في كتاب الروضتين مما يدل على أن هذا الكتاب من مصادر التحقيق وقد ورد فيه: ان القائل هو العماد الكاتب ، ولم يذكر هذا في الحاشية.
كما ورد (13) : ومما قيل من الشعر ببغداد يبشر به الخليفة المستضيء بأمر الله بالخطبة له بمصر ثم أورد مقطوعة من الشعر.
وفي الهامش: ذكر المصدر الروضتين 1/501 .
ولكن لم يذكر نسبة الشعر للحسين بن محمد بن تركان، كما في الروضتين .
وورد في قصيدة العماد الكاتب (14) :
وظلَّ أهلُ الضَّلالِ في ضُلَلٍ داجِيَةٍ في غَيابةٍ وَعَمَى |
وفي الهامش ذكر: ان المثبت من احدى المخطوطتين، ومن كتاب الروضتين غيابة .
ولعل كلمة غياية بياءين مثناتين تحتيتين أقرب إلى الصواب، والغياية:
كل ما أظلك من فوق رأسك كالسحابة والغبرة والظلمة وما أشبه.
هي ملاحظات عابرة أردت منها الإشارة إلى أن جهد المرء محدود أيّاً كان، وهذا لا يقلل من قيمة ما بذله المحقق بالنسبة لهذا المؤلف العظيم.
الحواشي:
(1): ج1 ص10.
(2): ج 1 ص 2.
(3): المصدر ص 34.
(4) : المصدر ص 12.
(5): المصدر ص 29.
(6): ط, دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع في بيروت سنة 1419ه (1998م).
(7): ج1 ص 35.
(8): ج1 ص 34.
(9): ج1 ص 41.
(10): ج 18 ص 53.
(11): ج 18 ص 479.
(12): ج 16 ص 433.
(13): المصدر السابق ص 453.
(14): المصدر السابق ص 452.