Tuesday 4th April,2000 G No.10050الطبعة الاولى الثلاثاء 29 ,ذو الحجة 1420 العدد 10050



نحن والشيشان,,.
د, عبدالرحمن بن صالح العشماوي

صورة:
أيها الطفل الحبيب، في وجهك البريء تتجلّى مأساة شعب، بل مأساة أمة، لست ادري أتريد ان تبتسم للمصوِّر الذي أمامك، أم انك كنت في بداية مشوار بكائك الطويل، محاولة الابتسامة التي مازجها البكاء رسالة كبيرة الى عالم كبير، عيناك المفعمتان بالدموع والأسى، وثغرك الصغير الجميل الممتلىء بلوعه الألم، والمكمّم بمشروع صرخة هائلة كتمها الأنين في أعماقك الطاهرة البريئة، ووقفتك الحزينة وراء هذه الأخشاب التي تفصل بينك وبين عالمنا المسكون بالأوهام، وأناملك الناعمة الرقيقة التي ترسم صورتها على خشبة الأسى التي أمامك مدى قسوة المعتدين، كل ذلك أيها الطفل الحبيب يشكل لوحة للمأساة الهائلة التي يرتكبها عصر العولمة والسلام العالمي ومنظمات حقوق الإنسان، عصر البريق الإعلامي الخادع والهذيان .
لكأنني بك تسأل أباك وهو يسلك بك طريق الرحيل المحفوف بالأخطار:
لماذا، كل هذا يا ابي يجري؟
لماذا مزّقوا صدري؟
لماذا استعذبوا قهري؟
لماذا استوقفوني في بداية رحلة العمر؟
لماذا يا ابي الغالي؟؟ .
رفقاً بأبيك ايها الطفل الحبيب فهو يواري عنك وجهاً مفعما بالأسى وعينا تطفح بالدموع.
في الشيشان صورة مأساة كبيرة يعيشها شعب مسلم على مرأى من العالم ومسمع بل هي صورة مأساة عصر بأكمله، وحضارة غربية لا تملك الا شعور المصالح المقيت، لقد هُدِّمت بيوت المسلمين في الشيشان، وأحرقت مساجدهم، وقطعت اشجار حدائقهم، هذه حقيقة واضحة يراها الجميع، ولكن الحقيقة الأوضح التي لا تعمى عنها الا أبصار المخدوعين تتجلى امامنا في صورة هذا الانحراف الخلقي، وهذا الموقف الوحشي من الحضارة الغربية القائمة على المصالح الشخصية، والمطامع والأهواء من جانب، وعلى الهيلمان الاعلامي، والبريق الدعائي الكاذب من جانب آخر.
يتحدث الغرب عن حقوق الانسان، وهو يمارس انتهاك حقوق الانسان، وعن حرية البشر، وهو يصادر حرية البشر، وعن العدل والمساواة، وهو عدو العدل والمساواة، الغرب يتباكى على فأر او قطة او كلب، ويضحك بملء فمه على تشريد شعوب بأكملها، ومصادرة حقوق بأكملها، يضحك على دموع اطفال المسلمين وصراخ اراملهم وأنين شيوخهم، حدث ذلك في البوسنة والهرسك، وكوسوفا، والشيشان، وقبل ذلك في كشمير وافغانستان وفلسطين ولبنان.
هذا الجانب المأساوي من مشكلة الشيشان وغيرها.
ولكن هناك جانبا آخر مضيئا مشرقا ألا وهو جانب التلاحم بين المسلمين والهم المشترك بينهم بالرغم من عظم المأساة، ومن تكالب الاعداء، ومن ضعف المسلمين العسكري امام اعدائهم.
الجسد الواحد والامة الواحدة، هذه الصور التي تثبت امام كل محاولات التشتيت والتفريق.
عندما هاتفني الاخ د, محمد بن سعود البشر، طالبا مني في شهر رمضان الماضي عام 1420ه ان اشارك في حملة التبرع للشيشان من خلال قناة اقرأ الفضائية استطاع ان يوصّل اليّ من خلال الهاتف شعوره الكبير بالقضية وان ينقل الي شعور كل من له علاقة باللجنة السعودية المشتركة لإغاثة كوسوفا والشيشان برئاسة صاحب السمو الملكي الامير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية.
واستجبت لدعوته، وفي جدة كانت جولة رائعة خضتها مع د, عبدالقادر طاش مدير قناة اقرأ في ذلك الوقت، بدأناها الرابعة عصرا من يوم جمعة رمضانية مباركة وختمناها بدعاء صادق وجهناه الى الخالق العظيم، الساعة الرابعة فجرا، اثنتا عشرة ساعة ابحرنا فيها الى شواطىء التلاحم بين المسلمين.
وما اجملها من جولة، اثلجت صدورنا بما وصل الينا اثناءها من اصوات المسلمين والمسلمات عبر الاتصالات الهاتفية المباشرة من انحاء العالم كله، من امريكا، واوروبا وافريقيا، والعالم العربي، مسلمون يحملون همّ اخوانهم في الشيشان، ويتبرعون من الاموال بما يستطيعون، ويستصرخون العالم للوقوف في وجه الطغيان الروسي.
وما زلت اعيش اجواء تلك الاتصالات الرائعة من الاطفال في تلك الليلة، احدهم يقول: انا فلان قاهر الروس في الشيشان، والآخر يقول: انا الطفل المسلم فلان اريد مساعدة الاطفال في الشيشان وأتبرع بما في حصّالتي من النقود، وكم سعدنا في تلك الليلة بما وردنا من تبرعات مباركة من حصالات الاطفال، ومن حُلي النساء المسلمات اللاتي كن ينقلن الينا بالكلمات الصادقة عمق شعورهن بمأساة نساء واطفال الشيشان تلك كانت الجولة الاولى,,.
ثم كانت الجولة الثانية بصورة اقوى وحجم للتبرعات اكبر، شاهدتها من خلال التلفاز السعودي كانت رسالة عظيمة الى العالم اجمع عن تلاحم الجسد الواحد الذي اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وقد سرني ما قرأت بعد ذلك في اعداد صحيفة الإغاثة السعودية التي صدر منها العدد الثالث عشر في شهر ذي الحجة 1420ه من جهد مشكور يبذل في ايصال تلك التبرعات بصورة ايجابية وبطريقة منظمة الى اللاجئين الشيشان.
لقد سبق ان حدثني د, عبدالرحمن السويلم عن زياراته لمواقع اللاجئين هناك، وصوّر حالتهم تصويرا لا نملك معه الا ان نقول لا حول ولا قوة إلا بالله ، ان التفاعل مع القضية يجب ان يظل قويا حياً متدفقا، لان حجم المأساة اكبر مما نتخيّل، يقول د, عبدالرحمن: يكفي ان تتخيل حجم معاناة اللاجئين في جانب واحد ربما يغيب عن اذهان كثير من المسلمين، ألا وهو جانب الاحتياج الى اماكن لقضاء الحاجة، دعك من نقص الغذاء والدواء واللباس، وانظر الى تلك الزاوية الصغيرة من الاحتياج في وقت يغطي فيه الجليد كل مكان، الى اين تذهب المرأة؟؟ والى اين يذهب الرجل؟؟، فاذا علمت ان موقعا يسكنه عشرات الآلاف من اللاجئين ليس فيه الا بضع دورات للمياه ادركت حجم المشكلة الكبير.
يقول اللواء فيصل بالي رئيس لجنة المتابعة باللجنة السعودية المشتركة: انني ارى ان حاجات المسلمين لا تنتهي بل هي كل موسم في ازدياد، وهي اكبر من قدرات وامكانات كل فرد ومؤسسة تعمل بمفردها,, وينبغي ان نعلم ان تلك الصور من الاعتداءات والجرائم التي ارتكبها الاعداء ضد المسلمين بالامس ليست الا صورا متكررة وجرائم بشعة تظهر من وقت لآخر .
إن الامر لم ينته بعد، والمعاناة ما تزال كما هي، والحاجة الى البذل المستمر والتبرع لإخواننا في الشيشان ما تزال موجودة وملحّة، فنحن والشيشان نقف في خندق واحد، ألا وهو خندق الدفاع عن حق مشروع، وعن شعب مقهور مظلوم وهذا من اوجب واجبات الاخوة والاسلامية والنُّصرة الشرعية لاخواننا.
القضية ايها الاحباب اكبر من البكاء والعويل والدموع، انها قضية عمل دؤوب لا يصح ان يتوقف، قضية مئات الآلاف من المشردين يحتاجون الى غذاء ودواء وكساء وخدمات اخرى مهمة، ويحتاجون الى تعليم لابنائهم وبناتهم الذين فقدوا مدارسهم وحقائبهم واقلامهم واصبحوا مشردين تائهين لا يدرون اين يذهبون، كما يحتاجون الى توعية دينية مستمرة، تزكي نفوسهم، وتزيل الشوائب عن عقيدتهم، وتحول بين منظمات التنصير وجمعياته النشطة، وبين التأثير على عقائدهم وافكارهم.
ليست المعركة معركة رشاشات ودبابات وطائرات وصواريخ فقط، انها معركة شاملة لا هوادة فيها، معركة جوع وعطش وعري وخوف ورعب، ومعركة فكر وثقافة وعلم، ومعركة قيم واخلاق.
إن الغرب بصفة عامة يحسن استغلال مثل الظروف التي يعيشها اللاجئون في الشيشان، فهو يعرف كيف يقدم الصليب والإنجيل مع رغيف الخبز وقرص الدواء، ويعرف كيف يحمل كثيرا من ابناء وبنات المسلمين عبر جسوره الجوية النشطة الى الجمعيات والمدارس والمستشفيات النصرانية في دول اوروبا وامريكا بحجة العناية بهم، بينما هو يقوم بما يمكن ان يسمى تجارة الرقيق المغلفة بغلاف المساعدات الانسانية.
إن الريال الذي ندفعه لنصرة اخواننا يساهم من حيث لا نشعر في حماية ارواحهم واخلاقهم وافكارهم واعراضهم، ويغنيهم عن الحاجة الى الجمعيات التي تصطاد في الماء العكر.
نحن جميع المسلمين والشيشان، في موقع واحد فأرجو ان نظل متحمسين لقضيتهم، متواصلين معهم.
صورة مشرقة:
واحد وخمسون كيلو جراما من الذهب,, تبرعات السعوديات لإغاثة الشيشان، هذا ما ورد في صحيفة الإغاثة السعودية حيث تسابقت المواطنات السعوديات خلال شهر رمضان المبارك الماضي وبعده الى التبرع بما يملكن من الحُلي والجواهر في ملحمة من اكبر ملاحم الخير والعطاء.
وهي صورة رائعة للمرأة المسلمة في بلادنا وفي كثير من انحاء العالم الاسلامي تُضم الى صور التضحية والفداء والبذل التي قدمتها المرأة المسلمة منذ عصور الاسلام الاولى، الى اليوم، الى ان تقوم الساعة، فقد اخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام ان أمته كالغيث لا يُدرى أوله خير ام آخره, كما اخبرنا عليه الصلاة والسلام ان الخير فيه وفي امته الى يوم القيامة.
فجزى الله المسلمات المتصدقات خير الجزاء، ورعى الله طالبات المدارس اللاتي شاركن بتبرعات نقدية من مصروفاتهن المدرسية، وكذلك المدرسات والموظفات اللاتي شجعن طالباتهن وساهمن معهن في هذا العمل الجليل.
صورة شعرية:

كتبنا بالدم الغالي بيانا
نخبِّر من نحب بما دهانا
وننقل صورة عنا اليكم
ترون بها الحرائق والدُّخانا
ترون مدامع الاطفال لمّا
يجمدها الجليد على لحِانا
ترون نساءنا متلفّعات
بحسرتهن ينشدن الحنانا
ترون شيوخنا عجزت خطاهم
فما هربوا، ولا وجدوا الأمانا
ترون بيوتنا صارت قبورا
وتحت ركامها دفنوا رؤانا
كتبنا بالدماء لكم خطابا
ليوقظ من تشاغل او توانى
أحبتنا، أعادينا قساة
فلا تتعجبوا مما اعترانا
هم اختطفوا هدوء الليل منا
ومن أجوائنا سرقوا شذانا
أحبتنا، لنا حق عليكم
ومَن عرف الحقوق رعى وصانا
ألستم تُبصرون دخان غدر
وإرهابا به الباغي رمانا؟؟
فماذا تبذلون لنصر دين
وأعينكم بلا غَبشٍ ترانا؟

رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

متابعة

منوعـات

القوى العاملة

تقارير

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

مدارات شعبية

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved