أخي عبدالوهاب,, إلى رحمة الله!! خالد العلي |
كما أن الحياة غريبة جداً في كل شيء، فالقدر كذلك، ولأنهما يجمعان بني الإنسان في أية لحظة أو مكان، فهما يعملان على تفريقهم أيضاً وبنفس الطريقة.
والإنسان الضعيف جداً لا يعلم ماذا يعمل تجاههما، بل لن يتمكن من عمل أي شيء، فقط عليه التسليم بما يحصل وتحمّله والصبر على تبعاته مهما وأينما كانت، ولا بد من معرفته تمام المعرفة بأن الإنسان هو العنصر الأضعف في الكون بشكل عام.
في رحلة العودة للوطن، وبينما كنت أقرأ صحيفة أجنبية بالطائرة، لفت نظري صحيفة في يد الراكب الجالس أمامي مباشرة، واعلان تعزية يغطي الصفحة كاملة، حيث تمكنت من قراءة جزء منه، حيث حدثت المفاجأة المذهلة الناقلة للخبر الحزين المؤلم والمتضمن رحيل الأخ العزيز جداً الأستاذ عبدالوهاب العيسى إلى رحمة الله.
وحقاً كالعادة من هول الصدمة لم أصدق ذلك، ولكن وبعد الوصول للرياض تأكد لي ما حدث، عندها حاولت تذكر أو استرجاع لقاءاتي المتعددة مع المرحوم، والتي كان أولها يعود تاريخه إلى ما بعد عودتي للوطن، مختتماً دراساتي العليا في فرنسا بحصولي على شهادة الدكتوراه في الإعلام، وكنت في ذلك الوقت أبحث عن عمل يتناسب مع مؤهلاتي العلمية والعملية، وذلك بعد أن تخلت عني الوزارة المبتعثة، حيث تلقيت منه اتصالاً هاتفياً طالباً اللقاء، وتم الاتفاق على توقيته، حيث قابلته بمكتبه الأنيق بالديوان الملكي، وأذكر بأنني وجدته بشوشاً مرحباً، وتعلو وجهه ابتسامة هادئة،حيث تجاذبنا أطراف الحديث الشيق جداً، وحدثني عن مشواره التعليمي، ومحاولته مواصلة الدراسة في فرنسا، وسألته عن والده الكريم وبأنني متابع لانتاجه الشعري المتجدد والمتميز، وترددت كثيراً في أن أبلغه عن مشكلتي القاسية، والمتمثلة في أملي العثور عن عمل مناسب، ولكنه فاجأني بأن طلب مني إذا كان يمكنه مساعدتي تبعاً لقدراته، وأبلغته بتردد عن الموضوع، حيث رحب كثيراً وبأنه سيحاول العمل من أجل ذلك، ولأجل نفس المشكلة قابلته عدة مرات سواءً في مكتبه بالرياض أو جدة، ورغم ان محاولاته لم يكتب لها النجاح، نظراً لعدم تعاون من اتصل بهم، ولكنه قد واصل محاولاته، وأذكر بأنه قد تمت بيننا مجموعة من الاتصالات الهاتفية، وحدث في آخرها ولم أكن أعلم أنه الأخير حقاً ان قدمت له الشكر الجزيل على حرصه المستمر على العثور لي على عمل، وبأني أعتذر جداً عن ازعاجه بمشكلتي الخاصة، خاصة وان لديه أعمالاً كثيرة ومتعددة، وأخبرته بأن هذا هو الاتصال الأخير بيننا حول هذا الموضوع، فقد بذل من وقته وجهده الكثير والكثير بما فيه الكفاية وأكثر، ولكنه أجاب مستغرباً بأنه لم يعمل شيئاً بعد، ويجب أن نظل على اتصال بين وقت وآخر، ومع انشغالي نفسياً وفكرياً في البحث عن حل لظروفي وأسرتي الصعبة، فلم أتمكن من مقابلته بعد ذلك الاتصال خجلاً من مضايقته مرة أخرى.
وأذكر انه حدث أنني قابلت صباح يوم في جريدة الجزيرة وعن طريق الصدفة الجميلة والده الكريم معالي الشيخ الأديب محمد العيسى، وذلك في مكتب استاذي الفاضل الدكتور عبدالرحمن الشبيلي، حيث تجاذبنا اطراف الحديث والذكريات، وأذكر أنني سألته كثيراً عن أخي عبدالوهاب، وطلبت منه التفضل بنقل سلامي وتحياتي إليه مع الأمل بلقاء قريب يجمعنا من جديد.
وحتى العلم بالفاجعة الكبرى وفقدي لأخي العزيز جداً، أبي ياسر، كنت دائماً أفكر بين الفينة والأخرى بذلك اللقاء المنتظر، ولكن الحياة والقدر لهما دائماً فلسفة أخرى تتمثل في المفاجأة بكل شيء، ولا يمكن اطلاقاً التنبؤ بما سيعملان بشكل متوقع فهما خارج مجرد التوقع.
هذا وقد رحلت أخي عبدالوهاب عنا من هذه الدنيا الزائلة إلى الدار الخالدة، اسمح لي بأن أقول بأنني فقدت فيك انساناً حليماً، أنيقاً، مرحاً، حنوناً، عطوفاً، متواضعاً، وفيّاً، باراً بوالديه الكريمين، أسرته الكريمة، أقربائه، أصدقائه، وكل من عرفه عن قرب، فهو يبحث عن الخير ويحب ويعمل من أجله، يتفانى في عمله وجهده هنا وهناك وبلا حدود، هادئاً مرحباً حتى في اللحظات الصعبة.
وفي هذا الحدث الجلل العظيم لا يسعني إلا أن أعزي نفسي أولاً بفقد هذا الإنسان العظيم والمتميز، وأتقدم لوالده الجليل معالي الشيخ محمد العيسى، وأسرته المحتسبة، بخالص التعازي الصادقة، وأن يرزقهم الله الصبر والسلوان، وأدعو الله العلي القدير أن يغفر له المغفرة الشاملة، وأن يشمله برحمته الواسعة، ويدخله فسيح جناته، يا أيتها النفس المطمئنة, ارجعي إلى ربك راضية مرضية, فادخلي في عبادي, وادخلي جنتي , الآيات 27 - 30 الفجر .
وهكذا الرجال المتميزون، يعيشون، يعملون، ويرحلون بصمت وبكل هدوء، وأخيراً أودعك أخي عبدالوهاب الوداع الحزين الأخير، مع بقاء ذكرياتك الخالدة التي لن تنسى شاهدة عليك، واستودعك الله العظيم الجبار، في جنات الخلد مع الصديقين والشهداء والأبرار، وأنتم السابقون ونحن اللاحقون، وإنا لله وإنا إليه راجعون ، وإلى اللقاء.
|
|
|