عاشت أسواق النفط العالمية في الايام القليلة الماضية حالة من الاستنفار الدولي ترقبا لما سيسفر عن اجتماع الدول الاعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك) خاصة بعد النجاح الكبير الذي حققته المنظمة في التأثير على الاسعار النفطية في الاشهر الخمسة الماضية وبطبيعة الحال فقد سبق هذا الاجتماع تحركات سياسية واقتصادية دولية بهدف الوصول الى واقع يحقق التوازن في الاسواق النفطية ويحفظ للدول المصدرة والمستهلكة مصالحها المنشودة، وبالفعل فقد توصلت معظم الدول الاعضاء الى اتفاق يقضي بزيادة الانتاج النفطي بهدف اعادة المخزون العالمي من النفط الى مستواه المقبول والاسعار النفطية الى مستواها المعقول وفقا لما يراه المصدرون والمستهلكون, وعلى الرغم من معارضة بعض الدول لهذا الاتفاق الا ان المتغيرات الرئيسة في الاسواق النفطية قد بدأت تستجيب في الاتجاه المنشود مؤكدة مرة اخرى قدرة المنظمة على التأثير الفعلي على هذه المتغيرات وفي الاتجاه الذي تراه مناسبا لواقع ومستقبل الاسواق البترولية ولكن السؤال الذي قد يطرحه البعض في هذا الخصوص هو هل لجأت المنظمة الى الزيادة في الانتاج استجابة للضغوط السياسية التي فرضتها الدول المستهلكة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية ام استجابة لمصالحها المستقبلية؟ اعتقد ان المهتم بالشؤون النفطية يستطيع استنتاج الاجابة على هذا التساؤل من خلال العودة الى ماضي الاسواق النفطية ومن خلال متابعة واقع المتغيرات الرئيسة في هذه الاسواق,, وكمتابع ومهتم استطيع القول ان ما توصلت اليه المنظمة يصب في مصلحة الدول الاعضاء كما يخدم مصالح الدول المستهلكة وذلك للعوامل التالية:
1 ان التجارب قد اثبتت ان النفط سلعة اقتصادية ذات طابع سياسي مما يعني ضرورة الاستجابة الى المتغيرات الاقتصادية مع الاخذ في الاعتبار العوامل السياسية المحيطة, واذا اخذنا في الاعتبار كون معظم الدول المستهلكة للنفط ذات نفوذ سياسي قوي على المستوى الدولي فان من العقلانية عدم اهمال هذا المتغير عند الرغبة في اتخاذ القرار الاقتصادي المتعلق بالنفط والاسواق النفطية.
2 ان معظم الدول المصدرة للنفط تعتمد وبشكل رئيس على استيراد معظم حاجاتها مع السلع والخدمات من الدول الصناعية التي تمثل المستهلك الرئيس للنفط وبالتالي فان زيادة الاسعار النفطية سيؤدي بالضرورة الى ارتفاع تكاليف الانتاج في الدول الصناعية مما سيؤدي الى ارتفاع اسعار السلع والخدمات المستوردة والذي بدوره سيؤردي الى بروز حالة التضخم المستورد Imported Inflation في معظم الدول المستوردة لهذه السلع والخدمات وفي مقدمتها بالطبع الدول المصدرة للنفط.
3 نتيجة لكون معظم الدول المصدرة للنفط من الدول المستوردة للسلع والخدمات النهائية فان سعي هذه الدول الى مراعاة مصالح الدول الصناعية المستهلكة للنفط سيساهم في تهيئة الاجواء التفاوضية المتعلقة بالتجارة الدولية وبالشكل الذي يحمي الدول المصدرة للنفط من الاجراءات المضادة التي قد تلجأ لها الدول الصناعية المصدرة للسلع والخدمات النهائية.
4 ان سعي المنظمة الى تحقيق التوازن في الاسواق البترولية وبالشكل الذي يحقق مصالحها ومصالح الدول المستهلكة للنفط يتمشى مع الاهداف الرئيسة للمنظمة التي تنص على تحقيق مصالح الدول الاعضاء دون الاضرار بمصالح الدول المستهلكة.
5 ان سعي المنظمة ذاتها الى تحقيق التوازن في الاسواق النفطية يعطي الانطباع لدى المستهلك الدولي بعدم رغبة المنظمة في استغلال الظروف لصالحها دون اكتراث بمصالح الدول المستهلكة مما سيحد او يقلل من رغبة الدول المستهلكة في اتخاذ تدابير وقائية مضادة كما حدث في بداية الثمانينيات عندما انشئت وكالة الطاقة الدولية لحماية مصالح الدول المستهلكة للنفط ولايجاد الطرق التي تكفل خفض حصة النفط في اجمالي مصادر الطاقة المستهلكة, وفي اعتقادي ان شعور الدول المستهلكة للنفط بالاطمئنان يساهم في دعم الاهمية النسبية للنفط من خلال استمرار الاعتماد عليه كمصدر رئيس للطاقة وهذا في النهاية يصب في مصلحة الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء.
6 ان قدرة المنظمة على التأثير في الاسواق النفطية وفي الاتجاه الذي تجده مناسبا لمصالحها يمثل شهادة ميلاد جديدة لمنظمة خاصة بعد حالة الوفاة المعنوية التي خيمت على المنظمة خلال النصف الاخير من الثمانينيات ومعظم التسعينيات مما سيدعم الموقف الدولي للمنظمة ويقضي على الفكرة السائدة التي تقول بعدم جدوى بقاء المنظمة كاكارتيل مؤثر في السوق البترولية.
كما ان نجاح المنظمة في هذا الوقت بالذات قد يدفع بالدول المنتجة للنفط من خارج المنظمة الى التعاون والتنسيق مع المنظمة وربما تسعى بعض الدول الى الانضمام رسميا الى المنظمة مما سيدعم موقفها الدولي وتأثيرها المستقبلي في الاسواق النفطية.
وبالتالي فان قرار المنظمة بزيادة الانتاج النفطي لا يمثل خضوعا للضغوط الدولية ولكنه استجابة للمنطق والعقلانية الدولية التي تنص على ضرورة اخذ كافة المتغيرات المؤثرة في الاعتبار عند الرغبة في اتخاذ القرار الذي يمس مصالح الدول بدرجات متفاوته وربما متناقضة ومتضادة, ولكن ينبغي الاشارة الى ان نجاح المنظمة الحقيقي يتمثل في مقدرتها على التحكم في انتاج الدول الاعضاء وبالشكل الذي يمنع تجاوز الحصص المقررة حيث من المتوقع ان تتسابق الدول الاعضاء الى زيادة انتاجها وبكميات كبيرة رغبة منها في استغلال الاسعار المرتفعة في الوقت الحاضر مما قد يؤدي بالسوق البترولي الى حالة مشابهة لما كانت عليه في الثمانينيات عندما تسابق الجميع الى ضخ كميات هائلة من النفط ادت في النهاية الى انخفاض الاسعار الى مستويات غير مسبوقة كما ان نجاح المنظمة الحقيقي يعتمد على مقدرتها على تسويع دائرة التنسيق لتشمل كبار المنتجين من خارج المنظمة حتى تتلافى الزيادة المتوقعة في الانتاج من قبل هذه الدول, واخيرا فان نجاح المنظمة الحقيقي يعتمد وبشكل كبير على قدرتها على حماية الاسعار من الانخفاض الى مستويات غير معقولة وذلك من خلال مراقبتها للاسواق النفطية واستعدادها لخفض الانتاج عندما تقوم الحاجة الى ذلك خاصة وان انتهاء فصل الشتاء قد يساهم في خفض المطلوب عالميا من النفط وزيادة المخزون العالمي.
اشارة: اعتقد ان توافق مصالح المنظمة مع مصالح الولايات المتحدة الامريكية يمثل مكسبا حقيقيا للمنظمة نتيجة لكونها من كبار الدول المنتجة للنفط التي تحرص على عدم انخفاض الاسعار النفطية الى مستويات متدنية ولعل حرصها على رفع الاسعار بعد الانخفاض الكبير في عام 1998م خير دليل على امكانية استغلال هذا التوافق في دعم الموقف السياسي والاقتصادي للمنظمة في مواجهة الضغوط الدولية التي قد ترد من دول تعتمد بشكل اكبر على النفط المستورد كمصدر رئيس للطاقة.
* أستاذ الاقتصاد المشارك بكلية الملك فهد الأمنية