Tuesday 4th April,2000 G No.10050الطبعة الاولى الثلاثاء 29 ,ذو الحجة 1420 العدد 10050



وداعاً يا وجه أمي
فاطمة فيصل العتيبي

أمي ,.
بشراك,.
لقد خرجت هذاالصباح إلى عملي,.
سرحت شعري ووضعت بعض الألوان الخفيفة على ملامحي,.
خرجت وسلمت على الناس وحادثتهم,, وتناولت القهوة معهم,.
وأغلقت على حزني شبابيك قلبي,.
لقد كنت تخافين عليّ من الحزن,, ترينني دائما قلبا ضعيفا هشاقابلا للكسر,, تشفقين دائما عليّ من هذه الحساسية التي تربك مشاعري سريعا وتسيل نهرا من دموعي.
تقولين لي,, أنى لك الصبر على ملمات الحياة ولك قلب يسهر لأنين سابع جار,.
اطمئني يا أمي، فاعلم كم كنت تشفقين عليّ وعلى اخواني من أمر فقدك,.
كنت تتألمين وأنت على فراش المرض ليس لأنك سترحلين,.
بل لأننا سنحزن على فراقك,.
لا تريدين لنا أن نبكي,.
لا تريدين لنا أن نحزن,.
تبكين فقدك من أجلنا وليس من أجلك,.
بشراك أمي,.
فقد عدنا,,نبتسم,.
وخرجنا كلنا إلى أعمالنا,.
وقام أبونا يصلي الليل ويحكي لنا في النهار حكايات الرفاق في ارامكو مع الأمريكان وفي (الخفس) مع المزارع والمزارعين,.
كلنا عدنا الى الحياة,, اناواخواني واخواتي,.
** لكن ستارة شفيفة اضفيناها على حزننا الكبير,.
ستارة لا تكاد تستر شيئا,.
فبمجرد ان ننظر الى بعضنا يبكينا الحزن,.
وتظهرين انت ايتها النجدية تأتلقين نضارة وأنوثة وعطاء وحنانا تقفين بموازاتنا,.
تربتين على أكتافنا,.
وتوسعين من حدقات عينيك البدوية,, لتستيقظ حدة الصحراء في وجهك حين ترفضين منا أمرا,, كبرنا وظللت أنت خلفنا,.
تعلمنا وظللت أنت تعلميننا المزيد,, ما لم تعلمه المدارس والجامعات حين ننظر الى اعين بعضنا ونحن نحكي حكايات متفرقة نوهم أنفسنا اننا نسينا واننا خرجنا من مأزق الحزن القائم,.
نجدك في عيني المتحدث,, وننشغل عن حكايته بك,.
فتبتل منا الوجوه دون ان ندري,.
ويحاول كل منا ان يمسح الدمع سريعا حتى لا يثير هذه البحيرة المردومة في دواخلنا,.
** لا تريدين هذا يا أمي,, اعرف ذلك,, وكلنا نعرف,.
تريدين أن ندعو لك وأن نعيش وأن ننجح وأن نتقدم أكثر وأن نضحك كما كنت تضحكين.
وأن نتآلف مع الناس والأصدقاء والجيران والأقارب
كما كنت دائما تفعلين,.
تريدين لنا أن نمنح أبناءنا كل دفء مشاعرنا وأن نعطي لأهلنا واخواننا كل حياتنا كما كنت تعطين,.
لكننا يا أمي مكممون بالحزن على فقدك,.
نؤمن بالموت ونؤمن بخالق الموت والحياة,.
وندرك فضيلة الصبر والاحتساب,.
ونحن ان شاء الله من الصابرين,, لكننا بك يا أمي مفجوعون,.
رحلت في الوقت الذي آن لك الأوان فيه أن ترتاحي,, وأن تتأملي في زرعك كيف أثمر,,وكيف أينع وكيف استقامت ورداته.
وكيف تشابكت أغصانه وتآلفت,.
كان الأوان قد آن لان تقتعدي المكان الوثير ليلعب حولك الأحفاد ويتلون عليك أناشيد الطفولة,,كنت الجدة التي لم تشخ,, ولم يداخلها الوهن والعجز.
كنت الجدة التي تتقد نشاطاً وحركة وتذهب للمدرسة لتحفظ القرآن وتشارك الجارات والصديقات والقريبات افراحهن ومناسباتهن الىأن هاجمها المرض ولم يمهلها لكي تشيخ وتهرم,.
فامتدت لها يد الموت سريعاً,.
حتى لكأن الفقد كان حلماً
وحتى لكأن الوداع كان وهماً,.
** اطمئني يا أمي,.
نحن بموتك مصدقون,.
ونحن على فقدك ان شاءالله صابرون محتسبون.
تلهج ألسنتنا منذ شهر وستظل بإنا لله وإنا إليه راجعون,.
لكننا يا أمي
سنظل نبكيك وسيظل الدمع يغالبنا في كل مرة نذكرك وذاكرك عنا لا تغيب,.
اصفحي يا أمي عنا,.
فنحن نعلم انك تودين لوأننا لم نبك واننا لم نحزن,.
لكننا مغلوبون على قلوبنا المحبة لك,.
فقد منحتنا كل ما يمكن وما لا يمكن لأم ان تمنحه.
لم تبخلي,, لم تتأفي,, لم تشتكي,.
ظللت تغدقين العطاء حتى آخر لحظة,.
حتى اللحظات التي كان جوفك يشتعل نارا من الألم,.
كنت ترسمين ابتسامة على شفتيك بمجرد ان تريننا,, تحاولين ان تتحدثي عن الآتي والمستقبل لتشعريننا بأنك تتقدمين نحو العافية والشفاء.
هل أقول لك وداعا يا أمي.
هل يودع المرء قلبه ويظل نابضا بالحياة,.
لقد كنت منا القلب يا أمي,, فليرحمك الله يا أم عبدالله.
وليوسع مدخلك وليجعل قبرك روضة من رياض الجنة وليجزيك بالخير عن كل عمل خير وكلمة طيبة تعاملت بها مع الناس أجمعين,.
ولئن كان حزننا عليك عظيما,, فإن عبارة (ليست أمكم وحدكم بل هي أم الجميع) التي كان تتردد ايام تعزيتك كانت بمثابة المهوِّن علينا قليلا,,
فلسنا وحدنا من افتقدك,.
لقد افتقدك كل من عرفك,, افتقد فيك الطيب وحسن الخلق والمعروف والحديث الطيب,.
رحلتِ يا امي ولا تظني
إن قلوبنا بعدك ستشفى,.
لقد انطفأ منها ضوء كان ينير لها طرقات الحياة,.
لقد خفت فيها فأل كان سراً استطعت ان توجديه فيها.
لقد تساقط ريش كثير من أجنحتنا تلك التي كنا نخفق بها يميناً وشمالاً.
لقد كنت الضوء والفأل وريش الأجنحة.
فوداعا يا أمي,, أقولها وأنا أغادر عنيزة لأول مرة والتفت نحو الباب ولا أجدك تلحقينني بشيء من أوراقي التي نسيتها,.
أغادر عنيزة ولا أجدك ترددين (أنا ام فاطمة تبكين علشانك رايحة عنا حذفة عصا).
الآن فقط عرفت ان ابعد نقطة في الدنيا تظل (حذفة عصا) ازاء فقدك وبعدك ورحيلك الأبدي,.
أغادر عنيزة يا أمي,, وليس لي فيها قلب أم دافئ.
وليس لي فيها حضن واسع ارتمي فيه لأحكي أصغر همومي وأكبرها,.
أغادر المدينة,, وليس لي فيها امرأة ليست ككل النساء اطعمت قلبي الحب,.
وغذت أصابعي بالحبر
ومنحت أحلامي الثقة وعلمتني ان تاء التأنيث ليست عيبا ابدا.
بل إن الإنسان بمقدار عطائه ونوعيته يُقدَّر ويُهاب رجلا كان أم امرأة وإن الاخلاص هو ذروة سنام النجاح فلأن اخلصت في أي أمر من أمور الحياة كتِبَ لك فيه النجاح,.
** غادرت يا أمي عنيزة,.
وبكيت مثلما دخلتها آخر مرة,, حزينة مفجوعة بفراقك,.
تنظرني اشجارها مشفقة,,وترمقني مبانيها دامعة,.
تعلم انني في كل مرة سأعودهاسأبكي كما لو لم أبك من قبل.
وسأحزن كما لو لم أحزن من قبل,.
لأنك يا أمي لم تعدي في عنيزة,, لم تعدي تجلسي في أواسط بيتك لتستقبلي البعيد والقريب,.
وتستمعي للهموم والنجاحات,,لم تعدي في عنيزة يا أمي,.
ولن أجدك في زياراتي القادمة,, ولن أجلس معك ساعة ضحى نحتسي القهوة التي تعبق بمهارتك في صنعها,, لن استمع الى همومك التي تفضفضين بها لي كما لو كنا صديقتين حميمتين,.
سأعودلعنيزة ولن تستقبلينني بابتسامتك وعبارتك العذبة (هلا يأمي)
لن اسمعك تقولينها مرة أخرى,.
ولن تسعدني عبارات الدنيا كلها بعدها,, ولن تعوضني عنها قط,.
لكنك ستظلين يا أمي باقية,.
في القلب,, في نبض العروق,, في حدقات العيون,.
في الأنفاس وفي الدعوات وفي الصلوات,, في السجدات والركعات,.
وسنظل اوفياء لكل كلمة جميلة تعلمناها منك وسيظل عزاؤنا في أننا نجدك في كل تفاصيل حياتنا الصغيرة والكبيرة نسمع صوتك ونسمع توجيهاتك,.
ونسمع عباراتك الحانية,, تماما كما لو كنتِ معنا لأنك لم تتركي مدخلا طيبا من مداخل الحياة إلا وعلمتنا إياه,.
فليرحمك الله,, ويبقى لنا شريك عمرك أبانا الذي نعلم ان حزنه دفين وألمه عظيم,.
فقد نتشاغل بصوارف دنيانا ونحاول أن نشغل الفؤاد بها,.
لكنه هو سيظل أسيرا لعمر كامل من الحياة والعمل والصداقة والمشاركة الحقيقية التي كنت تمثلينها معه,, فليرزقه الله الصبر والسلوان وليطيل عمره لنا فهو عزاؤنا من بعدك,, ووداعا يا وجه أمي,.

رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

متابعة

منوعـات

القوى العاملة

تقارير

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

مدارات شعبية

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved