Tuesday 4th April,2000 G No.10050الطبعة الاولى الثلاثاء 29 ,ذو الحجة 1420 العدد 10050



دجاجة الشعر! 2/2
عبدالله بن إدريس

سمعنا وقرأنا كثيراً مما قيل وما كتب عن الشعر,, بروح من التشاؤم والشفقة عليه,, من انه لم يعد له مستقبل في عصر الثورات العلمية المدهشة والباهرة,, والمتلاحقة في تطورها السريع,, واتساع مجالاتها، وشموليتها كثيراً من وجوه الحياة.
وظن كثير ممن تستفزهم الآراء المبتسرة والنظرة القاصرة الى الإنسان في حقيقة حياته ووجوده، أن الشعر قد أصبح أو يوشك أن يصبح من مخلفات الأزمنة الماضية,, وأن العالم قد انشغلوا عنه بدنياهم الراكضة، وبحياتهم المادية التي صارت أخذاً وعطاء نفعياً ونهباً وسُعاراً مادياً,.
وظن هؤلاء المتشائمون بمستقبل الشعر في أنحاء العالم ولسوء فهمهم لطبيعة الإنسان ان المنجزات العلمية والاختراعات والابتكارات، كفيلة بتجميد المشاعر والأحاسيس الإنسانية الداخلية,,وان هذا التطور العلمي الهائل، قد همش كل ما يتعلق بقلب الإنسان ووجدانه، ويبّس روحه، وأنضب كل ما فيها من ماء الحياة,, وكأن الإنسان قد أصبح مخلوقاً آخر غير الذي عرف الشعر وعرفه الشعر عبر القرون والأحقاب.
وهذا ظن ساذج,, وافتئات على تكوينه من روح ودم، ومن ذهن وعقل وفكر، ومشاعر لا تطفئ حرارتها الدائمة الاشتعال مطافئ العالم,,ما لم يطفئها الشاعر بتفريغ شحنته الوجدانية في كلمات ذات نمط خاص، معجونة بصيغ خاصة، وألفاظ مدندنة، وتصوير يجسد المعاناة كما لو كانت لوحة تشكيلية ضاحكة,, أو باكية,,!
***
الشعر باق ما بقي الإنسان,, فهو جزء من تكوينه النفسي,, وهو ملاذ الشاعر من صقيع الحياة ورمضائها,, يهفو إليه، وإن كان معه,, ويناديه، وإن كان على شذرة لسانه,,!
الشعر العربي الفصيح جزء هام جداً من الثقافة العربية, بل هو أبرز وجوهها قبل ظهور الإسلام الذي جاء بالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة,, وبهما تكونت الثقافة العربية الاسلامية الجديدة, منذ نزلت أول آياته اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم .
وبعد ارتكاز ثقافة الأمة على هذين الوحيين الكتاب والسنة بقي الشعر على مكانته السامية في هذه الثقافة العربية الاسلامية,,وبقي هو ديوان العرب لا تنافسه على قيمته ومكانته الفنون الأدبية الأخرى,, مهما ادعى اصحابها ذلك.
إلا أن الشعر ليس فناً جماهيرياً يتذوقه أو يتعشقه الجميع,, بل هو فن النخبة صناعة وتذوقاً,, وحينما يدعي بعض من لا يسبر أغوار الحقيقة,, بأن الشعر العامي سيطر في الأعوام الأخيرة على الساحة، بسبب تواري الشعر الفصيح وعدم تبنيه قضايا المجتمع في السنوات الأخيرة على حد زعمهم فإنهم إنما ينسون حقيقة أن الشعر الفصيح ليس في عالم مجاراة الشعر العامي أو كرة القدم جماهيرياً فهو فن النخبة ومتذوقي جمال وحلاوة اللغة الفصحى، لغة القرآن الكريم، ومحضن ثقافة الأمة العربية والإسلامية, ومع ذلك فالشعر الفصيح، في الأفق الفسيح,, ذو قدرة باهرة في استفزاز المشاعر والأحاسيس، وخلق التفاعل الجماهيري المؤثر ايجاباً أو سلباً,, متى خرج الى الشمس الدافئة,!
ولو قارنا بين تأثير الفصيح والعامي عبر التاريخ الذي وجد فيه الشعر العامي,, لما وصل تأثير العامي طَولاً إلى كعب الفصيح، وهذا معلوم بالضرورة من أحداث التاريخ التي كان الشعر العربي قابِسَها حيناً ومطفئها حيناً آخر,.
ولقد أدى الشعر العربي دوره الكبير في الحياة العامة، والخاصة، بجميع تفاصيلها، ودقائقها، وأسرارها الاجتماعية والذاتية,, بحقائق لا يحفل بها التاريخ لو لم تكن شعراً, وجعل منها أمثالاً مطردة، وحكماً بالغة، وعلاجات شافية، وقبل ذلك وبعده، امتاعاً روحياً,, وتنفيساً عن تجارب شعورية كارِبَة، قادرة، بعد خروجها من أعماقه، ان تحقق له قدراً من تخفيف أحماله النفسية التي ناء بها قبل ولادة قصيدته.
ثم إن الشعر الحقيقي هو الذي ينقلك من عالمك إلى عالم الشعر حيث تجد عنده بغيتك وحاجتك في التعبير عما في نفسك,, وعند ذلك يتحد الشاعر والمتلقي في نقطة تفريغ الهم لكل منهما في هذه القصيدة التي تجمع بين جمال التعبير ودقة التصوير, وهي بهذا المستوى التكاملي تمنح أفق الحياة كل وجوده بما هو عليه من قتامة أو اشراق.
***
وللشعر بالنسبة لمتلقيه، خصائص ومستويات اجتماعية وفنية مختلفة، هي أكثر من أن يستوعبها مقال كهذا,, ولكني أكتفي بمثال واحد هنا، هل رأيتم أو سمعتم ان شاعراً ما ألقى في حفل كبير يحضره ملك أو أمير أو رئيس دولة قصيدة تفعيلية؟ فضلاً عما لو ألقى هَذَرِيَّةً مما يسمى بقصيدة النثر,, هل تكون هذه القصيدة التفعيلية، بالرغم من حفولها بالموسيقى، مقبولة أومناسبة للمقام,,؟ أم لا بد أن تكون قصيدة أصيلة عمودية ؟
ويتفرع من هذا المثال مثال آخر: لو أنك دعوت إلى بيتك أناساً من علية القوم وكبارهم وأردت تكريمهم هل تقدم لهم دجاجات وما أشبهها؟ أم لا بد من شباب الخرفان تتبختر على الصحون أو الصواني الكبيرة، حتى ولو لم يوسعوها قصفاً وازدراداً ونتفاً؟!
فالعادة الاجتماعية لا بد من احترامها ما لم تكن منافية للثوابت والقيم,.
***
وتحضرني بهذه المناسبة نكتة في حكاية:
يقولون إن رجلاً زار صديقاً له يمون عليه ومعه ابنه، فدعاهما صاحب البيت الى عشائه المكون من الخبز، والجبن، والزيتون، والعسل نواشف فاستغرب الصبي هذا العشاء، وقال بابا ليش ذولا عشاهم فطور,,؟! .

رجوعأعلى الصفحة

الاولــى

محليــات

مقـالات

المجتمـع

الفنيــة

الثقافية

الاقتصادية

القرية الالكترونية

متابعة

منوعـات

القوى العاملة

تقارير

عزيزتـي الجزيرة

الريـاضيـة

مدارات شعبية

العالم اليوم

الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved