أخي الفاضل,, الدكتور فهد العرابي الحارثي,.
سلام الله عليكم,, ورحمته تغشى مثوى توءم روحنا ورفيق دربنا الغالي عبدالوهاب العيسى,, أعزيك اخي ,, وأعزي نفسي والأصدقاء فيمن لا عزاء فيه، فما أفدح الخطب وما أجل الرزء وما اعظم المصيبة! لكن لا راد لقضاء الله ولا معقب لحكمه رغم ان الفاجعة هزت الكيان وعقدت اللسان.
كان من حسن صنائع الأيام ان جمعتنا واياكم بالفقيد الراحل في الرياض ثم تشاء طبائع الزمن ان تفرقنا بعد ان توثقت عرى الصداقة وتعمقت مشاعر الاخوة بين نفر كريم وكان أبو ياسر واسطة العقد الفريد,, وهاهو الذي جمعنا في ربيع الأيام الزاهرة على المحبة ينادي صحبه من أصقاع الدنيا وأطراف الأرض لكن للأسف,, كان المضيف هذه المرة غائبا وكان الضيوف يتجرعون مرارة الدمع وهم يتحلقون حول مقعده الخالي,, وترتفع أصواتهم بالنحيب وتنصهر قلوبهم في بوتقة الأسى والألم وهم يرددون:
كنا كأنجم ليل بينها قمر يجلو الدجى فهوى من بينها القمر |
فما أشد حلكة الليالي وظلام الأيام على قلوب محبيك يا أبا ياسر,.
أخي الدكتور الحارثي,.
قرأت بقلب باك ما سطره يراعك البارع الملتاع في مآثر العزيز عبدالوهاب خاصة للذين لا يعرفونه,, لكن ماذا عنا وقد عرفناه؟! وما عساي أفعل وقد طوقني بمحبته وقد ضاقت العبارة عن رثائه وجف حلق القلم من النواح وأنا أطالع ما سطره بعض محبيه من الرثاء الصادق,, فوالله لكأني أسمع نحيب الطرس وأنين الأقلام,.
أحسبك قلت في فرائد بكائياتك الخمس بعض ما تريده لا كله,, وقد وجدنا فيه بعض ما نريد لا كله ونحن ممنونون لك وان كنا جميعا نقف حائرين أمام عجز العبارة عن بلوغ المرام واذا كان ما لا يدرك كله لا يترك جُلُّه فدعني استميحك العذر كي أنثر حروف الدمع على صحيفة الجزيرة الغراء,, علها تجد موضعا في لجة بحر المراثي المتلاطم لأكتب سطرا في صحائف عبدالوهاب البيضاء,, هو بعض الحزن وبعض الوفاء,, وليته يعلم ما نقاسيه من الألم وما نعانيه من الأسى والأسف.
أخي الغائب الحاضر عبدالوهاب العيسى:
سارعت بك خطى الرحيل,, ووا أسفي فقد كنت بعيدا,, وغبت عن موكب المودعين للفتى النبيل,, وحين طافت قوارب الأسى بحار الدمع تبلغ الموانىء الخبر الموجز المفجع بأنك غادرت فجرا,, قلت لعله فضل ألا يوقظ النائمين وألا يبلغ الغائبين كعادته فهو لا يحب الا راحة الآخرين,, لكن ليتك فعلت لينعم أصحاب الحظ بالنظرة الأخيرة.
اذا ما دعوت الصبر بعدك والأسى أجاب الأسى طوعا ولم يجب الصبر فان ينقطع عهد اللقاء فانه سيبقى عليك الحزن ما بقى الدهر |
ما أكثر ما فعل أخي عبدالوهاب,, وما أقل ما أذكر,.
ومن ذلك انني حين جئت للمملكة سفيرا لبلادي كان فضل الله علي عظيما ان يسر لي التعرف بالفقيد الراحل فلقيت بذلك من بعد عسر يسرا,, وهو عسر لا يدركه الا من تلقى على عواتقهم مهمة كهذه فيدب في نفوسهم هاجس بناء علاقات جديدة وصداقات جديدة ولكن عبدالوهاب فتح أمامي بوابة المجتمع السعودي الشقيق بكل فئاته فدلفت برفقته مطمئنا وتعرفت على وجوه الخير وأهل البر وعلية القوم وبسطاء الناس وتوثقت صلاتي بأصحاب السمو الأمراء وبالعلماء والساسة والمثقفين ورجال الجيش والأعمال وعامة الناس الطيبين فكسبت بذلك صداقات طيبة أهلتني لأداء مهمتي الهادفة الى تدعيم علاقات الشعبين الشقيقين على أكمل وجه,, وتتويجا لتلك الصلات وبفضلها منحني خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز حفظه الله وساما رفيعا أعتز به وهو وسام الملك عبدالعزيز من الطبقة الأولى كأرفع وسام يمنح لسفير وكان عبدالوهاب لا يقل سرورا عني واعتزازا مني بذلك التشريف اذ كان يعتبر ان تكريم أصدقائه تكريم له,, وكان صادقا فيما يقول ويفعل,,وجدت فيه الأخ والصديق,, كان واسع الصدر، طيب المعشر، لا تعرف الكآبة الى ملامحه سبيلا,, وكأنه اقتدى بقول الرسول الكريم تبسمك في وجه أخيك صدقة ,, كان سباقا للفضل، مسارعا للخيرات، كريم السجايا، ودود النفس، تخلصت روحه من شوائب القلق فكان بحرا من المرح ونهرا من الفرح,, يلقاك هاشا باشا يسأل عن الحال والأحوال والعيال,, ما غره رفيع المنصب ولا أخذته العزة ببريق الموقع وكان حريا بمثله ان يختال بما تحقق له من نجاح وما بلغه من مقام ولكنه جبل على التواضع وبذلك ارتقى في قلوب محبيه مكانا عليا وكأني بهم يقولون:
تراه اذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله |
يا أبا عبدالوهاب وأولاده واخوانه وأصدقاءه وأهله وعشيرته,, ماذا أقول وأنا مجروح الروح؟! أشهد أني عرفته عن قرب وأشهد ان نفسه كانت عامرة بالخير وروحه وثابة للمساعدة ومشاعره دفاقة بالمحبة لكل الناس,, وجد عنده الفقراء ملجأ والمرضى متكأ والمتألمون قلبا رحيما والمتعففون يدا تمتد فلا تدرك اليسرى صنائع اليمنى وقد كان يؤثر الآخرين بالنفس والنفيس ولو كان به خصاصة.
وما انقطع ود بيننا في حياته اذ جاءتني رسائله تترى أينما حللت يحفها موكب الكلمات الجميلة والأمنيات النبيلة! فكيف تصله كلماتي الثكلى,,؟
يا ابا عبدالوهاب,, فجيعتك فيه عظيمة وغيوم الحزن تظلنا جميعا فان كان من عزاء فهو هذا الحب المتدفق من كل صوب,, فهل علمت الآن كم اخاً لعبدالوهاب؟ وهل تحصي عدد أبنائك بعده؟ كلهم بنوك وكلهم عبدالوهاب وفي ذلك بعض التأسي وبعض السلوان.
ويا أصدقاء عبدالوهاب,.
عسير عليكم ان تلتقوا في رحاب المملكة دونه,, فلن يطيب لكم مجلس ولن يهنأ لكم ملتقى ولن يرقأ لكم دمع,, لكن ان شاء القدر اللقاء فحتما سيكون الغائب الغالي حاضرا بين صحبه,, يجدونه في كل شيء,, في صمتهم الحزين وتراتيلهم الهادئة وذكرياتهم الأثيرة.
والآن ماذا بقي سوى ان ألم ما تبعثر من بقايا النشيج! فيا سحائب الحزن اغسلي قلوب محبيه بالدمع صباح مساء,, ويا أيتها الألسن التي استعصى عليها الرثاء، تمتمي بالدعوات الصادقة له بالرحمة والمغفرة.
ونسأل الله ان يجعله من أقرب الناس مجالس لنبيه الكريم يوم القيامة فقد شهد له كل من عرفه بأنه كان من الموطئين أكنافا الذين يألفون ويؤلفون .
أعز الله آله وذويه ومحبيه بالصبر وأغدق عليه الأجر وعطر ثراه وجعل الجنة مثواه,.
ردت صنائعه اليه حياته فكأنه من نشرها منشور |
أخوك محمد بن علي الأنصاري