أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Wednesday 10th May,2000العدد:10086الطبعةالاولـيالاربعاء 6 ,صفر 1421

منوعـات

يارا
موت المشري
عبدالله بن بخيت
التقيت بالمشري لأول مرة في مستشفى، والتقيت به آخر مرة في مستشفى,, وعشرات المرات بينهما كان معظمها في مستشفى, ولكن المرات التي قُدّر لي أن أقضي فيها وقتا مع المشري خارج المرض وخارج المستشفيات كانت قليلة,, ولكنها لا تُنسى أبدا, فعندما تعرف أن المشري في المكان الفلاني وتقرر الذهاب إليه فإن أول ما يتبادر إلى ذهنك هو العطف والشفقة, تذهب إلى هناك وأنت تفكر في الإنسان الذي قضى ربك عليه أن يعيش بين الآلام وأن تحاصره كل الأمراض الأساسية التي يكفي واحد منها ليجعل من الإنسان عاجزا في حاجة قصوى ليد العون والمساعدة, وتتصور أنك ستواجه إنسانا يعيش أزمة نفسية تتطلب مداراة ومجاراة ورعاية خاصة, تذهب إليه وفي داخلك كل الشفقة التي يستطيع قلبك أن يجود بها,, ولكن عندما تقابله حتى في المستشفى وحتى وهو يعيش في واحدة من أشد أزماته، تشعر على الفور أن كل ما يقوله الناس ليس صحيحا, لا تقفز أمراضه وأموره الشخصية بينك وبينه,, يتحول مجلسه في المستشفى منتدى ثقافيا صغيرا وتنسى مرغما أنك في حضرة إنسان كان يجب أن يموت منذ زمن بعيد، ويعيش حياة ليست إلا قتالا مهيبا ضد الموت, ففي تلك اللحظة التي تواجهه فيها وهو مستلقٍ على السرير سيفرض عليك أن تعيش معه وفقا لشروط الحياة المتكاملة، كأنك في زيارة عادية لإنسان عادي, تصخب معه وتجادله وتختلف معه وتنكت عليه فلا تشعر أنك في حضرة مريض ولا حتى في مستشفى, وعندما تنتهي الزيارة وتعود مرة أخرى إلى العالم الذي جئت منه، تتذكر أن المشري مريض، بل يحتضر, فحياته مصداقا لتوجهاته الإبداعية,, فهو قاص وروائي وهناك مسافة كبيرة بين أحداث القصص التي يكتبها وبين حياته الخاصة وهذا بالضبط ما تلمحه عندما تسمع عن المشري وحياته التراجيدية وآلامه العظيمة ثم عندما تقابله على المستوى الشخصي, تحس أن حياته العامة التي يتناقلها الناس عمل روائي لا يمتُّ بصلة للشخص المعني وكأن المشري المريض هو شخصية روائية في كتاب تقرأه كلما قرأت خبرا عن دخول الكاتب للمستشفى وخروجه من المستشفى.
كان يجب أن ندهش من استمراره في الحياة، ولكن ما أدهشنا هو خبر موته, فجعت بخبر موته كأني أسمع خبر موت إنسان قوي متعافٍ في العشرين من عمره, لقد تعوّدنا عليه حيا قويا أو هكذا بسطت شخصيته العظيمة نفسها على الناس, فإذا سمعنا انه أدخل المستشفى لا نقلق كثيرا وإنما يجتاحنا قلق على عزيز أدخل المستشفى في عملية زائدة أو تفتيت حصوة لا أكثر, لا نأخذ أخبار أزماته المميتة بشفقة أو بعطف على إنسان مهدد بالموت,, فسؤالنا الطبيعي عندما يدخل المشري المستشفى: لقد مات عبدالعزيز المشري، كان الذي مات المشري الشخصية الأسطورية وكأني أتوقع أن أقرأ في الأسابيع زاويته الأسبوعية واخبار دخوله المستشفى مرة أخرى إلا إذا كان الكاتب عبدالعزيز المشري قد قرر أن ينهي الرواية ويغلق الكتاب؟!
اعتذار:
أعتذر لقراء يارا عن التوقف عن نشر قصة (مأساة لاعب كورة) وسوف تستأنف يوم السبت القادم,, مع تقديري للجميع لتفهم حساسية هذا الحدث الثقافي الكبير: موت الكاتب الكبير عبدالعزيز المشري.
لمراسلة الكاتب
yara4me@ yahoo.com

أعلـىالصفحةرجوع



















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved