أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Monday 12th June,2000العدد:10119الطبعةالاولـيالأثنين 10 ,ربيع الاول 1421

مقـالات

أيام العار الجزء الثاني 1 - 3
كتبها: جون سوين، جريدة الصنداي تايمز 19 مايو 1996
ترجمها إلى العربية منصور بن محمد الخريجي
مقدمة
هذه مقالة كتبها مراسل إنجليزي أثناء حرب البوسنة والهرسك ونشرت في جريدة التايمز الإنجليزية, هي في الواقع الجزء الثاني لمقالة سابقة ترجمتها أيضاً ونشرت في المجلة العربية التي يرأس تحريرها الأخ الأديب حمد القاضي وكان ذلك منذ حوالي سنتين على ما أذكر, كنت ترجمت المقالتين في ذلك الوقت إلا أنني لم أنشر هذا الجزء الثاني الذي نحن بصدده الآن, لقد وجدت أن الحوادث والمآسي التي يتحدث عنها الكاتب الانجليزي مؤلمة لدرجة أن قراءتها ستصيب القارئ بصدمة قد تؤثر على ذوي الحس المرهف, إن الآلام التي يصورها المقال تفوق بوحشيتها ودمويتها كل ما سمعنا به أو قرأنا عنه سواء في التاريخ القديم أو الحديث.
ولا نتكلم هنا أو بالأحرى لا يتكلم كاتب المقال عن مجرد شراسة ووحشية صراع بين فريقين متحاربين، بل هو يتكلم عن جريمة نكراء ارتكبت عن قصد وتصميم ضد شعب البوسنة المسلم، وذلك تحت سمع وبصر الدول الغربية الممثلة في الأمم المتحدة, لقد توخيت من ترجمتي ونشري لهذه المقالة الحزينة ان أنبه إلى أن هناك حرباً شرسة قائمة ومستمرة ومع سبق الإصرار والتصميم ضد مسلمي العالم يقودها العالم الغربي كما سيتضح لكل من سيقرأ هذه الترجمة إلى نهايتها, وأن كل ما يقال عن تعايش الأديان ما هو إلا هراء سخيف لا يصمد عندما يجد الجد, والآن إلى المقالة.
***
إنها فقط صورة فوتوغرافية مشوشة لعائلة صغيرة مكونة من زوجين يبتسمين وبجانبهما طفلهما، ولكنها دليل واضح على ما حصل في بلدة سربرنيتشا منذ عشرة شهور عندما ذبح عشرات الآلاف من البشر كخرفان على منبر السياسة العمياء, كانت تلك الصورة هي كل ما بقي لحسن نوهانو، وهو مترجم لقوات الامم المتحدة، من عائلته المكونة من امه وابيه واخيه الصغير, لقد قتلوا جميعا في عصر ذلك اليوم من 11 يوليو كانت بلدة سربرنيتشا قد اعلنت مدينة آمنة إلا ان عساكر الصرب اقتحموها دون أي مقاومة من قوات الامم المتحدة بعد ان حطموا الحواجز الامامية التي كانت في طريقهم وكأنها أعواد كبريت، كما أخذوا عدداً من الجنود الهولنديين أسرى, في بوتوكاري وهي تبعد حوالي ميلين الى الشمال كانت اعصاب الهولنديين متوترة لأنه كان عليهم على الاقل ان ينقذوا آلاف الفارين من الرجال والنساء والاطفال من سربرنيتشا تجاه معسكرهم, لقد أعطيت الأوامر لهؤلاء الجنود أن يفتحوا منافذ في الأسلاك الشوكية التي تحيط بمعسكرهم وأن يسمحوا لأكبر عدد من الفارين بالدخول إلى المعسكر دون أن يعرضوا أنفسهم أو معسكرهم إلى الخطر!!, كان بين الناس الذين دخلوا المعسكر عائلة حسن نوهانو, فلقد استطاع حسن أن يدخلهم إلى المعسكر الهولندي لأنه كان يعمل مترجماً لديهم, إلا أنه اكتشف بعد قليل أن المسألة لم تكن إلا مصيدة، فقد رمى الجنود الهولنديون باللاجئين إلى معسكرهم إلى جنود الصرب الذين كانوا ينتظرونهم خارج الأسلاك, ولا يشك حسن أن أباه وأمه وأخاه قد قتلوا جميعاً مع أكثر من ثمانية آلاف رجل وامرأة وطفل وقعوا في أيدي الجنود الصرب في ذلك اليوم يوم العار الذي تركت فيه الأمم المتحدة سربرنيتشا فريسة للقوات الصربية الغازية.
إن الحرب البوسنية انتهت الآن, وحسن ومن نجا معه من المجزرة الصربية يعيشون الآن في حماية القوات الأمريكية, هناك محاولات لإحضار مجرمي الحرب للمحاكمة ولكن لم يحدد إلى الآن بشكل واضح وصريح من هم أولئك المسؤولون عن كل المجازر التي حدثت, في ربيع عام 1993 عندما كانت سربرنيتشا على وشك السقوط بأيدي القوات الصربية، وبعد أن شاهد العالم أجمع الفظائع التي يرتكبها الصرب ضد المسلمين أعلنت الأمم المتحدة سربرنيتشا وخمس مدن مسلمة أخرى مناطق آمنة وهددت ان هي اجتيحت ان تتصدى القوات الدولية للقوات الصربية المعتدية بالجنود وإن دعت الحاجة بالقصف الجوي, مكث الجنرال سميث القائد الانجليزي سنتين كاملتين وهو ينذر المسؤولين في الحلف الأطلسي والأمم المتحدة ان المناطق الشرقية التي أعلنت آمنة لم تحصل على الأمان الذي وعدت به بل هي مهددة من الصرب، وأخيراً أكد لرؤسائه أن الاجتياح سيكون غالباً في ذلك الصيف, إلا أن المسؤولين في المنطقة الدولية صموا آذانهم عن تحذيراته، ليس لأنهم لم يصدقوه ولكن لأنهم كانوا مدركين أن من الأسهل أن يتمنوا ألا يقوم الجنرال مالديش بمهاجمة المسلمين من أن يبذلوا أي مجهود لمنعه من ذلك, لم تحاول الدول المشتركة في القوات الدولية ان تزيد من عدد قواتها الرمزية التي أرسلتها وكان المسؤولون يدركون جيداً ان استعداد الصرب وأعدادهم تزيد على ما لدى الأمم المتحدة من قوات وأنه حتى القصف الجوي لن يؤدي مفعوله لأن مالديش أخذ المئات من الجنود الهولنديين أسرى وربطهم إلى أعمدة اقامها أمام قواته.
في شهر مايو أخبر اللواء برنارد جافيير قائد قوات الأمم المتحدة ورئيس سميث مجلس الأمن ان قواته ليس لديها عملياً أي مقدرة على صد القوات الصربية عندما تهاجم المناطق الآمنة، وان جنوده ليسوا أكثر من دروع بشرية أمام المسلمين, في نفس الشهر أخبر العقيد تون كارمانز قائد القوات الهولندية في سربرنيتشا، أخبر رؤساءه ان قواته ليس لديها الذخيرة الكافية للدفاع عن المناطق المكلفة بحمايتها اذا هوجمت, إلا أن الأمم المتحدة التي كانت قواتها تحمي أيضاً المناطق الشرقية في جورازدا وزابا كانت هي أيضاً تعاني من نقص الذخيرة، لهذا لم تعر شكوى العقيد كارمانز أي اهتمام ولم يكن لديها أي رغبة أو امكانية لمواجهة مع الصرب وتمنت فقط أن تنتهي المشكلة بشكل ما.
كانت الروح المعنوية بين القوات الهولندية منخفضة تماماً وكانت مهارة قادتهم مشكوك فيها, اضافة إلى ذلك فإن الصرب البوسنيين منعوا ضباط وأفراد القوات الهولندية ممن كانوا في اجازات، منعوهم من العودة إلى مراكزهم مما قلص عدد أفراد القوات من 650 إلى 400 فرد, كذلك لم يتلق الهولنديون أي امدادات بسبب الحصار المفروض عليهم من الصرب, كانوا يعيشون على وجبات مخصصة لجبهات الحرب بدلاً من طعام طازج.
لقد أرسلوا لحماية سربرنيتشا إلا أنهم سرعان ما كرهوا مهمتهم وكانت غاية أمنياتهم ترك موقعهم الذي وضعوا فيه لحفظ السلام بين قوتين متحاربتين, كانت الفرقة الهولندية السابعة قد أدت مهمتها بشكل أجود من الحالية والمسماة القوات الجوية الثالثة عشرة المتحركة التي احتقر معظم جنودها المسلمين الذين جاءوا لحمايتهم, إن أسباب ذلك الاحتقار غير معروفة ولكن قد تعود جذورها إلى الوقت الذي عمل فيه العقيد كارمانز في لبنان في السنين السابقة, كانت النكت التي تحقر المسلمين أمرا شائعاً بين الجنود, أصبحت سربرنيتشا نفسها بعد الحصار الصربي حولها، غيتو عرقي, لقد اطلق تلك الصفة عليها العقيد دونالد سون وهو ضابط بريطاني مراقب في الأمم المتحدة، وهؤلاء المراقبون لديهم مهام مختلفة عن جنود حفظ السلام, لقد ذكّره ما شاهده الآن في سربرنيتشا بفلم رآه عن الحياة في وارسو أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث كان الجائعون من الرجال والنساء والأطفال يتدافعون للحصول على لقمة عيش، وكيف كان الأقوياء يلقون بالعجزة والضعفاء خارج صفوف الانتظار ويأخذون مكانهم وكيف كان أولئك يلجأون إلى أكوام القمامة بحثاً عن شيء يأكلونه, لقد قضى القصف الصربي المتصل على سربرنيتشا على الروح المعنوية لدى السكان المسلمين ولدى أولئك الهولنديين الذين جاءوا لحمايتهم.
أصبح الفقر المدقع وانعدام كل سبل الحياة الكريمة شيئاً لم يحدث من قبل, يقول العقيد دونالدسون انه كان يسير ذات مرة في شوارع البلدة مع مساعد جديد له من النرويج، وعندما وصلا إلى المنطقة التي يعيش بها حسن ووالداه العجوزان وأخوه الصغير براكو، نظر إليه مساعده وطلب ان يقف لحظة, ويضيف دونالد سون نظرت إليه فرأيته يبكي, لقد فاتني أن أذكر الأثر الرهيب الذي تتركه المناظر المفزعة والروائح الكريهة في شوارع سربرنيتشا على القادمين الجدد, وعلى الرغم من أن مساعدي كان رجلاً ضخماً قوياً إلا أنه لم يتحمل تلك المشاهد المأساوية وقال: إنني أشعر بأشد الأسف فأنا أب لأطفال ولا استطيع ان أتحمل هذه المناظر .
في 6 يوليو، وكان ذلك بعد عدة أسابيع من انسحاب دونالد سون من سربرنيتشا، بدأ الجنود الصرب يوجهون نيران مدافعهم بكثافة على المدينة ويركزون على المناطق الآهلة بالسكان, بقي بعد رحيل دونالد سون ثلاثة مراقبين آخرون، وقد أحصى هؤلاء من موقعهم في مركز البريد في وسط المدينة 60 طلقة مدفع في إحدى وثلاثين دقيقة!,, كانت الشظايا تصطدم في سقف وجدران المبنى, قدم المراقبون تقاريرهم بما يحدث إلى كارمانز الذي كان يرسل بدوره تقارير يومية إلى قوات الأطلسي طالباً التدخل الجوي ضد قوات الصرب البوسنية لعلها تتوقف عن قصف المدينة ولكن تقريره الأول لم يصل إلى مركز قوات الأمم المتحدة في زغرب, كان الشخص المكلف بارسال تلك التقارير هو القائد المحلي للأمم المتحدة لشمال البوسنة والموجود في توزلا, لم يرسل التقرير الأول الذي وصله من كارمانز بحجة ان التقرير لم يوضح الأهداف التي يجب قصفها, واختصم الاثنان وكان نتيجة ذلك ان كل تقارير كارمانز إلى المندوب الموجود في توزلا أهملت إهمالاً كاملاً.
في يوم 9 يوليو شاهد قائد فرقة اسمه دافيد تاته وهو مراقب من غانا، شاهد طابوراً من مائة جندي بوسني يسيرون ببطء وارهاق واضحين في شوارع سربرنيتشا الخاوية، وقد حملوا على ظهورهم معداتهم الحربية بينما كانت القذائف تسقط من حولهم بمعدل قذيفة كل عشرين ثانية, لم تكن لديه أي فكرة عن الجهة التي يقصدونها, لقد كانوا مجهدين بائسين وشبح الهزيمة مسطر على سحنهم, إلا أن شجاعتهم ونبلهم في وسط تلك الانفجارات حركا مشاعره فلم يتمالك نفسه من الاقتراب منهم ومخاطبتهم بقوله: أرجو من الله لكم الحماية , قالها وكأن حياته نفسها تعتمد على بقاء أولئك الرجال المكدودين البائسين على قيد الحياة, ولم تمض أيام قليلة إلا وهجر تاته وزملاؤه مركز مراقبتهم في قلب المدينة فارين بأرواحهم إلى معسكر القوة الهولندية في بوتوكاري, تركوا خلفهم حسن ومترجماً آخر استمرا يمدانهم بتقارير عن هجمات الصرب التي لم تتوقف، على الرغم من أنهما قد يقتلان في أي لحظة, وهكذا فإن انسحاب المراقبين وسقوط معظم نقاط المراقبة بأيدي القوات الصربية جعلت معرفة ما يجري في المناطق الآمنة غير ممكن, لم تعد لدى كارمنز الامكانية لإرسال أي تقارير إلى مقر الأمم المتحدة في زغرب بطلب توجيه ضربات جوية, كما أن قواته نفسها لم تقم بأي جهود جادة لوقف تقدم الصرب نحو سربرنيتشا, وعلى الرغم من أن مركزاً واحداً للمراقبة بقي في أيدي الهولنديين وبه المعدات اللازمة لإطلاق الصواريخ ضد القوات الصربية المتقدمة إلا أنه لم يطلق صاروخاً واحداً على دبابة صربية!,, كان التبرير الذي تقدمت به الحكومة الهولندية هو أن قاعدة اطلاق الصواريخ كانت لا تعمل بسبب الرطوبة التي أثرت على معداتها وبسبب نقص قطع الغيار!,, ولم يتطرق ادعاء الحكومة الهولندية إلى حقيقة أن كثيراً من جنودهم كانوا على استعداد أن يؤخذوا أسرى من قبل القوات الصربية الغازية لأن ذلك بنظرهم كان أقل خطراً من بقائهم كجنود يحفظون السلام!,, ولم يخيب الصربيون ظنهم فعندما أخذوا منهم 55 جندياً أسيراً عاملوهم بكرم وغمروهم بالسجائر
زر وعلب البيرة والطعام الطازج!.

أعلـىالصفحةرجوع




















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved