أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Saturday 22nd July,2000العدد:10159الطبعةالاولـيالسبت 20 ,ربيع الثاني 1421

مقـالات

من تمرد كامو إلى جبرية أدواردز!!
أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري
في كتاب الإنسان المتمرد لكامو نجد في سياق المتمردين إيفان أحد شخصيات الإخوة كارامازوف لدوستويفسكي,, وقد أسلفت في مباحثي أن كامو ملحد قولاً وعقيدة,, ولكنه بعض المرات ينفي عن نفسه تهمة الإلحاد بعبارة متناقضة بين الإيمان والكفر وهما نقيضان ليس بينهما ثالث مرفوع ، وتارة يُصرِّح بأنه لا يهمه أن يبحث هذه المسألة، وإنما يهمه إبراز العبثية الشاملة (بزعمه) في الوجود، ويتخذ من عذاب الاطفال الذي اتكأ عليه إيفان نموذجاً للعبث يقتضي التمرد، ويقتضي نسبة الظلم إلى الله سبحانه وتعالى عند من يريد أن يؤمن (1) بالله (2) .
وهذه الشبهة عن إيلام الحيوان، وتعذُّب الاطفال، وما يكرهه الإنسان من أمور يعتبرها شروراً بمنظوره: ولَّدت صيغة استدلال منطقي خاطإ يستدل بها الكفار على الإلحاد,, وصيغته هكذا: الله عند المؤمنين هو الخير والكمال اللامتناهي (3) ، والشر والنقص مخلوقان في الكون متناهيان,, النتيجة أن اللامتناهي يقضي على المتناهي، فلا يوجد شر ألبتة، بل لا يوجد إلا الخير,, ولكن الواقع أن الشر والنقص قائمان في العالم، إذن لا وجود للخير والكمال اللامتناهيين.
قال أبو عبدالرحمن: وقد بين الدكتور المهندس محمد الحسيني إسماعيل فساد هذا الاستدلال الخاطإ بالمقارنة بدليلين: كيميائي، وحسابي,, وهذا نص عبارته,, قال: الاعتراض على وجود الله بوجود النقص والشر في الكون,, يقول المعترضون على وجود الله: إنه من الثابت منطقياً ان الله غير موجود: لأنه إذا كان أحد الضدين لا متناهياً قضى على ضده تماماً,, ولقد قيل: إن الله هو الخير والكمال اللامتناهيان، فلو كان هذا صحيحاً: لقضى الله على الشر والنقص الموجودين في العالم,, ولما كان ثمة شر ونقص في العالم، إلا أن الشر والنقص ما زالا موجودين في العالم: إذن فالله غير موجود,, وهذا القول يمثل في الحقيقة أحد القياسات الخاطأة (4) للإنسان، أو للقائلين بمثل هذا الفكر، لأنه ليس هناك ثمة علاقة بين وجود خير وكمال لا متناهيين وبين وجود نقص أو شر متناهيين ففي هذا الكون؛ في الواقع: إن مثل هذا التشبيه يخرج بالقائل به إلى عدم فهم الحد الأدنى من الفكر الكيميائي أو الفكر الحسابي على النحو المذكور بعد,, هذا إلى جانب عدم إدراك مشكلة الشر والخير لدى الإنسان، فمن جانب القياس الكيميائي نجد أن الخطأ في فهم هذه القضية جاأ نتيجة المزج بين الكمال والخير من جانب، وبين النقص والشر من جانب آخر,, على غرار المزج بين المواد أو المحاليل المختلفة مع بعضها البعض؛ فبديهي إذا كان السكر هو المادة السائدة في أحد المحاليل المائية: فسوف يختفي طعم الملح مثلاً من المحلول إذا كانت كميته قليلة بدرجة كافية,, ولكن القضية هنا ليست قضية مذاق؛ فبديهي أن المادة السائدة في المحلول لا تنفي وجود المواد الأخرى في نفس المحلول تماماً,, كما وإن (5) وجود الكمال اللامتناهي لله سبحانه وتعالى لا ينفي وجود النقص المتناهي بسبب فعل الإنسان، وخصوصاً إذا ما قدر الله سبحانه وتعالى أن يكون الشر والخير في حيز الاختيار الإنساني، ليختبر الإنسان فيما أتاه وفيما يفعله.
أما من جانب القياس الحسابي (وليس الرياضي) فإن مثل هذا التشبيه يخرج بالقائلين به إلى عدم فهم الحد الأدنى من الفكر الحسابي، فكلنا يعلم من علم حساب اللانهايات: أن إضافة أي عدد معلوم إلى كمية لا نهائية في الكبر: فإن الناتج يكون لا نهائياً في الكبر أيضاً,, والصياغة الحسابية لهذا المنطوق هي كالنحو التالي: (مالانهاية) + (عدد معلوم) = (مالانهاية).
وليس معنى أن يكون الطرف الأيسر (مالانهاية): هو أن يكون (العدد المعلوم) في الطرف الأيمن صفراً، فلا يوجد أي علاقة بين قيمة العدد المعلوم والمالانهاية في الطرف الأيمن، فكلاهما أعداد مستقلة عن بعضهما البعض,, كما يجب أن يفهم أن قيمة العدد المعلوم لن تغير من كبر قيمة المالانهاية في الطرف الأيسر,, وبهذا القياس يمكن أن نقول: (مالانهاية له من الخير والكمال) + (نقص وشر الإنسان المحدود) = (مالانهاية له من الخير والكمال),, أي أن هذا يعني أن وجود أي شر إلى جانب الكمال الإلاهي لا ينفي وجود الكمال الإلاهي المسبغ على الكون كله,, والقضية هنا ليس فيها فلسفات؛ فمحدودية الإنسان في شكل وجوده المحدود على سطح هذا الكوكب الغير مرئي (6) بالنسبة للمجرة، والمجرة الغير مرئية بالنسبة للكون تجعله وبكل ما يأتي به محدوداً (7) .
قال أبو عبدالرحمن: ثم ذكر عظمة هذا الكون وخالقه أعظم وأكبر سبحانه في معرض رده على نص وثني وُجد في الكتب المحرفة المبدلة، فقال: كان يجدر الإشارة هنا (باختصار شديد جداً) (8) إلى بعض الأبعاد المذهلة لكوننا هذا؛ حتى يتبين لنا من هو الله خالق هذا الوجود، والذي كان يتمشى على سطح الأرض في هذه القصة!!,, والذي أمسك به يعقوب وتصارع معه (9) ؛ فالشمس بكواكبها التسعة تسبح في دائرة من الفضاإ,, يقطع الضوأُ قطرها في زمن قدره (11) ساعة تقريباً وسرعة الضوإ كما نعلم هي (300,000) كيلو متر في الثانية الواحدة تقريباً، وهي سرعة تكفي لجعل شعاع الضوإ يدور حول الكرة الأرضية حوالي سبع مرات ونصف المرة (10) في الثانية الواحدة (بالضبط: 48،7 مرة).
والشمس هي أحد نجوم مجرتنا أي الجزيرة الكونية التي تعرف باسم الطريق اللبني وقطر هذه المجرة يقطعه الضوأُ في زمن قدره (100,000) سنة أي مئة ألف عام,, ومجرتنا هذه تكوِّن مجموعة عنقودية (مع حشد آخر من المجرات شبيهة لها حسب آخر تقدير) حوالي 35 مجرة تقريباً تعرف باسم المجموعة المحلية,, وأشهر مجرات المجموعة المحلية هي مجرة المرأة المسلسلة أو الاندروميدا، وسحابتا ماجلان الصغرى والكبرى,, وهذا الحشد المجري للمجموعة المحلية يحتل حيزاً من الفضاإ (مكعباً مثلاً) طول ضلعه يقطعه الضوأُ في زمن قدره حوالي (52،6) مليون سنة أرضية.
وهذا الحشد المجري للمجموعة المحلية يكوِّن مع حشود مجرية أخرى مماثلة له ما يسمى بالحشد الفائق الذي يعرف باسم أبل 7 (نسبة إلى مكتشفه الدكتور جورج أو, أبل في عام 1961م,, من جامعة كاليفورنيا),, وهذا الحشد المجري الفائق يحتل حيزاً من الفضاإ (مكعب مثلاً) يقطع الضوأُ وطول ضلعه في زمن قدره حوالي 300 مليون سنة أرضية,, كما تكوِّن هذه الحشود المجرية الفائقة بدورها حشوداً مجرية أعلى تعرف باسم الجاذب العظيم وهكذا,,!!!,, وتقول الدراسات الكونية الحديثة بأن قطر الكون المادي يبلغ طولاً يقطعه الضوأ في حوالي 40,000 مليون سنة أرضية,, أي أربعون بليون سنة,, كما وأن عمر هذا الكون على حسب الدراسات الكونية الحديثة يتراوح بين 14 إلى 20 بليون سنة أرضية، وأن هذا الكون ما زال يتمدد,,,!!!!!!! (11) .
وهذه عجالة سريعة عن أبعاد الكون وهي أبعاد مذهلة,, لا يمكن حتى تخيلها,,,!! وهذا الكون هو أحد مخلوقات الله، وليس كل الوجود، فالوجود مكوَّن من هذا الكون ومن أكوان أخرى متراكبة أو متداخلة كل له فيزياؤه الخاصة به كما يقول بهذا القرآن المجيد (12) .
ثم قال مستأنفاً الرد على ذلك الاستدلال المنطقي الخاطإ: هذا إلى جانب عدم إدراكهم لمعنى الشر والخير في حكمة خلق الإنسان، ففي الواقع أن مشكلة الشر والخير التي يحتج بها الملاحدة على عدم وجود الله تمثل دليل صدق أو حجة على وجود الله وليست دليلاً على نفيه؛ فالله سبحانه وتعالى هو الذي ركب فينا كلاً من جانبي الشر والخير، وربطهما بالعلة الغائية من خلق الموت والحياة,, وليست العلة الغائية من خلق الإنسان، فخلق الإنسان له غاية أعم من الغاية القريبة من خلق الموت والحياة,, كما ربط الله سبحانه وتعالى الموت والحياة بعمل الانسان، ومدى قدرته على تغليب جانب الخير المتأخر لديه على جانب الشر المتقدم لديه، فالحقيقة أن الشر مصدره الفعل الاختياري للإنسان، وليس مصدره الإلاه أو قهرية الإلاه للإنسان (13) .
قال أبو عبدالرحمن: لقد اجتهد الدكتور الحسيني جزاه الله خيراً في الرد على أساس ان طرح العبارة التي طرحوها كان صحيحاً، وأنها تمثِّل دعوى المُأمنين وعلى أساس أن المراد بالنقص والشر ما كان متعلقاً بالإنسان,, ولكن الواقع خلاف ذلك، ومن ثم يتغير مجرى الرد والاعتراض,.
والصواب: أن عبارة المُأمنين هكذا: الله سبحانه له الكمال المطلق (14) ، ومن كماله الحكمة والعلم والقدرة والقيومية والإحسان والرحمة والعدل، فلا يظلم ربك أحداً,, وليس في الوجود إلا خالق ومخلوق، فإذا كان الكمال المطلق للخالق سبحانه فالنقص في المخلوق الذي هو ملك الله وخلقه,, كما أنهم يريدون النقص في الوجود كإيلام الحيوان، ومرض الاطفال مما هو من غير فعل الإنسان.
قال أبو عبدالرحمن: على هذا فينبغي طرح اعتراض الملحدين على معتقد المُأمنين الصحيح، ولا يُطرح على خلاف معتقدهم، فيكون استدلالهم هكذا: الكمال المطلق لله، والكون فيه نقص كبير؛ إذن لا وجود لذي كمال مطلق، لأن المطلق يقضي على غير المطلق.
والجواب عن هذا الاعتراض الإلحادي الذي نقض إحدى مقدمتي المُأمنين بالمقدمة الأخرى من وجوه:
أولها: ليس معنى قضاإ المطلق على غير المطلق أن لا يوجد غير المطلق، بل معناه إيجاد ذي الكمال المطلق له، وهيمنته عليه، وقيوميته,, وغير المطلق متناه، لأنه متجدد الحدوث تغيُّراً وصيرورة وتبدلاً، فهو محدود البداية والنهاية,, والله سبحانه الأول لا شيأ قبله، والآخر لا شيئاً بعده، وقيوميته صفة ملازمة كالسمع والبصر.
وثانيها: سر النفي في الوجه الأول: أن العقل لا يتصور غير ثنائية الوجود (خالق، ومخلوق),, ونقص المخلوق دليل افتقاره إلى الخالق، وتفرد الخالق بالكمال,, وما فيه من صفات الكمال المحدودة قدرة وزماناً فهي دليل على مانحٍ للوجود ذي كمال مطلق.
وثالثها: أن الشر في الكون المخلوق شر بالنسبة لميول الإنسان ورغباته مع تعطيله لعقله,, ولكنه خير وكمال في الواقع؛ لأن ذلك صادر عن علم وحكمة وعدل، وما صدر عن الكمال فهو كمال,, وما ضمن الله لنا أن نحيط بحكمته وعدله في كل مخلوقاته، فلا نعلم بالتفصيل إلا ما علَّمنا إياه ربنا بالوحي المعصوم,, ويعلم العقل بعد براهين وجود الله وكماله : أن العدل والحكمة موجودان في كل تدبير له كوني أو شرعي وإن جهلنا التفصيل.
ورابعها: وجود النقص في المخلوق لا الخلق الذي هو وفق مراد الله هو النتيجة الحتمية للاعتقاد بخالق له الكمال المطلق,, ولولا ذلك لكانت النتيجة أحد أمرين لا ثالث لهما: إما القول بخالق دون مخلوق، وهذا كفر؛ لأن كمال الله من أسمائه وصفاته، وهي غير معطلة، بل كل يوم هو في شأن سبحانه وتعالى,, وإما القول بتكافُإٍ بين الخالق سبحانه والمخلوق بالاشتراك في الكمال المطلق، وهذا باطل بدليل التمانع، وفاسد التفريع بعد الاعتراف بخالق ومخلوق,, على أن الأستاذ الحسيني قرر دليلاً أخلاقياً اعتبره من براهين وجود الله سبحانه (15) ,, وما قرره صحيح في ذاته، ولكنه ليس من براهين وجود الله سبحانه باستقلال، وإنما هو نموذج لبرهان الغائية.
ووجود الله وقدرته وهيمنته ووحدانيته مما يعجز الملحدون عن التخلص من براهينها إلا بالتمرد الكامي الذي يلغي الفكر ويدلل السلوك,, وإنما عقدة وجود الشر في مخلوقات الله، وما لا ترغبه النفس البشرية: جعلهم يكابرون في ثنتين من صفاته الكمالية وهما عدله وإحسانه؛ ومن ثم زين لهم الشيطان دلال الطفل ولجاجة العانس أو الخنفساإ بالتمرد على شرع الله وفطرته، وبالمناحة الرومانسية في تجوير الله سبحانه وتعالى علواً كبيراً، فجاأ القاموس الوجودي بالعبث والضياع والغثيان واللقيط والاحتجاج بآلام الاطفال والحيوانات,, كان هذا منتهى الطرفين الذميمين عند كامو وصنمه إيفان,, وجاأ الطرف الآخر الذميم عند مثل الفيلسوف الأمريكي جوناثان ادواردز,, قال عنه بول, ف, بولر: وفي مخطط أدواردز المقرر سلفاً، لم يكن هناك متسع لحرية الإرادة؛ فالرجال والنساأ لا يستطيعون مطلقاً أن يتجاوزوا الشبكة السببية للحياة، فقدرهم في أيدي الرب، ومصيرهم لا يمكن تغييره؛ فآمال ومخاوف كل سنوات أعمالهم كانت مقدرة سلفاً، ولم يختاروها بحرية؛ فالمخلوق لا يمتلك استقلالاً عن الخالق,, وبعد تحوِّله عن عقيدته في شبابه في الجامعة لم يكن ادواردز يتشكك مطلقاً في السيادة المطلقة للرب، كما لم يهتز اقتناعه بعد ذلك مطلقاً في أن أعمق الحقائق عن الوضع الإنساني: إنما كانت متضمنة في اللاهوت الكالفيني الذي تعلمه في بيت قس متطهر (بيوريتاني),, وفي عصر كان يبدأ في إعلاإ الشرية على حساب الرب: شعر أدواردز بأنه مضطر للدفاع عن الرُّأية الكاليفينية للخلق بكل الأسلحة التي في يده: سواأٌ الأسلحة الكتابية، أو العلمانية,, وفوق كل شيإ كان يصر على عقيدة الخطيأة الأصلية، وهي العقيدة القائلة بأنه بسبب خطيأَة آدم في عدم طاعة الرب، فقد ولد كل البشر ضعفاء وأنانيين وشواذاً ومنحرفين وفاسدين ومستحقين تماماً لكراهية الرب وسخطه، وللعقاب الأبدي الذي يعده لكل الخطاة غير التائبين,, وكان أدواردز يعتقد أن الملاحظة التجريبية مثلها مثل النصوص الكتابية: تثبت بما لا يدع مجالاً للشك صحة عقيدة الفساد الشامل,, وكتب: من المأَكَّد بالتجربة: أن الشر العظيم اللاأخلاقي والطبيعي يكثر في العالم، فمن الواضح أن الظلم الهائل والعنف والخيانة والغدر والقسوة البالغة على الأبرياإ كثيرة في هذا العالم,, كما أن أشكالاً لا تحصى من المعاناة الشديدة التي تتولد بصورة قاتلة عن الدمار والموت إنما تعم سائر أنحاإ العالم في سائر العصور,, وحتى الأطفال بالنسبة لأدواردز كانوا أفاعي سامة صغيرة ,, وجعله إيمانه بسيادة الرب وفساد الإنسان يقبل ويدافع بشدة عن كل العقائد الكالفينية الأخرى: الاختيار غير المشروط (فالرب يختار بصورة تحكمية بعض الناس للخلاص بغض النظر عن خصالهم أو أعمالهم الخيرة)، والتفكير المحدود (فالمسيح قد مات ليخلص بعض الناس ولكن ليس كل الناس)، والنعمة التي لا تقاوم (فالناس لا يلعبون دوراً في تحقيق الخلاص، وإنما يتلقون في سلبية نعمة الرب المخَلِّصة)، والاستمرار النهائي للقديسين (فالفرد الذي يتلقى نعمة الرب لا يسقط مطلقاً في حالته الروحية الجديدة),, وليس هناك متسع للارادة الحرة في أي من هذه العقائد؛ فالنقاط الكالفينية التي يعتنقها أدواردز كانت ترتكز بصورة واسعة على الإيمان بالقدر المسبق (16) .
قال أبو عبدالرحمن: هذه جبرية بغيضة ليست صحيحة واقعاً، وليست مقتضى نص شرعي صحيح الدلالة والثبوت في أي دين رباني,, والمحقق في هذا أن الإنسان محكوم بالجبرية تارة، ومخيَّر بقدرة السلوك تارة,, وانتفاأ الظلم عن الرب سبحانه بحق الإنسان إنما يفهم من العلاقة بين كل من الجبرية، وحرية الاختيار، والتكليف وجزائه على هذا النحو:
أ هناك جبرية لا خيار للعبد فيها كمولده، ووضعية حياته (من غنى وفقر، وصحة ومرض,, إلخ)، وحتمية نهايته، وكيفية موته,, وهذه الجبرية لا يتعلق بها تكليف ولا جزاأ، وإنما يتعلق التكليف والجزاأُ بالسلوك الحر الذي يتخذه الإنسان حيالها من الرضا أو السخط، والصبر أو الضجر، والشكر أو الجحدان,, إلخ.
ب جبرية لا خيار للعبد فيها تمنعه من أداإِ التكليف كمرضه المُقعِد عن شهود الجماعة للصلاة، وعجزه مالياً عن الحج، فهذه الجبرية محكومة بفضل الله، إذ رفع التكليف بما لا يُستطاع,, والقاعدة في ذلك قول الرسول صلى لله عليه وسلم: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم,, وقد استجاب الله لأمته ما علّمها إياه من الدعاإ آخر سورة البقرة,, بل جاأ العدل والإحسان معاً في هذه الجبرية، فمن جبره المرض على ترك الجماعة يكتب له أجر صلاة الجماعة إذا كان ذلك عادة له، ومن جبره المرض على ترك الذهاب لحانة الخمار لا يُكتب عليه وزر ما لم يفعل في مرضه وإن كان ذلك عادته في صحته، بل عليه وزر ما فعله في صحته.
ج سلوك حر توفرت مقتضياته وانتفت موانعه كالقدرة على الذهاب إلى المسجد يوم الجمعة، والقدرة على الذهاب لحانة الخمار في ذلك الوقت وترك الصلاة؛ فالتكليف والجزاأُ يأتي وفقاً للعمل عن حرية واختيار، وإلى لقاء.
الحواشي
(1) هذا هو الرسم المعتاد، ومسوِّغه ان الهزة ساكنة، ولا صورة للسكون من حروف الإعراب، فراعوا حركة ما قبلها,, والواقع أننا لسنا ملزمين بالتماس حرف إعراب، بل نرسم صورة الهمزة كاملة ونشكلها، ونشكِّل ما يلزم تشكيله.
(2) لهذه المسألة مناسبة تأتي إن شاء الله.
(3) اللامتناهي ما لا يقبل إضافة ولا سلباً، وهو المطلق,, وهذا معنى صحيح نورده لا على أنه صفة لله أو اسم، لان اسماأ الله على التوقيف,, وإنما نورده على أنه معنى صحيح يُفسر به كمال الله جل جلاله.
(4) حينما تكون الهمزة مكسورة توضع النبرة، من أجل اتصال حروف الكلمة ترجيحاً، ولوجود دليل التصحيح وهو مجانسة الياء للكسر,, وفي غير ذلك ترسم صورة الألف كما تنطق.
(5) الأفصح: كما أن.
(6) الصواب غير المرئي، لأن المعرفة لا تضاف إلى النكرة.
(7) الحقيقة المطلقة/ الله، والدين، والإنسان ص 173 174/ ط م الأهرام سنة 1996م.
(8) اذا تقدمت شرطتان قريبتان، فيحسن أن يوضع مكان الشرطتين الأخريين قوسان، لإزالة اللبس.
(9) رد على هذا الكفر الإمام ابن حزم في كتابه الرد على ابن النغرالة اليهودي كما في رسائل ابن حزم.
(10) الصواب: مرة,, لانه لا معهود لال .
(11) عجيب من الدكتور ان يأخذ بهذه الخرافات التي لا نصيب لها من ظنون العلم ودعك من اليقينيات والرجحانيات عن حجم الكون وعمره؟!.
(12) المصدر السابق ص 323 (حاشية).
(13) المصدر السابق ص174175.
(14) أنظر التعليقة رقم 2.
(15) انظر الحقيقة المطلقة ص147153.
(16) الحرية والقدر في الفكر الامريكي من ادواردز الى ديوي ص 8-9/ تعريب إسماعيل كشميري ومراجعة نور الدين الزراري/ مكتبة الانجلو.

أعلـىالصفحةرجوع














[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved