أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Thursday 17th August,2000العدد:10185الطبعةالاولـيالخميس 17 ,جمادى الاولى 1421

الثقافية

جذور الأدب العالمي
لوركا,, فقيد الشعر الإسباني
أ,د,كمال الدين عيد
مجموعة عناصر ثقافية
من المستحيل أن يتكون الشاعر وحده، فقرض الشعر الجيد لايستند الى معرفة لغوية فقط، بقدر مايرتكز على مكونات فنية وثقافية تتفاعل مع الشاعر من داخله لتُثير تأثيرا في الجماهير, هكذا كان الاسباني الشاعر فيديريكو جارسيا لوركا (5/6/1898 19/8/1936م) F.G.LORCA تشرّب منذ صغره بتوجيه من ابيه الثري وأمه المدُرسة الأغاني الشعبية الاندلسية، واستمع باحثا وقارئا الى قصص واحداث تلك الفترة الاسلامية في إسبانيا, فتأثر تأثيرا قويا خرج في كل انتاجه الشعري وفي دراماته جميعها، والتي لم تفترق أحداثها لحظة واحدة عن الروح والتقاليد الاسلامية والعربية, امتلأ لوركا اثناء دراسته بالثقافتين العربية والمسيحية ، وملأت حالة الفقراء والمساكين قلبه ألماً وحزنا، خاصة مجموعات الغجر GYPSY التي لاتزال حتى اليوم تملأ كل القارة الأوروبية في عيش على الكفاف، وتعليم خاص، حتى تكون لهم ذوق متدن في الالوان والموضة والسلوك ايضا.
لقد كوّن إحساس الشاعر لوركا عدة عناصر فنية وهبها الله له, كان عازفا ماهرا على آلة الجيتار، واستفاد من استاذه الموسيقي الاسباني اللامع مانويل دا فالا MANUEL DA FALLA أحد أعلام الموسيقى الشعبية في القرن العشرين، حى أهّله ذلك للتأليف الموسيقي مؤخرا.
كما كان لدراسته في الآداب والعلوم الانسانية بمدريد الفضل في استمرار اشعاره حتى يومنا هذا, والى جانب هذه الخبرات الحياتية فقد صادق شعراء السيريالية وفنانيها التشكيليين، فعرف سلفادور دالي، لويس بونل وغيرهما (1) ، مما عمق من إحساس الشاعر بعلاقة الشعر بالفن التشكيلي وبخاصة في فن التصوير الزيتي، الامر الذي شجعه لاقامة معرضه عام 1927م في مدينة برشلونة, وبعد قصيدة ROMANCERO GITANO عام 1928م ونجاحه الباهر يسافر الى كل من الولايات المتحدة وكوبا ليبقى متجولا حتى ثلاثينيات القرن الماضي, يؤلف لوركا بعد عودته فرقة مسرحية يطلق عليها (لابارّاكا) LA BARRACA لتخصص عروضها الشعرية الشعبية للفلاحين، ومع أنه كان يتقاضى اعانة حكومية إلا أنه لم يحد عن طريق خدمة الفقراء ثقافيا، لا في شعره ولا في دراماته, بل لقد استكتب شعراء كبارا في هذا الاتجاه الشعبي (يوان دال انكينا، لوب دو فيجا، تيرسو دو مولينا) (2) مُحققا رسالة شعرية ودرامية للطبقة الدنيا من شعبه.
خصائص شعر لوركا
يكشف شعره عن الوفاء الانساني الذي يفيض مرارة وعذوبة، حينما كتب قصيدته الشعرية الفريدة في مناسبة وفاة ووداع صديقه اجناسيو ميياس I.S.MEJIAS الفارس مُصارع الثيران بعد أن دهمه الثور في المباراة, شعر أثرّ مستقبلا على حياة لوركا نفسها, وفي البدايات كانت قصيدته التي نشرها طباعةً في اول دواوينه (انطباعات وطبيعة) IMPRESIONES Y PAISAJES عام 1918، وقصيدة ( كتاب الاشعار) LIBRO DE POEMAS عام 1921.
وبينما كان شعراء اسبانيا في ذلك الوقت مولعين بتياري التطرف والمستقبلية، كان لوركا وحده شاعرا يُسخّر شعره للطبيعة في بلده غرناطة التي قضى فيها أعزّ أيام الشباب, حتى حول زملاءه الشعراء روبين داريو، يُوان رامون جيمينز R.DARIO,J.R. JIMENEZ الى طريق الشعر الشعبي, وتسجل قصائده التالية (أغنيات) CANCIONES، (أغنيات اندلسية).
POEMAS DEL CANTE JONDO ، (قصص الغجر) ROMANCERO GITANO لغة بسيطة لكنها موسيقية تضرب في سخونة على اوتار القلب، شعر يستعير اعظم المجازات، في اسلوب تراثي وعصري في وقت وزمن واحد، تتتابع فيه روح الشعبية من البداية الى النهاية دون انقطاع او ملل، لتعطي لغته الشعرية في نهاية القصائد قوة الجذب الشعري اللانهائي.
الشعر الدرامي
من الطبيعي ان تؤثر النشأة الفنية الموسيقية والتشكيلية في حياة وتاريخ الشاعر الاسباني لوركا, وقد تجلى هذا التأثير بشدة حينما تعامل مع الادب الدرامي, (3) كانت نقطة الانطلاق من شعر الزنوج الذي جاء نتيجة ما شاهده من ظلم وقسوة ومهانة للسود في أمريكا عند زيارته لها, برزت امام عينيه مشكلات المرأة وما تلقاه من ذل واحتقار، وما تعانيه من ضغوط نفسية تمنعها إن لم تكن تسلبها حق المواجهة.
فكتب اعظم ثلاث درامات (عُرس الدم، يرما، بيت برناردا البا) وكلها تُذكر بتراجيديات العصر الاغريقي والسلطة التي جعلت أوديب الملك يقتل اباه ثم يتزوج من أمه دون ان يدري.
ياللقسوة التراجيدية!! في درامته الاخيرة بيت برناردا البا لانعثر على رجل واحد في الدراما، كل شخصياتها من النساء, أم وبناتها الخمس لاتريد أن تُزوج الصغرى حتى تنتهي من زواج من تكبرها سنا (مشكلة لايزال الوطن العربي يواجهها حتى يومنا هذا) وتنتهي الدراما امام تعصب لامبرر له الى ان تقتل الابنة الصغرى نفسها,حاول لوركا عبر دراماته مواجهة الواقع الثقافي في اسبانيا والذي لم يكن يعبأ او يهتم بالمشكلات الاجتماعية التي كانت جاسمة على صدر المجتمع, كتب الشعر والمقالة الصحفية والدراما من اجل اصلاح اخطاء كبرى في مجتمعه، كان يُردد أن مهمة الاصلاح تقع على كاهل رجال الدراما مُقترحا عليهم بدء علاقة توافق مع رجال المسرح لنبذ مسرح الصفقة وشباك التذاكر، والاتجاه الى إجبار الجماهير على قبول هذا النوع من الدرامات التوجيهية التي تُجبر الجماهير على التعلم والتنصل من التفاهات والكوميديات الرخيصة التي تُدغدغ أحاسيسهم وغرائزهم.
وقف لوركا كإسباني يحمل مشاعر عربية واسلامية الى جانب الحق والتطور خلال فترة حياة قصيرة لم تزد على ثمانية وثلاثين عاما, ومنذ وفاته مقتولا بيد رجال فرانكو على اسوار غرناطة لانجد - وحتى اليوم من تبعه في فكره، أو داناه في مستوى انتاجه الشعري او الانساني او الدرامي, ولم تتبع اية مدرسة في العالم مدرسته الاصلاحية في الآداب والاخلاقيات, حدد لمساره الأدبي خطا اجتماعيا وتاريخيا فريدا، وسجل في أشعاره تاريخ الأندلس,, روحاً عربية باقية في أدبه على مدى التاريخ.
هوامش
1- SALVADOR DALI, LUIS BUNUELL
2- J.D. ENCINA , L.D. VEGA, T.D. MOLINA
3- الدرامات التي كتبها:
مارينا بيندا MARIANA PIENDA - 1925م، الإسكافية العجيبة LA ZAPATERA PRODIGIOSA- 1930م، حُب دوق برلمبلين وباليزا في الحديقة 1931م AMOR DE DON PERLIMPLIN CON BELISA، عُرس الدم BODAS DE SANGRE - 1933، يرما YERMA - 1934م، دونا روزيتا DONA ROSITA -1935م، بيت برناردا ألبا عام 1935 LA CASA DE BERNARDA ALBA.

أعلـىالصفحةرجوع



















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved