رئيس التحرير : خالد بن حمد المالك

أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Sunday 20th August,2000العدد:10188الطبعةالاولـيالأحد 20 ,جمادى الاولى 1421

مقـالات

الإنسان والمناخ
الدكتور عبدالله بن فهد اللحيدان
قد تؤدي حرارة الجو الشديدة التي نعيشها في مثل هذه الايام من كل عام الى تصديق بعض الاقاويل التي كانت تتردد في بعض الاوساط الاكاديمية والفكرية سابقا من ان المناخ شديد الحرارة هو سبب كسل الشعوب التي تعيش في المناطق الحارة وهذا ما جعلها شعوب متخلفة يحكمها انظمة حكم متسلطة، وان الحضارة لا توجد الا في البلاد الباردة والمعتدلة، ومن امثال من اعتنق مثل هذا المفهوم الفرنسيان جان بودان ومونتسكيو, والغريب ان ابن خلدون عند كلامه عن تأثير المناخ على الانسان اعتقد ان الحضارة لا يمكن ان توجد في البلاد الباردة ووصف اهلها بالتخلف, والذي يبدو ان كل من هؤلاء العلماء قد انطلق من فرضيات قد تكون مغروسة في انفسهم مسبقا عن الامم الاخرى، ولم ينطلقوا من نظرة موضوعية وشمولية, وقد درس العلماء في العصر الحديث تأثير المناخ على الانسان وتوصل الجغرافي الامريكي الكبير بومان Bowman الى الحقيقة التالية لقد ناضلت طول حياتي لكي اشرح للناس ان البيئة الطبيعية لا تعني بالنسبة لهم الا مايريدون هم ان يروا فيها .
لكن عالم الاجتماع الفرنسي موريس دوفرجيه يعتقد ان البيئة المناخية لها تأثير كبير على درجة تحضر اي امة، وقد رسم خريطة للعالم قسم فيها العالم اعتمادا على المناخ الى قسمين الاول البارد والمعتدل وهذا يشمل كامل قارة امريكا الشمالية واوروبا وروسيا واليابان والاجزاء الشمالية من الصين وشمال ايران وكذلك الجزء الشمالي من بلاد الشام والمناطق المحاذية للبحر المتوسط في شمال افريقيا ثم يبدأ الى الجنوب منها الاقليم الحار الذي يشمل شبه الجزيرة العربية وجنوب ايران والهند وجنوب الصين وجنوب شرق آسيا وجنوب مصر وليبيا والجزائر وكامل افريقيا وكامل امريكا الوسطى والجنوبية واذا اتجهنا اكثر الى الجنوب نبدأ بالاقليم البارد والمعتدل مرة اخرى ليشمل نيوزيلندا واستراليا واقصى جنوب افريقيا واقصى جنوب امريكا الجنوبية الارجنتين وتشيلي واعتقد دوفرجيه ان الاقليم الحار الواقع في وسط الكرة الارضية لا يمكن ان تقوم فيه حضارة وانظمة حكم متقدمة بينما ان الاقليم البارد والمعتدل الواقع الى الشمال والجنوب من الاقليم الحار هي المناطق المتقدمة والمتحضرة, لقد اعتقد دوفرجيه ان اقصى حالات التخلف موجودة في المنطقة الاستوائية وسط الارض والمناطق الصحراوية وشبه الاستوائية, اما التقدم فيوجد في المناطق المعتدلة اما مناطق السهوب الموجودة بين المناطق الحارة والباردة فتؤدي الى نوع من التقدم المتوسط وتتكون فيها مجتمعات ابوية تشكل نواة للشعوب الغازية والمحاربة, وامام حقيقة قيام بعض الحضارات في الاقليم الحار مثل حضارة الهند القديمة او حضارات الانكا والازتيك في امريكا الجنوبية ادعى دوفرجيه ان وجود بعض الظروف التي تحسن الوضع المناخي الحار مثل وجود الانهار في الهند او الارتفاع الشاهق لجبال امريكا الجنوبية خفف من حرارة هذه المناطق وساعد على قيام الحضارة, وعلى الرغم من ان دوفرجيه ينفي ان تكون العلاقة بين الانسان والمناخ حتمية الا انه يعتقد ان هذا التفسير الجغرافي المناخي هو افضل تفسير للتفاوتات بين الدول الصناعية الموجودة في شمال الارض: اوروبا وامريكا الشمالية وجنوب الارض: في نيوزيلندا واستراليا واقصى جنوب افريقيا واقصى جنوب امريكا الجنوبية الارجنتين ) والدول النامية الموجودة في وسط الارض.
قد يكون للسيد الفرنسي بعض الحق فيما ذهب اليه لكني اوافق عالم الجغرافيا الامريكي في ان البيئة الطبيعية لا تعني بالنسبة للانسان إلا ما يريد هو ان يرى فيها، المهم هو الانسان,,, فالانسان الخلاق يستطيع ان يكيف بيئته ويتفاعل معها ولا يكتفي بالرضوخ لها,.
وقد تؤدي الظروف الطبيعية الصعبة الى خلق انسان قوي وعنيد يحاول التغيير بينما تؤدي الظروف الطبيعية المعتدلة والسهلة الى خلق انسان اقل قدرة على الاحتمال والصمود، لكن العكس صحيح ايضا حيث قد تشجع الظروف المناخية المعتدلة الانسان على العمل والابداع وتعيق الظروف الطبيعية الحارة الانسان عن العمل والابداع ويبقى الانسان وفكره وروحه هي الاهم من بيئته, وخذ على سبيل المثال شبه الجزيرة العربية التي كانت ابعد ما تكون عن الحضارة,, لقد كان العرب قبل الاسلام قبائل تعتمد بشكل اساسي على الترحال خلف الماء والكلأ,, وبينما قامت دول وحضارات قريبا من شبه الجزيرة العربية في بلاد فارس والعراق والشام ومصر شمال افريقيا حول الانهار، ظل العرب قبائل متفرقة وبعد اعتناق العرب للاسلام اصبحوا يعيشون في دولة واحدة, فما الذي حدث؟ لم تتغير الظروف المناخية والجغرافية لشبه الجزيرة العربية,, بل الذي تغير هو تفكير الانسان,, ومن الناحية الجغرافية السياسية مستحيل ان تقوم دولة مركزية قوية في بلاد صحراوية يعتمد سكانها على الترحال خلف الماء والكلأ في شكل جماعات كبيرة قبائل ,, والذي ادى الى قيام دولة واحدة للعرب هو العامل الديني الذي وحدهم وبعد ان كانوا قبائل لكل منها إله وتعددت الآلهة اصبحوا شعبا واحدا يؤمنون بالله الواحد,,
ان سكان شبه الجزيرة العربية لا تتفق إلا على اساس ديني لان المصالح الاقتصادية تدعو الى التفرق في هذا المجتمع الصحراوي شديد الحرارة شحيح الموارد, طبعا في العصر الحديث اصبح الاقتصاد يلعب دورا مساعدا لقيام السلطة المركزية مع اكتشاف النفط وتطور التجارة والصناعة, اما في السابق فان العامل الوحيد كان هو العامل الفكري والروحي الذي هو الدين الاسلامي.
ثم ايضا ان هناك مجموعة من الادلة الجديدة التي تفند الادعاءات التي تقول ان المناطق الحارة مناطق متخلفة وهي النهضة الصناعية التي شهدتها بلدان جنوب شرق آسيا الحارة حسب تصنيف دوفرجيه مثل ماليزيا واندونيسيا وتايلاند وكذلك بعض بلدان امريكا اللاتينية مثل المكسيك والبرازيل وتصنف هذه البلدان حاليا على انها بلدان شبه صناعية,
وهذا كله يثبت ان الانسان وفكره ورؤيته وطريقة تنظيم المجتمع هي اسباب التقدم والتخلف اما المناخ فهو عامل محايد على الرغم من ارتفاع درجة الحرارة الشديد هذه الايام قد يثير الشكوك في مدى رسوخ هذا الاعتقاد.

أعلـىالصفحةرجوع



















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة][موقعنا]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved