أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Sunday 17th September,2000العدد:10216الطبعةالاولـيالأحد 19 ,جمادى الثانية 1421

مقـالات

ليس رثاءً بل تعبيرٌ عن وفاء
حمد المرزوقي
مات علامة الجزيرة حمد الجاسر، وبموته فقدت هذه البلاد علما من أعلامها ورمزا مضيئا مثّلها في مجامع وندوات ومؤتمرات علمية، فكان تعبيرا عن نهضة هذه البلاد، وتجسيدا حقيقيا لخلق أهلها.
وكانت حياة حمد الجاسر مرتبطة بنهضة هذه البلاد، وكان رحمه الله له إسهامات فعالة في أداء دوره كمواطن، ومسؤولياته ككاتب, عمل في القضاء والتعليم والصحافة، وعبر تشكُّل مسيرته العلمية، تخصص في الدراسات التاريخية والجغرافية وانقطع لها في السنوات الأخيرة، ولكنه بكل ذلك كان مساهما في الاصلاح الاجتماعي عبر كتاباته المتنوعة في الصحف السعودية وأهمها ما كان يكتبه في مجلته اليمامة.
حياة حمد الجاسر فيها عبر ودروس كثيرة، ولعلّنا نتذكرها الآن ونحن في لحظة أسى وألم لفراق عالم كان لجهوده المتنوعة الأثر الكبير على الكثيرين من تلاميذه أو القراء، فحمد الجاسر يقدم في تاريخه الشخصي وسيرته العلمية، نماذج مضيئة جديرة بالاحتفاء والاحتفال.
لقد عمل على تثقيف نفسه بجهد دؤوب، وكوّن معرفته بإصرار العالم وتخطى الحواجز والصعاب, ولم يكن يوما مستسلما لعقبة أو مساوما على مبدأ، أو مستسلما لعجز، كانت المعرفة طموحة الدائم، وكان الانتاج هدفه.
وأول ما يلفت الانتباه في سيرة حمد الجاسر، إخلاصه الشديد لعلمه، فهو ينتقل من عاصمة الى أخرى ومن مكان الى آخر بحثا عن معلومة أو تصحيحا لها، أو للاطلاع على مخطوط، أو لمقابلة عالم، فذكّرنا بالعلماء العرب، الذين لا يعرفون الكسل في سبيل التحصيل، ولا الخمول في سبيل الانتاج، والذين يتحملون قسوة الطريق ومخاطره، والفاقة والجوع لسنوات وذلك من أجل التأكد من صحة حديث أو تحقيق حادثة، أو تفسير قصيدة.
حمد الجاسر كان من هذا الطراز الفريد الذي يضحي من أجل هدف أو غاية نبيلة، لم تشغله الدنيا والطمع فيها كما فعل غيره، ولم يجامل أحدا فيما يراه أو يعتقده، كان صريحا من غير قسوة، جادا من غير ادعاء وفيّاً لفنه من غير غرور أو كبرياء.
وكان - رحمه الله - رائدا متقدما على أقرانه، تعرض لعداوات وخصومات من أنداد له أو من هم دونه، وكان يترفع في استجابته للخصوم يهمّه تصحيح موقف أو تثبيت ما يراه أكثر من تجريح الخصم أو التطاول عليه، ورغم أنه عانى من عداوات الأقران إلا أنه كان دائما يقابل ذلك بالتجاوز أو الحوار العلمي المشروط بقوانين الحوار، لم يغمز أحدا في دينه أو خلقه كما فعل غيره، بل كان يترفع عن المهاترة رغم أنه خاض معارك مع أنداد بعضهم مثله في الاحترام والخلق وبعضهم يلجأ لأساليب انتهازية ملتوية للغمز أو اللمز، وكان حمد الجاسر فوق ذلك كله، لم ينزلق قلمه على مدار سبعين عاما قضاها كاتبا في أمور يستجدي منها منفعة شخصية له،أو يتهم أحدا من الخصوم في أخلاقه أو قيمه أو سلوكه.
كان يؤمن بالصحافة ودورها ورسالتها، ولذلك سعى بإصرار الشجاع وعزيمة المناضل، على أن يؤسس مجلة في المنطقة الوسطى في وقت لا يوجد فيه في الرياض العاصمة أي أثر للصحافة.
كانت الامكانات قليلة والظروف صعبة، والطباعة غير متوفرة، والدعم قليلا، فضلا عن وجود خصوم لحمد الجاسر لا يرغبون أن يصدر مجلة، ولديهم القدرة على خلق كل العقبات في طريقه، ومع ذلك تمكن بجهد صبور من تحقيق حلمه، وصدرت المجلة، فكانت منبرا للرأي وصوتا صادقا ينبض بإحساس الوطن وهمومه، وتربى فيها جيل جديد، احتضنهم حمد الجاسر بعقله وقلبه، فكان بذلك أستاذ جيل لكتاب أشتدّ عودهم في مدرسة اليمامة.
ثم تقلبت الأحوال والظروف، وتعرض حمد الجاسر لخلافات حول قضايا وموضوعات اجتهد فيها وأسيء فهمه، وسحبت منه المجلة، فغضب وغادر وطنه مع إحساس بالألم وربما القهر، وكانت عواصم العالم العربي تغلي في تيارات سياسية مختلفة ترعاها حكومات، وكان غيره ممن غادر قد تم توظيفه في حملة دعائية ضد هذه البلاد وأهلها، وها هو علّامة الجزيرة يحط رحاله في عاصمة عربية مشهورة، ولديه إحساس مرير بالظلم، وظلم مَن، ظلم ذوي القربى، فكانت المغريات والضغوطات ليوظف حمد الجاسر لخدمة أهداف سياسية، فرفض أن يخون وطنه، وأصرَّ على الدفاع عن نهج يعتقد بصحته، فكان بذلك يقدم الدرس والعظة والعبرة، فالوطنية ليست رداءً يخلع في ساعة غضب، بل هي انتماء وتضحية وصدق في السريرة ووضوح في المواقف.
وكما كان حمد الجاسر يعبّر عن وطنية عميقة في مجلته، ظل وفيّاً لها وهو خارج وطنه، واتجه الى بحوثه وأسس بعدها مجلة العرب، تبحث في شؤون يهتمُّ بها ويحرص على نشرها، فكانت مجلة متخصصة لها أهميتها في مجال البحوث الجغرافية والتاريخية، وتهتمُّ مجلة العرب بأرض العرب.
ثم عاد الى وطنه بعد فتنة لبنان مكرما ومعززا من الجميع، قادة ومواطنين ومع ذلك لم يزده التكريم إلا تواضعا، والحفاوة إلا سلوكا أخلاقيا راقيا، وظل وفيّاً لعلمه وقلمه حتى اللحظات الأخيرة، رغم إجهاد الشيخوخة والضعف في الحواس.
حمد الجاسر يُجمع على احترامه السعوديون والعرب، وحفر له مكانة خاصة عبر مسيرة حياته، وهناك قلة من الناس استمعت لها في فترات متباعدة لا ترتاح للرجل إما بفعل الاختلاف أو لأسباب معروفة لدينا جميعا، وهي أسباب لا علاقة لها بعلم الرجل أو خلقه، ولكنها استجابة لنزوات - مع الأسف - لا تخضع لسياق منطق أو لحكم موضوعي سليم.
رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه خير الجزاء في آخرته لقاء ما قدمه وعوض هذه البلاد وأهلها بنماذج من طراز حمد الجاسر.

أعلـىالصفحةرجوع
















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved