رئيس التحرير : خالد بن حمد المالك

أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Monday 9th October,2000العدد:10238الطبعةالاولـيالأثنين 12 ,رجب 1421

متابعة

السعوديون ودورهم في قضية فلسطين
لم تأل المملكة العربية السعودية جهدا في سبيل نصرة الحق العربي في فلسطين ومؤازرة ابنائنا في القدس المحتلة.
وكان لدور المملكة الرائد ابرز الاثر في توضيح الصورة للرأي العام العالمي.
والقضية الفلسطينية هي هاجس القادة والساسة السعوديين منذ بدايتها وحتى هذه اللحظة، ونظرا لما تمثله الدبلوماسية السعودية من حضور على المستوى الدولي وما تحتله المملكة من موقع متميز بين دول العالم المختلفة، وما تتمتع به المملكة من تمثيل وحضور في كافة المحافل الدولية، فقد حظيت القضية بعناية القادة والساسة السعوديين فاصبحت دائما ضمن اوراق عملهم، وضمن الإطار الذي يدرسون من خلاله اية قضية دولية لذا فقد نالت القضية اقصى ما يمكن من اهتمام، بدا ذلك واضحا من خلال المؤتمرات والمبادرات التي قام بها الساسة السعوديون ومنها:
مشروع اللجنة الملكية بتقسيم فلسطين:
عندما اعلنت الحكومة البريطانية انها تعتزم إيفاد لجنة تحقيق ملكية في 20 جمادى الاولى 1355ه 7 اغسطس 1936م، للبحث في الاسباب الرئيسية للاضطرابات في فلسطين وتقصي شكاوي اليهود، في ذلك الوقت كانت اولى المبادرات السعودية التي تقف الى جوار الشعب الفلسطيني وتدافع عنه وكانت من الملك المؤسس عبدالعزيز رحمه الله وخلاصة هذه المبادرة ما يلي:
أولا:( إعلان عفو عام عن سائر الجرائم التي ارتكبت اثناء الإضراب والاضطرابات وإطلاق سراح المسجونين,, لأن ذلك يساعد على خلق جو جديد من الثقة والطمأنينة ويساعد على حل جميع المشاكل).
ثانيا: (إيقاف هجرة اليهود؛ لأن كل سماح بهجرة جديدة سيجدد المخاوف ويقضي على الطمأنينة).
ثالثاً: (أن تسن الحكومة نظاماً لحماية الملكية الصغيرة كما حدث في مصر، حتى تصان أملاك الضعفاء الجهلاء من الضياع).
رابعا: (أن تحل مشكلة شكل الحكومة بالتفاهم مع أهل فلسطين).
وقد حرص الملك عبدالعزيز على متابعة موقف الحكومة البريطانية من هذه الاقتراحات.
مؤتمر بلودان عام 1356ه 1937م:
اجتمع المؤتمرون في بلودان - المصيف السوري في 3 رجب 1356ه 8 سبتمبر 1937م، واشتركت فيه كل من مصر، وسوريا، لبنان، العراق، فلسطين، السعودية، شرق الأردن، وبلغ عدد المدعوين (450) عضواً.
هذا ولقد اتخذ المؤتمر عدة قرارات منها: ان فسطين جزء لا ينفصل عن الوطن العربي وأن العرب يرفضون تقسيم فلسطين وإنشاء دولة يهودية فيها، ويقاومون ذلك بكل قواهم وانهم يصرون على طلب إلغاء الانتداب ووعد بلفور، وعلى سيادة الشعب العربي الفلسطيني في بلاده، ووقف الهجرة وبيع الاراضي العربية فوراً، وإعلان بريطانيا ان استمرار الصداقة بينها وبين الامة العربية يتوقف على استجابتها لذلك، وأن إصرارها على سياستها الحاضرة، يحمل العرب اجمعين على اتخاذ اتجاهات جديدة كما ان الائتلاف بين العرب واليهود لا يمكن ان يتم الا على هذه الأسس مع حفظ حقوقهم في الدولة، وفقاً للمبادىء الدستورية العامة, ثم توجت القرارات بميثاق اقسم عليه المؤتمرون وقوفاً في مظاهرة حماسية رائعة وهذه نصه:
(يعاهد المؤتمرون أنفسهم امام الله ثم التاريخ والأمة العربية والشعوب الاسلامية ان يستمروا في الكفاح والنضال في سبيل فلسطين الى ان يتم انقاذها وتحقق السيادة العربية عليها).
المؤتمر البرلماني العربي سنة 1357ه 1938م:
عقدت هذا المؤتمر لجنة برلمانية مصرية تضم عددا من الشيوخ والنواب من مختلف الاحزاب المصرية، بهدف تعزيز النشاط الثوري الفلسطيني وتأييداً لموقف عرب فلسطين، ناهيك عن سخط العالم العربي والإسلامي على مشروع التقسيم.
وقد رحبت الشخصيات العربية والاسلامية في الوطن العربي بضرورة عقد مؤتمر برلماني عربي، وتم عقد المؤتمر بالقاهرة في الفترة ما بين 12 16 شعبان 1357ه 7 11 اكتوبر 1938م، وحضره مندوبون عن فلسطين ومصر ولبنان وسوريا وشرق الاردن والسعودية والعراق واليمن والمغرب، كما اشترك فيه ممثلون عن الدول الاسلامية والجاليات الاسلامية في الهند والصين ويوغسلافيا وأمريكا.
وأطلق على المؤتمر (المؤتمر البرلماني للبلاد العربية الاسلامية من اجل الدفاع عن فلسطين).
وقد اتخذ المؤتمر البرلماني عدة قرارات، وتشمل القرارات التقليدية وهي بطلان تصريح بلفور وما ترتب عليه من زيادة الهجرة اليهودية الى فلسطين والتي ادت الى استحواذ اليهود عل الاراضي العربية بشتى الطرق، يلي ذلك إلغاء مشروع التقسيم، وصون وحدة فلسطين كبلد عربي, واختتمت هذه القرارات بتحذير بريطانيا من مغبة عدائها للعرب وموالاتها للصهيونية، حيث إن الدول الممثلة في المؤتمر ستتخذ من جانبها موقفا مماثلا مع الآثار التي تترتب على هذا الموقف في العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
مؤتمر إنشاص سنة 1365ه 1946م.
عقد هذه المؤتمر في يومي 27 28 جمادى الآخرة 1365ه 28 29 مايو 1946م لبحث قضية فلسطين من جميع جوانبها، وحضره وفود تمثل جميع الدول العربية واعلن المؤتمرون ان قضية فلسطين ليست قضية عرب فلسطين وحدهم، بل هي قضية كل العرب.
وفي نهاية المؤتمر اجمع الحاضرون على تنفيذ القرارات التالية:
أولا: وقف الهجرة الصهيونية تماماً.
ثانيا: منع تسرب الاراضي العربية الى الصهيونيين منعاً باتاً.
ثالثاً: العمل على تحقيق استقلال فلسطين وتشكيل حكومة فيها، تضمن حقوق جميع سكانها الشرعيين.
رابعاً: اعتبار توصيات لجنة التحقيق الأنجلو أمريكية، عملا عدائياً موجهاً ضد دول الجامعة.
خامساً: اتخاذ جميع الوسائل الممكنة للدفاع عن كيان فلسطين التي هي في قلب المجموعة العربية.
مؤتمر بلودان الثاني عام 1365ه 1946م:
بناء على توصية مؤتمر انشاص، عقد مجلس الجامعة العربية اجتماعاً عاجلاً في بلودان بسورية في الفترة من 7 12 رجب 1365ه 8 12 يونيو 1946م، للنظر في تقرير لجنة التحقيق الأنجلو أمريكية والخطة التي يجب على العرب ان يسيروا عليها في قضية فلسطين التي أخذت تدخل في دور دقيق,
وقد مثل المملكة العربية السعودية في هذا المؤتمر ولي العهد الأمير سعود بن عبدالعزيز في ذلك الوقت ومعه الشيخ يوسف ياسين مستشار الملك عبدالعزيز الخاص.
واتخذ مجلس الجامعة قرارات علنية وأخرى سرية, أما القرارات السرية فقد أحيطت بكتمان يشتمل على معنى الخطورة والجد، اما القرارات العلنية فهي:
أولاً: نقد لجنة التحقيق وتحيزها وتواصيها بمذكرة توجهها الجامعة وكل حكومة على انفراد الى الحكومتين الأمريكية والبريطانية.
ثانياً: المطالبة باجراء مفاوضات مع الحكومة البريطانية من اجل إنهاء الحالة الراهنة في فلسطين.
ثالثاً: إذا لم تؤد المفاوضات مع بريطانيا الى حل مرض، تعرض القضية على هيئة الامم المتحدة.
رابعاً: تأليف لجنة دائمة في أمانة الجامعة للاشراف على سير القضية.
خامساً: طلب تجريد اليهود من السلاح.
سادساً: إنشاء مكاتب للمقاطعة في كل دولة عربية.
سابعاً: رفض اي شكل من اشكال التقسيم من حيث المبدأ كحل لقضية فلسطين.
ثامناً: إنشاء لجان دفاع عن فلسطين في كل دولة عربية وإصدار طابع باسم فلسطين، يرصد ريعه للقضية الفلسطينية.
تاسعاً: تنظيم تمثيل فلسطين بهيئة جديدة، ودعوة اهل فلسطين للالتفاف حولها وتخويلها بمختلف شؤون القضية من دعاية ومقاطعة وغير ذلك.
مؤتمر لندن (المائدة المستديرة) عام 1357ه 1939م:
لم يأت انعقاد مؤتمر لندن عام 1357ه 1939م من فراغ وإنما سبقته جهود وتحركات سياسية من قبل بريطانيا، تمثلت هذه الجهود وهذه التحركات في المشروع الذي تقدم به (نيوكومب) عضو مجلس العموم البريطاني في صيف 1357ه 1938م والذي اراد بما جاء فيه التوفيق بين العرب واليهود.
وانتهت الجلسات الرسمية لهذا المؤتمر بعدم إمكان التوصل الى اتفاق لتسوية القضية الفلسطينية.
وقد اعرب الامير فيصل عن استيائه الشديد للنتيجة التي انتهى ايها المؤتمر لذا قال إنه سيبقى في القاهرة إذا كان هناك ثمة امل في التقدم وإلا فإنه يتعين عليه ان يعود للحجاز باسرع ما يمكن لكن الحكومة المصرية شعرت بأن هناك أملاً في حل المشكلة، وكذلك فإنهم فضلوا ان يبقى الوفد السعودي في القاهرة.
ولم تطل إقامة الفيصل في مصر لأن مسألة الوقت المحدد لاستقلال فلسطين كانت تعترض المناقشات بالاضافة الى اصدار الكتاب الأبيض الذي رأى الزعماء العرب ان فيه ما يستحق النظر.
مؤتمر لندن الثاني 1365ه 1946م.
المرحلة الأولى:
استجابت الحكومة البريطانية لطلب الدول العربية ببدء المفاوضات لحل مشكلة فلسطين، وحددت يوم 15 شوال 1365ه 10 سبتمبر 1946م موعدا لانعقاد المؤتمر، ولكن المجتمعين حول المائدة المستديرة لم يكونوا غير ممثلي بريطانيا وممثلي الدول السبع اعضاء الجامعة العربية، اما عرب فلسطين واليهود فقد رفضوا قبول الدعوة الموجهة اليهم، رفضها عرب فلسطين بسبب رفض الحكومة البريطانية لوجود المفتي امين الحسيني من ناحية ولامتناعهم ان يجلسوا مع ممثلي اليهود من ناحية اخرى.
ولكن حنكة الملك عبدالعزيز فوتت على اليهود تلك الفرصة وأكد على حضور الوفد الفلسطيني وفي الوقت المناسب للتحرك ألقى فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله خطابه التاريخي، فقد كان من اشد المتحمسين لتسوية قضية فلسطين وظلت هاجسه الى آخر لحظات حياته.
وانفضت تلك المرحلة عن تأجيل المؤتمر بحجة دراسة مقترحات عربية وهكذا انتهت تلك المرحلة دون التوصل الى اتفاق.
المرحلة الثانية:
استأنف مؤتمر لندن انعقاده في السادس من ربيع الأول 1366ه 28 يناير 1947م في ظروف سيئة فلم تشترك الوكالة اليهودية لأن وفود الدول العربية رفضت ان يجلس اعضاؤها معها على مائدة واحدة, وقبلت اللجنة العربية العليا حضور اجتماعاته استجابة منها الى طلب ملح من قبل الملكين عبدالعزيز آل سعود وعبدالله بن الحسين، كما حضر المؤتمر مندوبون عن كل من مصر، والعراق، والسعودية، وشرق الاردن، ولبنان وسورية.
وجاء رد الفعل العربي والصهيوني على المشروع الإنجليزي الذي تقدم به الوزير البريطاني (آرثر كريتش جونز) برفضه بغير شروط وكان رد الفعل العربي متوقعا, واصر العرب على اعلان استقلال فلسطين وإيقاف الهجرة اليهودية واتخاذ تدابير حماية الأراضي العربية.
وقد عقدت العديد من المؤتمرات العربية والدولية لمناقشة القضية بطلب من المملكة وغيرها من الدول ونلحظ فيها جميعا الحضور السعودي الجاد والنشط على كافة الاصعدة، ومن اشهر المبادرات التي قدمتها المملكة تلكم المبادرة التي طرحها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ضمن حديث لوكالة الانباء السعودية حين كان وليا للعهد ونشر الحديث يوم السبت 8 شوال 1401ه الموافق 8 اغسطس 1981م، وقد تحولت مبادرة السلام السعودية الى خطة سلام عربية اجمعت عليها قمة (فاس العربية) في بيانها التاريخي الذي اعلن يوم الخميس 21/11/1402ه الموافق 9 سبتمبر 1982م وتنص بنود هذه المبادرة - كما اعلنها الفهد يحفظه الله على ما يلي:
اولاً: انسحاب (إسرائيل) من جميع الاراضي التي احتلت في عام 1967م بما فيها القدس العربية.
ثانياً: ازالة المستعمرات التي اقامتها (إسرائيل) في الأراضي العربية منذ العام 1967م.
ثالثاً: ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية لجميع الأديان في الأماكن المقدسة.
رابعا: تأكيد حق الشعب الفلسطيني وتعويض من لا يرغب في العودة.
خامسا: تخضع الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة انتقالية تحت اشراف الامم المتحدة، ولمدة لا تزيد عن بضعة اشهر.
سادساً: قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس.
سابعاً: تأكيد حق دول المنطقة في العيش بسلام.
ثامناً: تقوم الامم المتحدة او بعض الدول الاعضاء فيها بضمان تنفيذ تلك المبادىء.
وكما اسلفت فإن المبادىء التي ذكرتها ليست من تأليفي او ابتكاري، ولكنها قرارات صادرة عن الامم المتحدة سواء عن مجلس الامن او الجمعية العام وبالامكان ضمها جميعا في قرار واحد يصدر عن مجلس الأمن، ويشكل إطاراً للتسوية الشاملة والعادلة، وأود أن أؤكد ان معالم التسوية العادلة والشاملة اصبحت معروفة ولا تحتاج الى عناء كبير, وتنفيذ مثل هذه التسوية يتوقف على ثلاثة شروط واقعية، ومعقولة ولابد من تحقيقها وهي:
أولا: وقف الدعم الأمريكي اللامحدود (لاسرائيل).
ثانياً: وضع حد للغطرسة الإسرائيلية التي يمثل مناحيم بيغن أبشع صورها.
وهذا الشرط يمكن تحقيقه تلقائيا اذا تحقق الشرط الأول.
ثالثاً: التسليم بأن الرقم الفلسطيني كما يقول السيد ياسر عرفات هو الرقم الأساسي في المعادلة الشرق أوسطية.
وختاماً: فليس يخفى على احد ذلك الدور الذي اضطلعت به المملكة منذ نشأتها الى الآن، وذلك الدور الذي تسهم به في تحقيق عملية السلام التي تحاول الأطراف المعنية بصورة مباشرة الوصول اليه (دول الطوق) والمملكة وإن كانت ليست حاضرة على طاولة المفاوضات الا ان دورها موجود وكل مراقب يستشعره، وهذا ليس بجديد عليها، فهي - ولاشك اكبر الدول انغماساً في القضية وتحمساً لإنهائها بالصورة التي تحفظ للشعب الفلسطيني كامل حقوقه في أرضه ووطنه.
الدور السياسي السعودي
كان للثقل الذي تمثله المملكة في المحافل الدولية على اختلافها وتعددها وتنوعها كبير الأثر في تبني قضية الحق الفلسطيني، فقد بدأت الجهود السياسية في مختلف المحافل وعلى كافة المحاور تنادي بوجوب عودة الحق الفلسطيني الى أصحابه، وقد كان لهذه الجهود الأثر العظيم في تحريك القضية، ومادمنا بصدد هذا فعلينا أن ننوه بجهود ملوك هذه المملكة الذين آلوا على أنفسهم تبني القضية والدفاع عنها، ومحاولة تحريكها بحيث لا تظل قابعة في أدراج الأمم المتحدة لا تتقدم، لذا سيكون الحديث منصبا بصفة اساسية على من يتسنمون سدة الحكم في بلدنا ونبدأ بمن يستوجب البدء به ألا وهو المؤسس والموحد الملك عبد العزيز رحمه الله .
كانت القضية الفلسطينية من أهم القضايا التي أولاها الملك عبدالعزيز اهتماماً بالغاً، وكانت منطلقات اهتمامه عربية إسلامية ترقى فوق الشبهات، ولا تقبل في الله لومة لائم.
وبالرغم من ان علاقة المملكة العربية السعودية بكل من بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية قد استمرت في التطور والنمو في المجالات الاقتصادية والعسكرية إلا ان الملك عبدالعزيز لم يقبل المساومة على موضوع القضية الفلسطينية، وعارض كل مشروع سياسي يمكن أن يسهم في تهويد أرض فلسطين العربية الإسلامية.
وقد رفض مشروع التقسيم الذي اقترحته لجنة بيل الملكية البريطانية عام 1927م؛ لأن الصهاينة ليس لهم حق في فلسطين، وعدّ قبول أي مشروع ينادي بتقسيم فلسطين العربية الإسلامية بين اليهود والعرب لايمكن ان يعني سوى استسلام العرب وخضوعهم للصهاينة الدخلاء.
وقد أوفد ابنه جلالة الملك فيصل رحمه الله الى أول مؤتمر يعقد في لندن بين الدول العربية واليهود في 7 فبراير 1939م.
ونظراً لما تمتع به الملك عبدالعزيز من مركز قيادي في العالمين العربي والإسلامي، فإن الصهاينة حاولوا استمالته ورشوته لتأييد باطلهم وإعطاء فلسطين لليهود بعد أن يجلي عنها العرب وتوطينهم في مكان آخر؛ غير ان الملك عبدالعزيز رفض مناقشة ذلك المشروع على الإطلاق وأدرك إن الصهاينة قصدوا استدراجه حتى يمكن وصمه بالخيانة لدينه وعروبته,, وبذلك تتحقق مآربهم الخبيثة دون إطلاق رصاصة واحدة.
بعد ثلاث سنوات من ذلك العرض أرسل الرئيس الامريكي روزفلت مبعوثه الخاص بإلحاح من وايزمان الى الملك عبدالعزيز ليسأله إذا كان بالإمكان أن يجتمع مع وايزمان لإجراء محادثات حول فلسطين.
ولم تلق تلك الدعوة قبولاً لدى الملك عبدالعزيز، وهو القائد الرمز لوحدة المسلمين وتطلعاتهم والمدافع عن عقيدتهم ومقدساتهم الذي حرص دائماً على تكثيف عملية التلاحم وحشد طاقات المسلمين في كل مكان لمواجهة ما يعترض الأمة الإسلامية من تحديات، واستشاط غضباً، وأخبر مبعوث الرئيس الأمريكي أنه لن يجتمع مع ذلك الزعيم الصهيوني مهما كانت الظروف.
غير أن الصهاينة عاودوا الكرة مرة أخرى عن طريق الرئيس الامريكي روزفلت شخصياً الذي بحث قضية فلسطين مع الملك عبدالعزيز عندما اجتمع الزعيمان في فبراير عام 1945م على ظهر الطراد الأمريكي كونيسي في البحيرات المرة في قناة السويس.
وقد أبدى الرئيس الأمريكي اهتماماً بالغاً بمصير اليهود في أوروبا وراوده الأمل في ان يستخدم الملك عبدالعزيز لما يتمتع به من نفوذ لإقناع العرب بقبول استمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وأفاض روزفلت في شرح ماعاناه اليهود من اضطهاد مزعوم على أيدي النازيين.
لم يتزحزح الملك عبدالعزيز عن مواقفه السابقة، واقترح أن يعطى اليهود وأبناؤهم أراضي وبيوت الألمان الذين أضطهدوهم، وأشار الى أنه يمكن حل المشكلة اليهودية بتوزيع اليهود على البلاد الغنية التي يتكون منها معسكر الحلفاء.
كما أكد الملك عبد العزيز أنه من الإجحاف أن يدفع عرب فلسطين الأبرياء ثمن جرائم ارتكبها غيرهم.
وانتهت المقابلة بين الزعيمين دون أن يفرط الملك عبدالعزيز في القضية الفلسطينية، ونال وعداً شخصياً من روزفلت بأنه لن يقوم بأي عمل عدائي ضد العرب، وتعهد بأن الولايات المتحدة الامريكية لن تحدث أي تغيير في سياستها الرئيسية تجاه فلسطين إلا بعد أن تتشاور مع كل من العرب واليهود.
وقد أكد ترومان التزامه بذلك العهد بعد وفاة روزفلت موضحاً في خطاب بعث به الى الملك عبدالعزيز في 28 اكتوبر 1945م، ان أي حل للمسألة الفلسطينية لن يتم إلا بموافقة العرب واليهود معاً.
بعد ذلك بمدة وجيزة أصدرت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قراراً بتقسيم أرض فلسطين العربية الإسلامية وتطور الوضع، وأعلن قيام الدولة الصهيونية في مايو 1948م.
وقوبلت تلك الجريمة النكراء بموجة من السخط والاستنكار في أرجاء العالم العربي والإسلامي، وهب الشعب العربي السعودي المسلم يقدم بسخاء تبرعات مادية للشعب العربي الفلسطيني مواساة له في محنته ورغبة في التخفيف من وطأة الضيم الذي حل به على أيدي الصهاينة.
وشاركت المملكة العربية السعودية في حرب عام 1948م التي خاضتها الجيوش العربية في فلسطين دون ان تسفر عن أي تغيير في ميزان القوى ضد الصهاينة الذين كانوا وما زالوا يتمتعون بتأييد دول الشرق والغرب، ويحظون بدعمها السياسي والاقتصادي، ويحصلون على أحدث ما وصلت إليه التقنية المعاصرة من سلاح وذخيرة.
وأصبح الشعب الفلسطيني يعيش منذ ذلك الوقت في ظل الاحتلال الصهيوني حياة اضطهاد وعنصرية دائمة تمارس ضده، شرد من أرضه حيث هدم الصهاينة القرى والمعالم العربية الإسلامية.
وقد كتب الملك عبدالعزيز للمشايخ خطابا يستفتيهم في أمر التقسيم جاء فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل فيصل إلى جناب الاخوان الكرام الشيخ محمد بن عبداللطيف والشيخ عبدالله العنقري والشيخ محمد بن إبراهيم سلمهم الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
سلمكم الله ما يخفاكم مسألة فلسطين وتقسيم الانقليز لها انها تكون حكومة يهودية وحكومة عربية ولا في هذا شك ان هذه مسألة اضر ما يكون على الاسلام والمسلمون اتفاقهم مع الاشرار الذين ما يخفونكم فإذا رأيتو سلمكم الله انكم تكتبون لنا خط تذكرون فيه طلبة العلم الموجودين تحتجون فيه على هذه المسألة وان هذا أمر باطل ولا يرضاه أحد كون ان اليهود يصير لهم حكومة في اطراف بلاد المسلمين وفي البلاد المقدسة وقرب الحرمين الشريفين وان هذا أمر لا يجوز ولا يرضاه احد فيه اسلام ويكون جواب وجيز طيب لعل الله ان ينفع به, لأننا نبي ننشره وأرجوكم النظر في ذلك وارساله لنا الليلة ان شاء الله هذا مالزم تعريفه.
ودمتم محروسين والسلام حرر في 8 جمادى الثاني عام 1351ه.
الختم الملكي الكريم
واستمر الملك عبدالعزيز في مناصرته للقضية الفلسطينية سواء عن طريق الاتصالات الشخصية مع زعماء الدول او العمل الدبلوماسي في المحافل الدولية او في الجامعة العربية التي اسهمت المملكة في انشائها لتنسيق الجهود السياسية للدول الاعضاء وحماية استغلالها بالطرق الملائمة وتأييد عرب فلسطين، والعمل على حماية حقوقهم العادلة، وتحقيق اهدافهم المشروعة ومواجهة الدعاية الصهيونية، والتأكيد على استقلال فلسطين وعدم تبعيتها لأية دولة.
وقد توازت جهود الملك عبدالعزيز لدعم الحقوق الفلسطينية على الاصعدة العربية والاسلامية والدولية مع خطوات عملية اخرى من بينها دعم عملية حشد المجاهدين للتوجه الى فلسطين للاشتراك فيما يتطلبه الموقف للدفاع عن الشعب الفلسطيني، وفي ذات الوقت اصدر أوامره بعون اسرة كل شهيد استشهد على ارض فلسطين من مجاهدي فلسطين وغيرهم.
وقد أزعجت تلك المواقف والاجراءات الجهات الداعمة للصهيونية، وتلقت الحكومة السعودية مذكرات رسمية في ابريل 1948م حول تلك التحركات فأجاب عليها بكل حزم وقوة مؤكدا ان الصهاينة اقدموا على البدء في تقتيل العرب مستنكرا موقف بعض الجهات الداعمة لهم، وعدم اتخاذ ما يحول دون سفك الدماء العربية من قبل الصهاينة.
وفي 21 مايو 1948م وجه الملك عبدالعزيز رسالة للحكومة الامريكية يقول فيها: كنت من قبل اشير على العرب بالتأني، ولكن بعد وقوع ما وقع من سفك دماء للنساء والاطفال ونهب للأموال لم أجد بداً من أن يقوم العرب بواجبهم .
وواصل الملك عبدالعزيز دعمه وتشجيعه للجهاد على ارض فلسطين وغيرها من بلاد العرب والمسلمين تحت كل الظروف.
وفي نوفمبر عام 1950م وقبل وفاته رحمه الله بثلاث سنوات قال الملك عبدالعزيز لأحد اعضاء لجنة الامم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية:
إن أبنائي سيعكفون من بعدي على إكمال رسالتي إن شاء الله .
وصدقت مقولة الملك الموحد، وتولت الأمانة أيادي مخلصة امينة بدءاً بالملك سعود ثم الملك فيصل فالملك خالد يرحمهم الله وهي ممتدة بعون الله في ايدي الفهد يحفظه الله.
الملك سعود:
وعلى النهج الذي اختطه السلف سار الخلف يحملون الرسالة العظمى نفسها والهموم الكبيرة، ومضت المملكة بخطى ثابتة واضعة فلسطين نصب اعينها، وقضية الشعب الفلسطيني في مقدمة اهتماماتها, لذلك اكد الملك سعود رحمه الله اننا جادون لإنقاذ فلسطين بهمة، وقد تعودنا دائما على العمل بصمت، وان تكون اعمالنا اكثر من اقوالنا، كما تشهد بذلك سيرتنا، متأسين بالسلف الصالح، وتحقيقا لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) سورة الصف 2/3 .
وقد نطقت اعماله رحمه الله بهذا التوجه، فعندما زار جلالته القدس بعث إليه الاستاذ سعيد رمضان الامين العام للمؤتمر الاسلامي برسالة، وقد أذيعت هذه الرسالة، جاء بين سطورها: لعلّي لا أذيع سراً إذا قلت للناس ما سمعته من جلالتك قبل اسبوع في قصر الناصرية العامر بالرياض، من ان اهدافك التي عاهدت الله ان تبذل كل شيء لتحقيقها ثلاثة: عزة الاسلام، وجمع شمل المسلمين، واسترداد المغصوب من الارض المقدسة في فلسطين .
وفي مناسبة الذكرى العاشرة لجلوس جلالته، وجه خطابا ساميا إلى الشعب السعودي جاء فيه: وإننا لنذكر في هذا اليوم إخواننا عرب فلسطين، وما وقع عليهم من بغي وعدوان بانتزاع وطنهم منهم وسلب أموالهم وانتهاك مقدساتهم وتشتيتهم في الارض ظلما وعدوانا على مرأى ومسمع من دول العالم والمنظمات الدولية,, ونحن نتمسك بحق عرب فلسطين في وطنهم واسترداده وازالة الظلم والعدوان الواقع عليهم .
ولما كانت القضية في خاطره تشغل فكره، ويتبناها في كل لحظة فقد صرح للكاتب اليهودي الامريكي ليلنتال بشأن قضية فلسطين بما هو خير معبر عن رأي جلالته في هذه القضية الخطيرة التي هي قضية العالمين العربي والاسلامي: وأحب ان أقول لك وأنا صادق فيما اقول ان الملايين من العرب والمسلمين يتمنون ان تسفك دماؤهم في سبيل حماية المسجد الاقصى وأرضه المباركة من الصهيونيين، وان هذا آت لاريب فيه ولا جدال طال الزمان أم قصر، ففلسطين للعرب، وهي في نظرهم ونظر المسلمين أولى القبلتين وثالثة الحرمين الشريفين وجزء لا يتجزأ منهما .
وقد جاء في خطاب الملك سعود رحمه الله امام مجلس الشورى بعد صدور تقسيم فلسطين: وأؤكد لكم اننا لا نود ان نكلف أحداً من سكان هذه البلاد المقدسة بشيء، واننا مستعدون لإنقاذ فلسطين بأموالنا وأنفسنا، متكلين على الله الذي نستمد منه العون وحده .
كل هذه المواقف والكلمات التي تنطق بالوقوف صفا واحدا يعضد الحق الفلسطيني ويدافع عنه، وقد لمس عرب فلسطين هذا الحس الصادق وهذا الموقف القوي، وهذا ما دفع الاطفال والفتيان الفلسطينيين لان يهزجوا بأناشيد تستصرخ الزعماء العرب، منها:
يا ابن السعود، يا ابن السعود
هات الجنود، تحت البنود
وامح اليهود من أرضنا
وما كان هذا إلا لأن الآمال كانت معلقة على ابن السعود، ومازالت.
الملك فيصل:
لقد كان رحمه الله بحق صادق العزم عاقده على السير قدماً على درب سلفه، وقد بذل جهده حتى ذهب إلى جوار ربه، وقد اطلق عليه وعرف بلقب شهيد فلسطين، فقد استشهد وأمله الاول ان يدرك صلاة واحدة في القدس الشريف بعد تحريرها من ايدي اليهود وظل دائما يؤكد: إننا نفدي فلسطين بالمال والنفس والولد، وإننا لن نستريح إلا بأن تكون فلسطين عربية موحدة مستقلة .
ففي خطابه السامي الذي ألقاه في مدينة الطائف في الاثنين 27 رمضان 1367ه 2غسطس 1948م حث الأمة على مساندة الاشقاء الفلسطينيين قال فيه: (,,, قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .
فيجب ان نحس بما يشكو منه إخواننا إحساسا صحيحا بالقلب والنفس، إحساس الأخ لأخيه، إحساس العضو للعضو، مع التضحيات على اختلاف درجاتها، وإذا كنا إلى الآن لم نؤد واجب التضحية كاملا في ميدان الشرف فيجب على الأقل أن نشترك بعواطفنا، ونعبرعنها بما نستطيعه من مساعدة لإخواننا),.
وأضاف رحمه الله :ويجب على كل فرد منا أن يشعر أنه فلسطيني عربي وفوق ذلك أنه مسلم، إذا توافر هذا الشعور لدينا وجب أن ننظر ماذا يجب أن نعمل .
ومن كلماته الخالدة التي يسجلها له التاريخ في هذا الصدد:
*لتخليص فلسطين والقدس يجب أن يكون الجميع في المقدمة .
*نحن دعاة سلم ومحبة ولكننا لسنا أذلاء وأني لأهيب بالعرب والمسلمين أن يتضامنوا وأن يهبوا لنصرة دينهم والدفاع عن مقدساتهم .
*يجب على المسلمين عامة وعلى العرب خاصة ان يتصلوا ببعضهم وأن يتفاهموا وأن يعتصموا بحبل الله .
*وحدة كلمتنا الإسلامية ليست لصالحنا فقط، إنما لمصلحة السلام والبشرية جمعاء .
إن الفيصل الذي دعا كثيرا لعقد مؤتمر التضامن الإسلامي لم يرتح له ضمير،ولم يستقر له بال حتى كان وهو يحقق أمنيته إلى جانب قادة أربع وعشرين دولة عربية وإسلامية، الذين اجتمعوا في هذا المؤتمر الكبير (المؤتمر الذي عقد بالرباط في 22 سبتمبر 1969م) وذلك في أعقاب إقدام الصهاينة على حرق المسجد الأقصى في 21 أغسطس 1969م، ليضعوا حداً للعدو الصهيوني الذي لا يتقي الله ولا يعرف سبيلا للحق، وإنما بنى نفسه على أساس من الظلم والاغتصاب،وانتهاك حرمة المقدسات، وهدم حقوق الغير ليبني كيانه على حساب من لهم الحق الشرعي سكان فلسطين المشردين المعذبين الذين ينتظرون من العرب والمسلمين أن تجتمع كلمتهم وتتحد قوتهم من أجل إخضاع هذا العدو المتعنت للحق.
فرحم الله شهيد فلطسين الذي لم تغب قضية فلسطين ومقدساتها عن فكره وتوجهه لحظة واحدة.
الملك خالد:
حمل الأمانة من بعد أخيه الفيصل رحمهما الله وكان خير خلف لخير سلف، فهو الذي ما فتئ يؤكد دور المملكة التاريخي وأن لا تدخر وسعا ولن تدخره لنصرة الحق العربي والإسلامي في فلسطين.
من هذا المنطلق فقد حدد جلالة الملك خالد رحمه الله مفهوم العالم الإسلامي لمعنى السلام في المنطقة، فقال: إن السلام الذي يمكن تحقيقه واستمراره في الشرق الأوسط انما هو السلام العادل القائم على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة وفي مقدمتها القدس الشريف والاعتراف للشعب الفلسطيني بحقوقه المشروعة الثابتة في أرضه ووطنه بما في ذلك حقه في العودة إلى دياره وحقه في تقرير مصيره، وجميع حقوقه النابعة من قرارت الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تعترف ضمن أشياء أخرى بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني .
وفي حديث صحفي أدلى به جلالته لجريدة إطلاعات الإيرانية في يوم 25 جمادى الأولى 1396ه / 24 مايو 1976 م اثناء زيارته لإيران، قال جلالته: إن المملكة العربية السعودية تعمل كما تعلمون جادة مخلصة وبكل امكاناتها وطاقاتها لنصرة الحق العربي الاسلامي في فلسطين، ولتحرير مدينة القدس، وهي لاتدخر في ذلك وسعا ولن تدخر، ونحن في المملكة العربية السعودية نتطلع الى مؤازرة الدول الاسلامية الاخرى، لان ثالث الحرمين الشريفين انما هو حق من حقوق الامة الاسلامية ويجب ان تغار عليه وتعمل لاستخلاصه من براثن الصهيونية .
وفي حديث آخر مع وكالة الانباء السعودية جاء فيه على لسان جلالته:
لقد تمكنت الصهيونية العالمية في غفلة من المسلمين وضعفهم من احتلال فلسطين وأجزاء من دول عربية اسلامية مجاورة لها، وقد جرى ذلك تحت سمع العالم وبصره, ان هذا التعدي على الامة الاسلامية والانتهاك لحرماتها ومقدساتها هو تحد لكل خلق وتنكر لكل الاعراف والقوانين وانتهاك لكل المواثيق والعهود الدولية.
وإن تحرير فلسطين وفي مقدمتها القدس الشريف هي قضية الاسلام والمسلمين الاولى وإننا نعتقد ان مواجهة المخططات الصهيونية في فلسطين هي مسئولية جميع الدول والشعوب الاسلامية .
وحتى قبل اسبوع من تلبية نداء ربه كانت القضية الفلسطينية هي هاجسه الوحيد، وشاغله الذي يوجه جهده، ويسيطر على تفكيره في التزام صادق وأمين بالنهج السعودي الذي اختطه الملك عبدالعزيز رحمه الله منذ البدايات المبكرة للقضية, ففي 15/8/1402ه وجه جلالته بيانا مؤثرا إلى المسلمين يدعوهم فيه إلى الوقوف بجانب اشقائهم اللبنانيين والفلسطينيين الذين تعرضوا لحرب ابادة صهيونية بشعة، جاء فيه:
إخواني المسلمين,.
إن واجب ما يفرضه هذا الوضع الخطير على الامة الاسلامية جمعاء ان توحد صفها وان تحشد طاقاتها لتقف بجانب اشقائها اللبنانيين والفلسطينيين معبرة عن تضامنها معهم في رفض العدوان والعمل على معاقبة المعتدي وضمان سيادة ووحدة اراضي لبنان الشقيق بما يحقق المحافظة على امن وسلامة الشعبين الشقيقين انطلاقا من هدي القرآن الذي قال في محكم اياته (إنما المؤمنون إخوة).
خادم الحرمين الشريفين الملك فهد:
واستقرت الامانة لدى رجل المواقف البارزة والثابتة، خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز الذي احتضن امانة الوالد المؤسس وعمل بوصيته، فوقف إلى جانب الشعب الفلسطيني في كافة الظروف والمراحل يدعمهم ويخفف آلامهم، ويسعى بكل جد ومثابرة لايجاد الحلول المنصفة لقضيتهم التي دامت سنوات طويلة، يستثمر ما تحظى به المملكة من تقدير واحترام في كافة الاوساط والمحافل نتيجة لنبل مقاصدها، وثبات مواقفها التي لا تتغير ولا تتبدل رغم تغير وتبدل الظروف والاحداث، وما يطرأ من تطورات عربية واقليمية ودولية حتى غدت القضية الفلسطينية القضية الاولى للعرب والمسلمين، واضحت الشغل الشاغل للعالم اجمع وفي مقدمة اهتمامات وأولويات المجتمع الدولي، وهو أمر تعيشه القضية في المرحلة الراهنة، حيث تحققت لها مكتسبات ونجاحات في غاية الاهمية نتيجة عمل دؤوب مخلص وضع بذوره الملك عبدالعزيز رحمه الله وواصل رعايته ابناؤه البررة بالتعاون مع المخلصين من ابناء الامة العربية والاسلامية, لقد وقفت المملكة العربية السعودية في عهد خادم الحرمين الشريفين بكل صدق ومسؤولية جنبا إلى جنب مع اشقائها الفلسطينيين ترعاهم، وتدافع عن قضيتهم وحقوقهم السلبية، وقفت الى جانبهم تقدم لهم الدعم والرعاية، وتفي بالتزاماتها نحوهم وتساندهم في مختلف المحافل عربيا واسلاميا ودوليا.
وفي هذا الاطار قدم خادم الحرمين الشريفين من منطلق مسؤولياته العربية والاسلامية تصورا للتسوية الشاملة العادلة لمشكلة الشرق الاوسط وهو تصور من ثمانية مبادئ عرف باسم مشروع الملك فهد للسلام .
وقد أطلق على: تلك المبادئ فيما بعد مشروع السلام العربي بعد ان تبناها وأقرها مؤتمر القمة العربي الثاني عشر الذي عقد في مدينة فاس المغربية في سبتمبر 1982م.
ولكون وضع مدينة القدس يحظى باهتمام بالغ من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز يحفظه الله ذلك الاهتمام الذي عبر عنه بقوله في إحدى المناسبات الاسلامية إن قضية فلسطين ووضع الاراضي المحتلة وفي مقدمتها القدس ما زالا يحتلان جل اهتمامنا ويستغرقان الكثير من جهودنا ومساعينا .
وقد جسد خادم الحرمين الشريفين ذلك التوجه وهذا الاهتمام عمليا حينما اصدر توجيهاته الكريمة في ابريل الماضي بأن تتحمل المملكة كافة نفقات اصلاح وترميم المساجد بمدينة القدس.
واستقبل العالم الاسلامي بصفة عامة، والشعب الفلسطيني بصفة خاصة قرار خادم الحرمين الشريفين بترحيب بالغ لما يحمله من معان ومضامين تؤكد حرص المملكة على مدينة القدس وآثارها الاسلامية، وان هناك قادة مخلصين يواصلون بامانة واخلاص حمل هموم الشعب الفلسطيني والتخفيف منها.
وفي المحافل الدولية اضطلعت المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين بدور مميز في إطلاع الرأي العام الدولي على جوهر القضية الفلسطينية، وعدالة ومشروعية الحقوق الفلسطينية المغتصبة.
وكان الدور السعودي مجسدا في موقف الملك فهد بن عبدالعزيز يحفظه الله في هذا الشأن مؤثرا للغاية وحقق نجاحات متميزة في دعم الحقوق الفلسطينية على الصعيد الدولي.
وحينما تهيأت ظروف عربية واقليمية ودولية لمفاوضات سلام تهدف إلى انهاء الصراع العربي الاسرائيلي، وايجاد حل دائم وعادل وشامل للقضية الفلسطينية، اضطلعت المملكة بدور مهم للمضي قدما في هذا السبيل الذي يحقق حلولا عملية لقضايا شائكة دامت سنوات طويلة.
وقد رأت المملكة ممثلة في مليكها المفدى في هذا التوجه العربي والاقليمي والدولي نحو السلام فرصة لابد من الاستفادة منها لتأمين الحقوق العربية والفلسطينية وفقا للشرعية الدولية، وانطلاقا من قراري مجلس الامن الدولي 242 و338 ومبدأ الارض مقابل السلام.
واستثمرت المملكة في هذا الخصوص مكانتها الدولية وعلاقاتها على مختلف الاصعدة حتى عقدت جولات المفاوضات بين الجانبين العربي والاسرائيلي.
وقد جسد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز يحفظه الله تطلعاته في هذا الشأن حينما قال في أحد تصريحاته الصحفية: إن ما نريده ونتطلع إليه هو ان تتوفر النوايا المخلصة لانجاح هذه المفاوضات بعد ان اثبت قادة الامة العربية انهم دعاة سلام ومحبة وانهم راغبون في اقرار حالة السلم مع إسرائيل دون تفريط في حقوقهم المشروعة والعادلة .
واضاف - يحفظه الله إن المملكة العربية السعودية تقف بكل امكاناتها خلف كل تقدم يحققه المتفاوضون من شأنه ان يعيد لاصحاب الحق حقوقهم ويؤمن منطقتنا من ويلات الحرب والدمار .
وقد عبر خادم الحرمين الشريفين عن تفاؤله وثقته نحو نيل الحقوق العربية والفلسطينية حينما قال يحفظه الله في حديث متلفز: إنني مطمئن إنه في النهاية لابد ان تحل الامور على اساس الحقوق المشروعة ، ولا أظن نحن العرب نريد اكثر من الحق الشرعي,, نعم نريد السلام ولكن ليس الاستسلام، السلام المنطقي المعقول .
وبمشيئة الله تعالى تواصل المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين ذلك الدور، وتؤدي تلك المسؤولية حتى تعود الحقوق السليبة، ويحقق الشعب الفلسطيني تطلعاته وآماله.
إنه قدر المملكة العربية السعودية ومسؤوليتها العربية والاسلامية، وهي الدولة التي لم تخل بمسؤولية، ولم تتخل عن واجب ولم تبخل بجهد يصب في مصلحة امة العرب والمسلمين وجميعها امور يوليها خادم الحرمين الشريفين جل اهتمامه ورعايته، ويؤكد عليها في كافة المحافل والمناسبات, وقد جسد الملك المفدى فهد بن عبدالعزيز ذلك التوجه حينما قال في كلمته الضافية لحجاج بيت الله الحرام في حج عام 1411ه: إن المملكة العربية السعودية انطلاقا من مسؤولياتها الاسلامية والتاريخية والانسانية والاخلاقية لم تتردد لحظة واحدة في القيام بواجباتها نحو الشعب الفلسطيني.
ويبدو أن الوصية التي اوصى بها صقر الجزيرة أبناءه رسخت في صدورهم ونذروا أنفسهم لتبنيها فهي تنتقل من أمين إلى أمين ويضطلع بها كل منهم حتى غدت سمة لهم،وهذا ما يطمئن أبناء الشعب الفلسطيني أن قضيتهم في وجدان القادة السعوديين, فها هو صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني في كلمة أذيعت في عيد الفطر من عام 1402 ه يقول فيها:
أيها المواطنون الأعزاء.
إن فلسطين بقدسها الشريف نقطة المنطلق واللقاء بين العرب والمسلمين وبين كل مؤمن بالله عز وجل,, وإن المنطقة لن تعرف قرارا ولا استقرارا ما لم يعترف العدو قبل الصديق بالحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، حقه في تقرير مصيره، وحقه في العودة إلى بلده، وحقه في إقامة دولته على تراب وطنه المغتصب، وهذه حقوق لا تقبل تفاوضا ولا جدلاً,, , وهذا حديث لصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران أثناء اجتماعه مع ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في المملكة في 5/9/1399ه قال فيه:
إن المملكة لن تتراجع عن خطها المرسوم منذ عهد المغفور له الملك عبدالعزيز في دعم القضية الفلسطينية مهما كلفها من جهد أو مال أو دماء، وإن الجيش السعودي هو جيش القضية الفلسطينية حتى تتحرر فلسطين .
ولا يألو صاحب السمو الملكي الأمير / نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية جهدا في سبيل تحقيق الأمن لأبناء فلسطين في المملكة وكما سيرد في الدور الأمني السعودي نلمس إهتمام وزارة الداخلية ممثلة في سموه بأوضاع الفلسطينيين وعدم إزعاجهم أو ترحيلهم إلا بعد العرض لسموه.
وعندما احتضنت المملكة اعمال دورة مجلس امناء مؤسسة الدراسات الفلسطينية التي افتتحت في 27/7/1405ه الموافق 17/4/1985م وشرف حفل الافتتاح صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز امير منطقة الرياض الذي ألقى كلمة ضافية شافية ابرز من خلالها وقوف المملكة ملكا وحكومة وشعبا صفا واحدا مساندين ومعضدين ومؤيدين الحق الفلسطيني، باذلين الغالي والنفيس في سبيل نصرة القضية، ونقتطع منها قول سموه: إنكم بدوركم الايجابي تحاولون نسج خيوط التاريخ بجرأة وصدق وأمانة خشية ان يكتب التاريخ من صنعوه فتنشغل الاجيال في تصحيحه او اعادة تدوينه، لقد كانت امتنا بحاجة إلى جرعة من الحقيقة مُرَّة كانت أم حلوة، فوطدنا النفس على تقديمها لنا يوم ان كان الحرف معضلة والحقيقة جلاداً والكلمة الصادقة رصاصة في القلب .
وقد ختم سموه كلمته قائلا: والله أرجو أن يعيد علينا جميعا اجتماعكم القادم, وقد استطعنا فك اسر القدس الجريح، وفلسطين درة عالمنا العربي والاسلامي، وما ذلك على الله بعزيز متى خلصت النوايا وصدقت العزائم .
اعداد : أحمد بن زيد الدعجاني
عضو اتحاد المؤرخين العرب


أعلـىالصفحةرجوع




















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة][موقعنا]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved