أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Saturday 4th November,2000العدد:10264الطبعةالاولـيالسبت 8 ,شعبان 1421

مقـالات

آفاق وانفاق
شيء عن الطِّيَرة
د, محمد العيد الخطراوي
الطِيَرة بكسر الطاء، وفتح الياء أو تسكينها مصدر قولهم: تطيّرتُ طِيَرة كتخيّرت خِيَرة، قالوا: ولم يجئ من المصادر على هذا الوزن غير هذين اللفظين، والطُّورَة: لغة في الطيرة، والميمون طائره: هو المبارك حظه، قال تعالى: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) الإسراء/13 أي حظه، وقيل: عمله، قال المفسرون: ما عمل من خير أو شر ألزمناه عنقه، والتطيّر: التشاؤم، قال تعالى في قصة ثمود قوم صالح عليه السلام، وتشاؤمهم من نبيهم: (قالوا اطّيرنا بك وبمن معك، قال طائركم عند الله) النمل/ الآية 47 اي إن ما أصابكم من خير وشر فمن الله، وقيل: اطّيّرنا اي تشاءمنا, ومن معاني الطير ايضا: التطير، ومنه قولهم: لا طّير إلا طير الله، كما يقال: لا أمر إلا أمر الله، وأنشد الاصمعي قول الأحمر:


تعلّم انه لا طير إلا
على متطيِّر، وهو الثبور
بلَى شيء يوافق بعض شيء
أحاييناً، وباطلُه كثير

وكان مذهب العرب في الفأل والطيَرة واحداً، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم الفأل واستحسنه، وابطل الطيرة ونهى عنها، وجاء في الحديث: (أنه كان يحب الفأل، ويكره الطيرة)، فما الفأل، اصل الفأل الكلمة الحسنة يسمعها عليل، فيتأول منها ما يدل على برئه، كما لو سمع مثلا كلمة (سالم), اما الطيرة فهي مضادة للفأل، قال ابو ذؤيب:


زجرتُ لهم طير الشمال، فإن تكن
هواك الذي تهوى، يصبك اجتنابُها

وفي حديث: (لا عدوىَ، ولا طيَرة، ولا هامة)، ورغم هذا النهي فإنه لا يكاد أحد يخلو من مداخلها، قال صلى الله عليه وسلم/ ثلاثة لا يسلم منها احد: الطّيَرةُ، والحسد، والظن، قيل: فما نصنع,,؟ قال: اذا تطيّرت فامضِ، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تصحِّح).
وقال الجاحظ (الحيوان3/438): أصل التطير إنما كان من الطير إذا مرّ بارحا أو سانحا، او رآه يتفلَّى وينتف، ثم استعملوا ذلك في كل شيء، ولإيمان العرب بالطيرة عقدوا الرتائم، وعشّروا إذا دخلوا القرى تعشير الحمار، واستعملوا في القداح: الآمر، والناهي، والمتربِّص، وهنّ غير قداح الإيسار.
* (الرتائم: جمع رتيمة، وهي ان يعقد الرجل إذا اراد سفراً شجرتين او غصنين، ويقول: إن رجع وهما على حالهما، كانت زوجته محتفظة بوفائها، وإلا فلها التعشير: كانوا يزعمون ان من قرب ارضا وبيئة فوضع يده خلف أذنه، ثم نهق عشر نهقات، أمِنَ وباءها، يقول عروة بن الورد:


لعمري لئن عشرتُ من خشية الردى
نهاق الحمير، إنني لجَزُوع

وكانوا من شدة طلبهم للطيَرة والفأل يشتقون من اسم الشيء الذي يرونه أو يسمعون بعض المعاني، قال سوّلد بن المضَرَّب السعدي:


تغنَّى الطائر ان يبين ليلى
على غصنين من غرب وبانٍ
فكان البانُ أن بانت سليمَى
وفي الغَرَب اغتراب غير دان

فاشتق كما ترى الاغتراب من الغَرب (يصنع منه عصا الرمح)، والبينونة من البان.
وقال جران العَود:


جرى يوم رحنا بالجمال نزِفُّها
غرابٌ، وشَّحَّاجٌ من البين يبرحُ

(الشَّحَّاج: الغُراب البارح)، فاشتق العقوبة من العُقاب، والغُربة من الغراب.
ورأى السمهري غرابا على بانة ينتف ريشه، ففسّر البان بالبينونة، ووجد في الغراب كل معاني المكروه،
فقال:


رأيت غرابا واقعا فوق بانةِ
ينتّف أعلى ريشه، ويطايره
فقلتُ ولو أنّي زجرتُه
بنفسي للنهديّ: هل أنت زاجره,؟
فقال:غرابٌ باغترابِ من النوى
وبالبان بين من حبيب نعاشره

وقال الأعشى:


ما تَعيفُ اليوم في الطير الرَّوَحُ
من غراب البين، أو تيس بَرَح

(الرَّوَح: اسم جمع لرائح، وقيل: هي روَحَه، مثل كفَرة، وفجَرة، فطرح الهاء، وهو ما يفعله المذيعون والمحاضرون اليوم، ونلحظ أن الرغبة في تحقيق المشاكلة دفعت الأعشى الى ان يجعل التيس من الطير، إذ تقدم ذكر الطير، مستعملا إياها بمعنى التطير.
وقال النابغة:


زعم البوارح أن رحلتنا غداً
وبذاك خبرنا الغرابُ الأسوَدُ

وقال عنترة:


ظعَنَ الذين فراقَهمُ أتوقّع
وجرى بينهمُ الغراب الأسودُ
حَرِقُ الجناح كأن لَحيَي رأسه
جَلَمان بالاخبار هشّ مولَع
فزجرتُه ألاّ يفرُّخ بيضُه
ابدا ويصبحَ خائفا يتفجّع
إن الذين نعبتَ لي بفراقهم
هم اسهروا ليلي التِّمامَ فأوجعوا

(ليلى التِّمام: الشديد الطول) فقال: (جرى بينهمُ الغرابُ) لما فيه من معنى الغربة، ولأنه ابقع، وقال: (حرِقُ الجناح) تطيّر أيضا، ثم جعل لحيي رأسه جلمين، والجلم يقطع، وجعله بالأخبار هشاً مولعا، وجعل نعيبه وشحيحِه كالخبر المفهوم, (الحيوان 3/442).
ولئن كان الغراب أكثر من جميع مايتطيّر به في باب الشؤم، ومثله البوم، فإن التطير قد يكون بغيرها أيضا، قال الشاعر:


نظرتُ واصحابي ببطن طويلعِ
ضُحياً وقد أفضَى إلى اللَّبَبِ الحبلُ
إلى ظبية تَعطوُ سَيالاً تَصوره
يجاذبُها الافنان ذو جددٍ، طفل
فقلتُ وعفتُ الحبلُ حَبلُ وصالها
تجذّذَ من سلماك، وانصرم الحبل
وقلتُ: سيالٌ، قد تسلتُ مودتي
تصور غصونا، صار جثمانها يعلو

(السّيال: كسحاب نوع من الشجر تحبه الظباء تَصُوره: تميله, الجد: الخطوط والعلامات).
والى اللقاء مع الشعراء في تطيراتهم.

أعلـىالصفحةرجوع


















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved