أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Tuesday 5th December,2000العدد:10295الطبعةالاولـيالثلاثاء 9 ,رمضان 1421

مقـالات

علامة الجزيرة في يوم تكريمه
أن يموت الكبراء في علمهم، أو في عملهم، في زهدهم أو في ورعهم، في بطولاتهم أو في إيثارهم، فذلك قدر لا مناص منه.
ولكن ان تنقطع العلائق بهم، وتنسى افضالهم، ويهمل إرثهم من علم أو مشاريع أو قيم معرفية أو سلوكية، فذلك تقصير لا يليق بمثلهم ممن نعموا في أفضالهم.
وبلادنا بقادتها ورجالاتها وشعبها الكريم حفية بالمنجزين على مختلف المستويات حريصة على إحياء ذكرهم، واجراء اعمالهم، واستعادة افضالهم، واستمرار عطائهم، وما من عالم يرحل إلا ويهب الأوفياء لإحياء ذكره واستمرار أثره، والبلاد تفقد بين الحين والآخر علماً من أعلامها، ثم يعود ذكراً بعد عين، والوفاء سمة خيرة ينطوي عليها قادة البلاد وأبناؤها، ويجد الجميع متعة في حضور الكفاءات الوطنية بعد أن واراهم الثرى.
لقد فقدت البلاد علامة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر رحمه الله بعد عمر مديد حافل بجلائل الأعمال، عاش حياته حضوراً فاعلاً، تمثل في السياحة العلمية، والتأليف المتخصص، والتحقيق الدقيق، والعمل التعليمي والقضائي والصحفي, أنشأ أول صحيفة في المنطقة الوسطى، ودأب على اصدار مجلة متخصصة، كان جوَّاب أرض ومنقباً حصيفاً في مكتبات العالم عن تراث أمته.
تعددت اهتماماته، وجاءت مشاريعه التاريخية والجغرافية وثائق اثبات لتفانيه واقتداره وتضحياته.
واهتمامه بالجزيرة العربية: تاريخها وجبالها وأوديتها وآثارها وقبائلها وأمثالها وعاداتها وما جرى عليها من أحداث وما انطوت عليه من بطولات، كان مضرب المثل، ومثار الاعجاب والاكبار، حتى لقد أثنى على تألقه وتفوقه واتساع معرفته كبار أعضاء المجمع اللغوي بالقاهرة من زملائه، حيث كان من أبرز أعضائه، والذين يجتمعون اليوم من الأوفياء بمعية صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز أمير منطقة الرياض، يضربون أروع الأمثال في رد الجميل ومعرفة الفضل لذويه، والفريق الناشط الذي يباركه ويدعمه أمير الرياض يؤسس لمشروع ثقافي، يحمل اسم علم من أعلام البلاد، نذر نفسه وجهده لخدمة أهله وعشيرته، وواجب المقتدرين: مادياً أو علمياً أو ادارياً أن يدعموا هذا المشروع الحضاري، ليكون معلماً من معالم البلاد ومؤسسة ثقافية تحتل موقعها إلى جانب المؤسسات العلمية والثقافية في المملكة.
والجاسر الذي فارقنا بعد انجازات علمية غفل عنها الأكثرون حقيق بالاستعادة على أي شكل، لقد كان تفرغه لمعارف نادرة واستعداده للتنقيب عنها وجهده الدؤوب وتقصيه الدقي ق جديراً بهذا التكريم، وأمير الرياض حين يتص در الأوفياء ويب ارك مشروعهم، لا يفي بحق الفقيد وحسب، وانما يعيد إلى الذاكرة منجزاً وطنياً من خلال استعادته لمن وراء هذا المنجز، ومن الخير ان تعي الناشئة هذا المنجز، فهو تاريخ آبائهم وأجدادهم، وهو ماضيهم القريب الذي وفر لهم الأمن والرخاء والاستقرار.
والجاسر ومن عاضده من العلماء والمؤرخين والموسوعيين نقبوا في البلاد وفي بطون الكتب، وفي ذاكرة الشيوخ، وساءلوا صناع التاريخ الحديث، وجمعوا مادة علمية لم تكن مجموعة من قبل، ووثقوها وأبرزوها، حتى لقد كانت تلك المادة ماثلة للعيان، بعد أن كانت شفهية تضيع بموت رواتها.
وتاريخ البلاد لا يقف عند الأحداث السياسية وحسب، والذين يختصرونه بالوقائع العسكرية والأحداث السياسية يضيقون واسعاً، ومن ثم فإن عالماً دؤوباً متمكناً مثل الجاسر تقصى الأحداث والاخبار جدير بالاكرام، وحقيق بانشاء مؤسسة ثقافية باسمه، لقد مر بالأحداث السياسية والوقائع العسكرية واشار إليها كأسباب وظروف، وامتدت مجهوداته إلى التاريخ الفكري والعلمي للجزيرة العربية، تقصى ما كتبه الرحالة الذين مروا بالبلاد ودونوا مشاهداتهم وانطباعاتهم وتعقبها بالتصحيح والتصويب واستدرك أوهامهم، وحرر مسائلهم، وحقق مخطوطاتهم، واختصر الكثير من أعمالهم لتسهيل الاطلاع عليها، كما ترجم للعلماء والمؤرخين، وأرخ للمدن والقبائل والأسر، وكتب عن الآثار والحصون والخيل، واصدر موسوعة جغرافية استقطب لها كفاءات علمية، ولقي الدعم والمؤازرة من قبل الدولة والمؤسسات العلمية، وما توقف عطاؤه: تأليفاً وتحقيقاً وسعياً وراء الأخبار، وتنقيباً في مكتبات العالم عن حدث أو حديث أو خبر أو كلمة حتى اللحظات الأخيرة من حياته.
والعلامة الذي تحتفي الرياض اليوم بمنجزه، وتؤسس لتخليد ذكره ترك للعلماء والباحثين أكثر من خمسين كتاباً ومئات البحوث والتحقيقات والمراجعات والتصحيحات، كما عرَّف بنوادر المخطوطات، وحدد أماكنها ووجه لتحقيقها ونشر بعضها، وساعد الباحثين والدارسين، وقدم خبرته ومعرفته لكل طالب علم, لقد زرته أكثر من مرة حين كنت أحضر لشهادة الماجستير واستفدت من علمه، وتعهدته بالزيارة، ولقيته في بعض المؤتمرات، قرأت له، ووقفت على بعض طرائفه في القراءة والتحقيق، وطبع نادي القصيم الأدبي واحداً من كتبه، وكنا على موعد معه في طباعة كتاب آخر، ولكن ريب المنون حال بيننا وبين ما نشتهي، ولعل فيمن سينهض بمهمة التأسيس لمشروعه ما يخلفه بالوفاء بوعده، والرياض التي تنهض لتكريمه سجل مآثرها في كتابه مدينة الرياض عبر أطوار التاريخ وهو جدير بتكريمها، وجديرة بأن تحتضن مركزه الثقافي الذي سيخلفه في مهماته وتطلعاته، يواصل عمله، ويرعى تراثه.
وهو حين خص الجزيرة العربية بجهود علمية موضوعية خص انسانها،فكتب في جمهرة الانساب والقبائل والأسر المتحضرة، وتقصى الطرق وحددها، واحصى المعادن واماكنها، والأمكنة والجبال والأودية وحدودها الواردة في الأخبار والأشعار, وهو إلى جانب ذلك لغوي بارع قرأ التاج قراءة نقدية، وألف كتاباً في نقده سماه نظرات وقد شهدته يغالب الطبعة الأولى القديمة من التاج في فندق السودة بأبها مع ما يعانيه من اعتلال في الصحة وتقدم في السن وضعف في النظر، حتى لقد أشفقت عليه، وعرفت انه يمارس عمله عن عشق، ولولا العشق لما أنجز ما أنجز, ولأن حياته حافلة بجلائل الأعمال، فقد فوت على محبيه كتابة سيرته الذاتية، وان ألمح إلى شيء منها في بعض خطراته مثل رحلات البحث عن التراث .
لقد رحل عنا تاركاً مشاريع علمية متعددة، ومشروعه العلمي يتمثل في المحاور التالية:
تاريخ الأماكن وأسماؤها في الجزيرة العربية.
جغرافية الجزيرة العربية.
الإنسان في الجزيرة العربية: قبيلة ونسباً وتاريخاً.
أدب الرحلات.
ومن حق الجزيرة علينا أن نصل ما انقطع، ونكمل المسيرة عبر فريق عمل متعدد التخصصات متوفر الامكانات.
لقد تجاوز الجاسر المبادرات الجزئية إلى المشاريع، والقليل من العلماء والادباء والمفكرين من تنبه لذلك، والأقل منهم من وجد في نفسه الكفاءة والقدرة فأسس لمشروع علمي أو أدبي أو فكري بذل من أجله الجهد والوقت والمال, وتاريخ الجزيرة العربية ومواقعها وآثارها ورجالاتها وأسرها وما تنطوي عليه من تراث عريق عميق كان الشغل الشاغل له، ودراساته وبحوثه ومؤلفاته ومكتشفاته بوحدتها وتجانسها ونسقها تمثل مشروعاً علمياً لا ينهض بمثله إلا ألو العزم والعلم والتجربة والخبرة، وقد كان رحمه الله أمة في رجل وفريقاً في انسان، والجاسر الذي ينهض طلابه ورفاق دربه وشركاؤه في الهم لتكريمه نال الكثير من الشهادات والأوسمة والجوائز والتقدير، كرمه مجلس التعاون وجامعة الملك سعود، ونال جائزة الملك فيصل العالمية، وجائزة سلطان العويس، وجائزة الكويت للتقدم العلمي، وكرمته الدولة واحتفت به ويسرت له الأجواء الملائمة لمواصلة العطاء، وتبادل مع قادتها الحب والإكبار، عرف لهم فضلهم وعرفوا له جهده.
والجاسر المحتفى به يمثل المثقف الشمولي، والعالم المتخصص، مارس القضاء، والتعليم، والعمل الصحفي، أنشأ المؤسسات الصحفية ودارات النشر، كتب المقالة بكل أنواعها منذ عام 1349ه ، واستهل التأليف عن سوق عكاظ عام 1950م، ومارس فيما بين ذلك التحقيق وضبط النصوص، فكان آية في الدقة والبراعة، وقام برحلات علمية للوقوف على الآثار في الأودية والجبال والشعاب، والوقوف على الوثائق والمخطوطات في المكتبات العالمية وقرأ كتب الرحلات، وبخاصة ما يتعلق منها برحلات الحج، ودون الملاحظات عليها، وقاد فريقاً من العلماء لإنجاز المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية ، وقد طبعت منه ثمانية معاجم تجاوز بعضها ستة مجلدات، وقد شد أزره في هذا المشروع ابن خميس والعبودي والعقيلي والزهراني، والجنيدل، ولما يكتمل المشروع بعد، ولعل فكرة المؤسسة المزمع انشاؤها وفاء له يتسع جهدها لاستكمال ما بدأه العلامة، فما أنجز من المعجم تقصى المدن والقرى والجبال والأودية والآثار، وأشار إلى ما جرى عليها من أحداث في القديم والحديث، وهو مشروع علمي موثق، والحاجة ملحة وقائمة لاستكماله، وإلى جانب هذا المشروع تأتي مجلة العرب وهي مجلة علمية تاريخية متخصصة، تعنى بالبحوث التاريخية والجغرافية المتعلقة بجزيرة العرب، ومن الخير ان يستمر صدورها، وان تحتفظ بمستواها ومادتها واهتمامها، مع اعادة طبع اعدادها وتجليدها وتوزيعها على مكتبات العالم للاستفادة منها.
وقد اعدت ادارة التكشيف والاستخلاص بمكتبة الملك فهد الوطنية دراسة لحياته مع ببليوجرافية شاملة لأعماله المنشورة، وصدر قبل خمس سنوات، واشتمل على أكثر من ألف ومائة وسبعة عشر عنواناً اشتملت على عناوين مقالاته ومحاضراته وكتبه ودراساته وتحقيقاته ومختصراته، استهله الدكتور يحيى محمود بن جنيد الساعاتي بترجمة مختصرة لحياته وأعماله، ومن الخير الانطلاق من هذا التكشيف لجمع تراثه ودراسته واعادته إلى المهتمين.
والنخبة الفكرية والثقافية التي تجتمع اليوم بدعم سخي من أمير الرياض لإنجاز مشروع ثقافي يتناسب ومكانة الجاسر ويرد له بعض حقه على أبنائه وطلابه ومحبيه من حقها على العلماء والمفكرين والأدباء ورجال الأعمال ورجالات الدولة ان يدعموها بالمال والخبرة والعمل، فالمؤسسة المرتقبة مشروع ثقافي ستكون لها عوائد علمية وثقافية، والبلاد بأمس الحاجة إلى تعدد المؤسسات العلمية والثقافية.
والله المسؤول ان ينفع الأمة بجهد ابنائها، وأن يجعل عملهم خالصاً لوجهه محققاً مراده لهذه الأمة التي كرمها بأن جعلها خير أمة أخرجت للناس.
د, حسن بن فهد الهويمل

أعلـىالصفحةرجوع


















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved