أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Friday 29th December,2000العدد:10319الطبعةالاولـيالجمعة 3 ,شوال 1421

مقـالات

الصداقة بين عصرين
أ,د, عبدالرحمن بن سعود بن ناصر الهواوي*
ورد في لسان العرب لابن منظور: الصدق: نقيض الكذب, ومن أمثالهم أمثال العرب : الصدق ينبئ عنك لا الوعيد, والصديق: المصدق والصديق: المصادق لك.
ويقال: فلان صديقي، أي اخص أصدقائي، وإنما يصغر على وجه المدح، والصداقة والمصادقة: المخالة وصدق النصيحة والإخاء, وصادقته مصادقة وصداقاً: خاللته، وجمعها خلال, والخلة: الصداقة المختصة التي ليس فيها خلل، وجمعها خلال, والخلال والمخالة: الصداقة، والخل: الود والصديق، والخليل: الصديق، والود: مصدر المودة.
قال ابن سيدة: الود الحب يكون في جمع مداخل الخير، والتجمل: تكلف الجميل، والمجاملة: المعاملة بالجميل والمجامل: الذي يقدر على جوابك فيتركه ابقاء على مودتك، والمجامل: الذي لا يقدر على جوابك فيتركه ويحقد عليك إلى وقت ما، والإلف: الذي تألفه، والإلف: الأليف، يقال: حنت الإلف إلى الإلف، والرضا: ضد السخط، والحب: نقيض البغض، والحب: الوداد والمحبة, والشك: نقيض اليقين، وجمعه شكوك.
العلاقات الاجتماعية والانسانية مهمة جداً بين الناس، ومن أهم هذه العلاقات ما نسميه بالصداقة، وقد تكون الصداقة والمحبة والود بين شخصين لفترة محدودة شخصين لفترة محدودة تتداخل فيها المصالح والرغبات، والأهداف، فإذا ما انتفت هذه الأهداف فقد ينصرم عقد الصداقة، وهذا مما يجعل ا حتمالاً أحد الطرفين الصادق في صداقته يشعر بالحزن والأسى والألم، عندما يكتشف حقيقة صاحبه، وهذا ما نراه في عصرنا الحاضر حيث تلعب المصالح والوصولية والانتفاع ، وحب المظاهر أدواراً مهمة في ماهية الصداقة وأهدافها، ويبدو أن ما يعانيه الإنسان أو بعض الناس في عصرنا من هذه الناحية، ما هو إلا ظاهرة انسانية متأصلة في حياة البشر عل مر العصور, وهنا نحاول أن نتتبع وجهة نظر ومفهوم شاعر العربية الفذ المتنبي في الصداقة بين أناس عصره الذي يسبق عصرنا بمئات السنين ونقارنه فيما هو حادث في عصرنا الحاضر، وهل ما كان ينطبق على بعض أناس عصر الشاعر ينطبق على بعض أناس عصرنا؟
قال أبو الطيب المتنبي في قصيدة يعاتب بها صديقه ؟ سيف الدولة:
1- شر البلاد بلاد لا صديق بها
وشر ما يكسب الإنسان ما يصم
يقول العكبري في شرح هذا البيت: يصم: يعيب, والوصم: العيب, وجمعه: وصوم والوصم: الصدع في العود من غير بينونة, والمعنى: يقول: شر البلاد بلاد لا يوجد فيها من يؤنس بوده، ويسكن إلى كريم فعله، وشر ماكسبه الإنسان ما عابه وأذله,وقال المتنبي في قصيدة يمدح بها محمد بن سيار بن مكرم التميمي:
2- ومن نكد الدنيا على الحرِّ أن يرى
عدوًّا له ما من صداقته بُدُّ
يقول العكبري عن هذا البيت: المعنى: يقول: من نكد الدنيا، وقلة خيرها ان الحر يحتاج فيها إلى اظهار صداقة عدوه ليأمن شره، وهو يعلم أنه عدوه، وهو لا يجد بداً من أن يريه الصداقة من نفسه، دفعاً لغائلة، وأراد ما من مداجاته مخادعته ، ولكنه سمى المداجاة لما كانت في صورة الصداقة، ولما كان الناس يحسبونها صداقة.
وقال الشاعر في قصيدة يمدح بها كافورا:


3- كفى بك داء ان ترى الموت شافياً
وحسب المنايا ان يكنًّ أمانيا
4- تمنَّيتَها لما تمنَّيت ان ترى
صديقاً فأعياً أو عَدُواً مداجيا

يقول العكبري عن البيت الثالث: المعنى: كفاك داء رؤيتك الموت شفاء أي اذا افضت بك الحال إلى أن تتمنى المنايا، فذلك غاية الشدة، وان داء شفاؤه الموت، أقصى الأدواء، وان المنية اذا صارت أمنية فهي غاية البلية, والمعنى: كفاك من أذية الزمان ما تتمنى معه الموت، ويقول العكبري عن البيت الرابع: أعيا: صعب وعز والمداجي: المساتر للعداوة، وهو من الدجى، وهي الظلمة والمعنى: يقول: تمنيت الموت لما طلبت صديقاً مصافياً فأعجزك، أو عدواً ساتراً للعداوة، وعند عدم الصديق المصافي، والعدو الموافق، يتمنى المرء المنية قال الواحدي: هذا تفسير الداء المذكور في البيت, الثالث .
لقد بين أبو الطيب المتنبي في بيته الأول من أبياته الأربعة السابقة ان الإنسان قد يصيبه الاحباط، وتضيق به الدنيا بما رحبت عندما لا يجد ممن حوله من الناس من يركن إليه ويشعر بصدق صداقته ومودته له، ويصاب المرء الحر المثالي ؟ بالنكد والنفص والحزن عندما تضطره الحال ان يبدي صداقته ومودته لشخص يعرف تمام المعرفة كما يقول الشاعر في بيته الثاني مقته وعداوته له, وهذا مما قد نراه في بعض الناس في حياتنا المعاصرة، إما لخوف من ذلك الشخص أو هدف لتحقيق مصلحة معينة أو درء لزوال نعمة، ويوضح شاعرنا المتنبي في بيته الثالث والرابع ان افتقار المرء لصديق صادق صدوق مخلص، ومصادقته رغم انفه لعدو ساتر لعداوته وهو يحس فيها قد يصبح الموت عنده أمنية، ونحن نسمع في عصرنا الحاضر عن ازدياد ظاهرة الانتحار بين الناس حتى في دول متمسكة بعقيدتها وبروابطها العائلية والاجتماعية ؟ والتي ربما يكون من أحد أسبابها انعزال الفرد عن محيطه، وتقوقعه على ذاته، وعدم وجود من يؤانسه ويصادقه ويصدق معه,وقال أبو الطيب في قصيدة يمدح بها سيف الدولة، ويذكر ايقاعه بقبائل العرب:


1- وما بَلَدُ الإنسان غير الموافق
ولاهله الأدنون غير الأصادق
2- وجائزة دعوى المحبة والهوى
وان كان لا يخفى كلام المنافق

يقول العكبري في شرح البيت الأول: الأصادق: جمع صديق، وهم الذين يصدقون الود، وفسره الواحدي بالأصدقاء، والأدنون: الأقربون والمعنى: يقول هذا حاثاً على التغرب؟ وترك حب الأوطان، وان كل بلد وافقك فهو بلدك، وكل أهل ود أصفوك ودهم أهلك، فما بلد الإنسان إلا الذي يوافقه، ويساعده على الظفر بجملة مقاصده والأدنون من أهله: اللاصقون به من قرابته الذين يصفونه ودهم، والأحبة: الذين لا يؤخرون عنه فضلهم ويقول العكبري عن البيت الآخر: المنافق: الذي يظهر خلاف ما يعتقده، والمعنى: يقول: يجوز ان يدعي المحبة من لا يعتقدها، ويظاهر بها من لا يلتزمها، ولكن المنافق لا يخفي اضطراب لفظه، وهذا اشارة إلى أن شكره لسيف الدولة ليس كشكر من يتصنع له، ولا يخلص له حقيقة وده.
يقول شاعرنا أبو الطيب المتنبي في بيتيه السابقين: بلد الانسان هو البلد الذي يشعر به بالكرامة والعز والراحة النفسية، والصديق الوفي المخلص في صداقته الخالص في محبته خير من القريب اللاصق بقرابته اذا لم يكن صادقاً في وده ومحبته، وقد ينخدع بعض الناس بأشخاص يظهرون الصداقة والمحبة والمودة، ولكنهم منافقون غير صادقين في ذلك,, وهذا ما نراه في عصرنا الحاضر، فقد يكون الأخ الشقيق أو ابن العم القريب مخادعاً ومنافقاً في حبه ومودته وصداقته لغرض من الأغراض، أو للحصول على منفعة معينة، وعندما ينتفي ذلك يظهر منه الجفاء ومحاولة الابتعاد، فما بالك بالناس الآخرين، وقد ينخدع بعض الناس بسلوك غيره من الناس لفترة قد تطول أو تقصر، ولكن الزمن يكون بالمرصاد لكشف الحقيقة المرة, يقول نافع 1403ه 1983م يرى المتنبي في الأخلاق العالية الدعامة الأساسية للصدق، وان الحكم الأول والأخير على هذا الصديق يعود إليها, وان هذه الأخلاق ينبغي أن تكون طبعاً له، لا يتكلفها، فإن المرء يستطيع ان يدعي المودة والحب والهوى، ولكنه اذا كان منافقاً فلابد للأيام ان تفصحه, لقد أشار شاعرنا في بيته الأول من بيتيه السابقين إلى ظاهرة الانعزال وهي سلوك قد يقوم به الشخص عندما يكتشف حقيقة علاقته بالناس الآخرين وحتى بأقرب أقربائه فيلجأ إلى وسيلة الابتعاد والتغرب، أو إلى الانعزال والتفرد عن الناس، وتعرف الموسوعة الأمريكية 1985م الشخص المنعزل بانه ذلك الإنسان الذي يعيش حياة منعزلة عن الاتصال الاجتماعي مع الآخرين وقد ينعزل الإنسان لعدة أسباب، فهو يمكن انه يريد تجنب ما يراه في المجتمع من حوله من سوء أخلاق وغيرها، أو أنه يعتقد انه يحمي نفسه منهم بعيشه المنفرد، وقد ينعزل ليعطي نفسه الفرصة للتفكير والتأمل,, لقد سمعنا ولا نزال نسمع في عصرنا الحاضر انعزال أشخاص أصحاب فكر وعلم وأدب بسبب ما لا حظوه في مجتمعاتهم من فساد أخلاق.
وقال شاعرنا المتنبي في قصيدة يمدح بها سيف الدولة:


1- إذا ما الناس جر بهم لبيب
فإني قد أكلتهم وذاقا
2- فلم أر ودهم إلا خداعا
ولم أر دينهم إلا نفاقا

يقول العكبري في شرح البيت الأول: المعنى: يقول: معرفتي الناس، أكثر من معرفة اللبيب المجرب، لأني آكل وهو ذائق، والذائق ليس في المعرفة كالآكل، لأن الآكل أتم معرفة من الذائق، وذلك لتمكين في اختبارهم واحاطتي بمعرفتهم، ويقول العكبري عن البيت الآخر: المعنى: يقول: لم أر ما يتجاورون فيه من الود إلا الخداع والمكاذبة، وما يبدونه من الدين إلا نفاقاً.
لقد أشار شاعرنا المتنبي في بيته هذين إلى سلوكين متعارضين ومتباينين في بعض الأشخاص، فقد يظهر شخص لشخص آخر الود والمحبة والصداقة، ولكنه يضمر عكسها، كما انك قد تجد بعض الأفراد يظهر الورع والتدين، وهو في حقيقة أمره ما هو إلا منافق ومخادع لأسباب معينة عنده، وهذا ما نشاهده في عصرنا الحاضر في عديد من الناس، فقد تجد هذا التباين في السلوك عند اخيك، أو جارك، أو زميلك في عملك,,!!وقال الشاعر في قصيدة يمدح بها كافوراً:


1- أَقِل اشتياقاً أيها القلب ربما
رأيتك تصفي الوُدَّ من ليس جازيا
2- خلقتُ ألوفاً لو رَحَلتُ إلى الصبا
لفارقت شيبي موجع القلب باكيا

يقول العكبري عن البيت الأول: الود: المحبة، وتصفي: تخلص والمعنى: يقول لقلبه: لا تشتق إلى من لا يشتاق إليك فإنك تحب من لا يجازيك بالمحبة,, ويقول العكبري عن البيت الآخر: المعنى: قال أبو الفتح: هذا شرح لما قبله، ودليل على أنه فارق سيف الدولة ذاماً، لأنه جعله كالشيب، أي لو فارقت الشيب الذميم برحيلي الى الصبا، وهو خير حياة الإنسان، لكان ذلك الفراق موجعاً لقلبي، مبكياً لعيني، وقال الواحدي: هذا البيت رأس في صحة الإلف، وذلك ان كل أحد يتمنى مفارقة الشيب، وهو يقول: لو فارقني شيبي إلى الصبا، لبكيت عليه لإلفي إياه، لأني خلقت ألوفا,هذه هي مشكلة المتنبي في عصره، فلا دخل لعصرنا فيها، لأن أغلب الناس في عصرنا لا يعرفون للإلفة والمودة والمحبة والاخلاص سبيلاً أو طريقاً إلى قلوبهم، وأخلوا من قواميسهم هذه الكلمات الجوفاء، فهذه الكلمات ما هي إلا كحصان طروادة تستخدم لاغراض ومآرب معينة، فأناس عصرا وربما أغلب الناس في عصر الشاعر عندما قرؤوا أو يقرؤون بيتي شاعرنا السابقين لانطلقت حناجرهم بأصوات القهقهة والضحك والاستهجان تسفيها لرأي شاعرنا.
وقال أبو الطيب في قصيدة يمدح بها سيف الدولة:


1- غَيرِي بأكثر هذا الناس ينخدع
إنَ قاتلوا جَبُنُوا أو حدَّثوا شجعوا
2- أهل الحفيظة إلا أن تجربهم
وفي التجارب بعد الغي ما يزع

يقول العكبري عن البيت الأول: الخداع: الغرور، وأصله من خدع الضب في حجره: اذا دخل فيه، والخداع: ان يتمكن الكلام الباطل في قلب مستمعيه فينخدع، والاسم: الخديعة، والخدعة، والمعنى: لا أعتقد في هؤلاء الناس الخير، ولكن غيري ممن يجهل أمرهم يغتر بقولهم، فينخدع به، لأنهم اذا قاتلوا جبنوا، واذا حدثوا اظهروا الشجاعة، أي أن شجاعتهم القول لا بالفعل، ويقول العكبري عن البيت الآخر: الحفيظة: الحمية والأنفة, والغي: الفساد، ويزع: يكف، والمعنى: يقول: هم أهل الحفيظة غير مجربين، فإذا جربتهم لم ترهم كذلك، وفي تجربتهم ما يكف عن مخالطتهم.
يعرف بعض من الناس في عصرنا الحاضر أن أغلب من يتعاملون معهم من الناس مبنية حياتهم وسلوكياتهم على الغش والخداع والكلام المنمق والتظاهر بالمثل والأخلاق الرفيعة، ولكنهم في الحقيقة يظهرون ما لا يبطنون، ويقولون ويعدون ولا يفعلون، ويبدون المحبة والصداقة,, و,, ويبطنون الكره والبغضاء والحسد، ومع معرفة الإنسان لحقيقتهم، فليس له لا حول ولا قوة، ولا شجاعة لنبذهم والابتعاد عنهم لتداخل المصالح المعيشية في زمننا المعاصر,, وقال المتنبي في قصيدة يذكر فيها مسيره من مصر ويرثي فاتكاً؟


1- وكُن على حذر للنَّاس تستره
ولا يغرَّك منهم ثَغرُ مبتسم
2- غاض الوفاءُ فما تلقاه في عِدَةٍ
وأعوز الصدق في الإخبار والقسم

يقول العكبري عن البيت الأول: المعنى: يقول: احذر الناس، واستر حذرك منهم، ولا تغتر بابتسامهم إليك، فإن خدعهم في صدورهم، فهم يضمرون في قلوبهم ما لا يبدون لك من المكر، وهذا من قول الحكيم: الحيوان كله متغلب، وليس من السياسة شكوى بعض إلى بعض، ويقول العكبري عن البيت الآخر: المعنى: نقص الوفاء، فما تراه في عدة وعد ، يعني اذا وعدك أحد بشيء فما يصدق فيه، وإذا حلف لم يصدق.
نحس ونحن نقرأ بيتي شاعرنا المتنبي هذين وكأنه يعيش بيننا في عصرنا الحاضر، فكم وكم من انسان في عصرنا الحالي يبتسم لانسان آخر ابتسامات عريضة، وخلف هذه الابتسامات يخفي حقده وغله ومكره عليه، وقد يحلف ويقسم بأغلظ الألفاظ بأن يفعل له كذا وكذا، ويعده بهذا وذاك، وهو غير صادق أو مخلص في قوله، وهذا ضرب من ضروب الرياء والمخادعة، والرياء كما عرفه علم النفس الحديث حالة مرضية، حيث يقوم الإنسان المرائي بأفعال ظاهرة للعيان، ولكنها تعاكس ما يبطنه، ولذلك قيل: الرياء يلبس الرذيلة ثوب الفضيلة، ولو عدنا مرة أخرى إلى بيتي شاعرنا السابقين نجده يقول: لا يغرك منهم من الناس ثغر فم مبتسم، وهنا فقد لمح الشاعر أنه ربما يكون خلف الابتسامة السم الزعاف,, أما الكذب كما يعرفه علم النفس سلوك يقوم به الفرد متعمداً مع علمه بعدم صحة قوله,وقال الشاعر في قصيدة يذكر بها حماه التي كانت تغشاه بمصر:


1- فلما صار وُدُّ الناس خِباً
جزيت على ابتسام بابتسام
2- وصرت أشك فيمن أصطفيه
لعلمي انه بعض الأنام
3- يحب العاقلون على التصافي
وحب الجاهلين على الوسام

يقول العكبري في شرح البيت الأول: الخب: المكر, والود: الحب والصداقة والمعنى: يقول: لما صار ود الناس غير صادق، صرت كأحدهم ، أفعل بهم كما يفعلون، فإذا ابتسموا إلي، تبسمت لهم، ويقول العكبري عن البيت الثاني: المعنى يقول: لم أكن على ثقة من مودة من أوده، لعلمي انه من جملة الناس يريد: لعموم فساد الخلق كلهم، إذا اخترت أحداً للمودة لم أثق بمودته، ويقول العكبري عن البيت الثالث: الوسام والوسامة: الحسن, والمعنى: يقول: العاقل انما يحب من يحبه على صفاء الود، فمن اصفى له الود أحبه، والجاهل يحب على جمال الصورة، وذلك حب الجهال، لأنه ليس كل جميل المنظر يستحق المحبة، كخضراء الدمن: رائق اللون، وبيّ المذاق.
نعتقد ان بعض الأشخاص في عصرنا الحاضر وخصوصاً في عصرته تجاربه مع الناس يتبع في علاقته مع بعض الأفراد ما فعله شاعرنا مع الماكرين والمخادعين في عصره كما بين في بيته الثاني فإذا تبسم أو ضحك له شخص ماكر مخادع رد عليه ابتسامة بابتسامة، وضحكة بضحكة، ولتفشي هذه الظاهرة في عصرنا يشك بعض الناس حتى بصدق أقرب الناس إليه، وقد يقوم بعض ممن لم تحكه التجارب مع الناس بإظهار المودة والصداقة لشخص معين لجمال صورته، أو لمكانته الاجتماعية أو حتى لاسمه ومركزه,, أما العاقل المجرب فهو يحب ويصادق على صفاء الود والصدق والمحبة إن وجدها في الطرف الآخر؟ , يقول السيوفي 1980م في تعليق له على الأبيات السابقة: بعد أن عرف المتنبي في حلب قوة الطموح، وروعة الحلم، ونشوة التحقيق إذا به هنا في مصر وقدوهم ان الحال قد تتغير يصطدم بهذا الواقع المرير فالخداع صار هو الغالب، والمظاهر الفارغة الخلب التي سلبت من الأبصار دهشتها حتى احالتها جوفاء فارغة متحجرة، قد صارت هي المقياس والأفق,, لقد ذهب الود وصار ماضياً وحل مكانه الخب الدخيل, وإذا بسمة الطهارة تفقد عذريتها لتسجيل قناع من الرياء الكاذب, وحار الشاعر كيف يداوي ذلك,, هو الذي ما اعتاد غير الصدق والصراحة والإخلاص، وما كان منه إلا ان قابل ابتسامة عصره بابتسامة الرثاء والحسرة والاشفاق فاليأس,, لقد تأكد المتنبي مما يقوله بعد طول اختبار وتجربة, وقال أبو الطيب في قصيدة يمدح بها سيف الدولة:


ما الخل الا من اود بقلبه
وأرى بطرف لا يرى بسوائه

يقول العكبري في شرح هذا البيت: الخل: الصديق، وهو الخليل ايضا والمعنى: قال ابو الفتح: يقول : ليس لك خليل الا نفسك, قال: ويجوز ان يكون المعنى: ما الخل الا من لا فرق بيني وبينه فاذا وددت فكأني احب بقلبه، واذا نظرت فكأني أنظر بطرفه.
والمعنى: خليلك من وافقك في كل شيء، فيود ما وددت ويرى ما ترى وقال ابن القطاع: ما خليل الا الذي يبالغ في المودة، فكأنه يود بقلبي.
لقد بين أبو الطيب في بيته هذا من من الناس الذي تنطبق عليه الشروط والمواصفات بان يكون خلا وصديقا,, ونعتقد ان ما قاله شاعرنا يعد من ثالث المستحيلات الخل الوفي بأن تجد في عصرنا الراهن خلا وفيا صادقاً ولا في عصر شاعرنا ولا في العصور التي سبقته ولا بالعصور التي تلته، والأدهى ان عصرنا عصر اختلطت فيه المفاهيم والقيم ولم يعد يعرف فيه من هو الحابل ومن هو النابل؟
وقال المتنبي في قصيدة يمدح بها عضد الدولة:


1- وفي الأحباب مختص بوجدٍ
وآخر يدَّعي معه اشتراكا
2- اذا اشتبهت دموع في خدود
تبيَّن من بكى مِمّنَ تباكى

يقول العكبري عن البيت الاول: المعنى: يقول: وفي الأحبة من وجده صحيح لا دعوى، ومنهم من يدعي المحبة وليس هو من اهلها وليس لدعواه حقيقة او المعنى: انه صحيح الود ليس كمن يدعي الوداد من غير حقيقة، او لست ممن يدعي محبتك الممدوح ويظهر غير ذلك، لأن ما اشتهر فيك من صحيح المدح يدل على اني صحيح الود، غير مداج في موالاتك.
لقد بين شاعرنا المتنبي في بيتيه هذين ان بعض الصداقات واظهار الود والمحبة هي في حقيقتها صادقة، ولكن قد ينخدع المرء بالظاهر فعليه ان يتحرى ويتبين من بكى صادقاً ومن تباكى، ومن يظهر المحبة ويدعيها صدقا ومن يدعيها كذبا,, وهذا التبين نعتقد انه مستحيل في عصرنا لانه على الأقل اعجز الناس في العصور التي قبلنا.
وقال الشاعر في قصيدة يمدح بها بدر بن عمار:


1- إذا صديق نكرت جانبه
لم تعيني في فراقه الحيل
2- في سعة الخافقين مضطرب
وفي بلادٍ من اختها بدل

يقول العكبري عن البيت الاول: نكرت وانكرت: لغتان وعييت بأمري: اذا لم اهتد اليه واعياني هو, المعنى: يقول: اذا تغير عليَّ صديق وحال عن ودي وانكرت احواله لم تعجزني الحيلة في فراقه بل افارقه ولم اقم عليه ويقول العكبري عن البيت الآخر الخافقين: الشرق والغرب لان الريح تخفق فيهما والمضطرب موضع الاضطراب وهو الذهاب والمجيء, والمعنى: يقول : البلاد كثيرة، والارض واسعة فاذا لم يطب موضع كان لي غيره بدلا.
لقد وضح ابو الطيب في بيتيه السابقين الحل عندما يكتشف المرء تبدل وتغير احوال من يحبه ويوده ويصادقه فما عليه الا ان يتجنبه ويرحل عنه,, وهذا ما فعله الشاعر في عصره حيث امتطى ظهر جواده وفر,, اما في عصرنا فماذا نركب؟ وكيف نرحل، والناس هم الناس في كل مكان,, فما علينا الا المخاتلة والمخادعة.
وقال ابو الطيب المتنبي في قصيدة يمدح بها سيف الدولة:


1- رضاك رضاي الذي أوثر
وسِرُّك سري فما أظهر
2- كفتك المروءة ما تتقي
وآمنك الوُدُّ ما تحذر
3- وسركم في الحشا ميِّت
اذا أنشر لا ينشر

يقول العكبري في شرح البيت الأول: سرنا واحد، فما اظهر منه واذا رضيت امرا فهو رضاي، وكذا اذا شخطته سخطته ويقول العكبري عن البيت الثاني: المعنى: يريد اني ذو مروءة ومحبة خالصة فلا افشي سرك ويقول العكبري عن البيت الثالث نشر الله الموتى وانشرهم فنشروهم، وكله في الأحياء, والمعنى: يقول: السر لشدة اخفائه في قلبي هو ميت اماتة لا يحيا بعدها.
لقد حدد أبو الطيب في أبياته هذه ما يجب ان تكون عليه الصداقة والمحبة بين شخصين من حفظ للمودة وللسر ولكن وبالرغم من قوله هذا فقد انصرفت عرى الصداقة والمحبة والود وكتمان الأسرار بينه وبين صاحبه سيف الدولة، وهذا لم يترك لنا مجالا الا القول عما يسمى بالصداقة والود والمحبة في عصرنا الحاضر ماهي الا كلمات جوفاء ليس لها معنى وهي ضروب من الرياء وخاتمة قولنا في هذا الصدد هو قول شاعرنا حيث يقول في قصيدة يمدح بها المغيث بن علي العجلي:


خليلك انت لا منِ قلت خِلي
وان كثر التَّجَمُّل والكلام

يقول العكبري عن هذا البيت: الخليل: الصديق, والأنثى خليلة, والخليل أيضا : الفقير المختل الحال, والمعنى: يقول: ليس لأحد صديق الا نفسه في الحقيقة، وليس من تقول هو: خليلي خليلا لك وان كثر تملقه ولان لك قوله.

أعلـىالصفحةرجوع

















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved