أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Wednesday 10th January,2001 العدد:10331الطبعةالاولـي الاربعاء 15 ,شوال 1421

مقـالات

منعطفات
د, أبو شلاخ,, ومستر سيكل!
د, فهد سعود اليحيا
دوماً كنتُ أعجب لمَ لا يكتب معالي الدكتور (لن أستخدم كلمة معالي بعد الآن في هذه المقالة، لذا جرى التنويه) غازي القصيبي للسينما أو التلفزيون, فمعظم رواياته عبارة عن صور متحركة ناطقة متتابعة, كان هذا انطباعي منذ أن قرأت شقة الحرية , ولما قرأت انها ستتحول إلى مسلسل تلفزيوني، توقعت وتمنيتُ أن يقوم هو بكتابة السيناريو والحوار، وهذا ما لم يحدث, فجاء المسلسل، من وجهة نظري، بعيداً عن روح الرواية ومضمونها بل وشكلها, ولم أعجب حين قال الدكتور القصيبي انه حتى لم يطلع على السيناريو، بل أنه أعاده مغلفاً إلى الجهة المنتجة كما وصله, فهذه الخطوة تنم عن احترام وذكاء كبيرين, الاحترام للعمل الفني ولدور السيناريست من قبل الدكتور القصيبي، لأن كتابة السيناريو عملية إبداعية مستقلة بحد ذاتها، كما أن إخراج ذلك السيناريو عملية إبداعية أخرى.
ولذا يكون من الخطأ البالغ الحكم على رواية أو قصة من خلال عمل درامي بني على أي منهما, أما الذكاء، فهو لكي يؤكد الدكتور القصيبي على عملية الفصل هذه، فلا يكون مسؤولاً من قريب أو بعيد عن المسلسل المستقى من روايته.
وقد زادت قناعتي بأن الدكتور القصيبي مشروع مفتوح لسيناريست من الطراز الأول بعد أن قرأت روايته الأخيرة أبو شلاخ البرمائي التي تصلح بشكلها الحالي لأن تكون معالجة (إحدى مراحل السيناريو) درامية بحد ذاتها, بل لا أبالغ أنها لو تحولت للسينما لأضحت مثل بعض أفلام المخرج والسيناريست والممثل العبقري الأمريكي وودي آلان المعروف بانه رائد الكوميديا الراقية أو الكوميديا المثقفة, ففي كثير من أفلامه يعتمد وودي على السرد الروائي إما عن طريق راو، أو معلق، أو حوار بين شخصين، وعادة ما يكون البطل والمحلل النفسي, يتم ذلك دون الوقوع في شرك السردية أو المباشرة وينتقل بين مشاهد متباينة الزمان والمكان, تماماً كما يحدث في أبو شلاخ حيث تعرض الأحداث ضمن حوار بين توفيق ويعقوب الملقب بأبي شلاخ.
تهيئك الرواية من عنوانها لما أنت مقدم عليه من أحداث, وعند شرائك لها (كما يتمنى الدكتور القصيبي) أو عند قراءتك لها (كما أتمنى أنا ) فإنك ستوقع على عقد غير منظور بأنك ستضع المنطق الرياضي جانباً، ومعه الزمان والجغرافيا، إذ أنت أمام سيرة رجل ضالع بالشلخ بأنواعه البرية والمائية والهوائية, مما يجعلها لو لبسنا مسوح النقاد أقرب إلى الأسلوب الغرائبي أو الواقعية السحرية (وهذه كلمات رنانة حلوة الجرس لا أعرف معناها، ولكني أتشدق بها علني أنضم إلى زمرة المثقفين), وسأترك للمثقفين النقاش واللغط على صحة تسميتها بالرواية أم أنها فن آخر من فنون الكتابة، فهي في نظري أقرب للسيناريو أو المسرحية لكثرة الحوار فيها، بيد أن ما يهمني هو أسلوب الدكتور غازي ولعل أفضل وصف موجز له ما يقوله الدكتور عبدالله الغذامي بأنه يتوسل خطاب السخرية، والتعرية الثقافية الساخرة , وفي أبو شلاخ يعري القصيبي الكثير من جوانب ثقافتنا الاجتماعية وممارستنا اليومية، بل لا أبالغ إذا قلت أنه يهز بعض قناعاتنا الاجتماعية، ويزيح الأقنعة عن وجه المجتمع.
تبدأ الرواية بمداعبة لعثمان العمير، رئيس التحرير السابق للشرق الأوسط لكن الاحداث تبدأ بولادة يعقوب المتعسرة والإعجازية في آن واحد في إحدى قرى الهفوف كما يتبين لاحقا من قراءة الرواية, ثم يأخذك الدكتور غازي في رحلات متعاقبة متداخلة في الزمان والمكان في عالم الجن البرية وعالم الجن البحرية (لا أدري لماذا ذكرتني هذه الأوصاف بالمماليك البرجية والمماليك البحرية في مصر) وثورة الزنج إلى العمل في شركة أرامكو التي يعكس حروفها في الرواية لتغدوا شركة وكمارا وشق طريق أنبوب التابلاين العملاق ثم لقاءه ب روزفلت و هتلر وزعماء الحرب العالمية الثانية ورؤساء أمريكا على التوالي، و شي جيفارا و ماو تسي تونج و هو شي مينه بل ويعطي منصب رئاسة شركة أرامكو لجون كنيدي قبل أن يغدو رئيسا لأمريكا, ويقابل الرئيس عبدالناصر عبر الصحفي المصري اللامع سيكل الذي يصفه بأنه أبو شلاخ مصري.
طبقاً لأبو شلاخ كان سيكل محررا ثم رئيسا لتحرير مجلة آخر دقيقة وأخيرا رئيسا لتحرير جريدة الفهام وكاتباً لمقالة أسبوعية شهيرة بعنوان بوكاحة (هذه الأسماء المواربة هي على التوالي: آخر ساعة، الأهرام، بصراحة) وبهذا يكون الدكتور القصيبي من المفكرين العرب القلائل الذين يعبرون بصراحة عن شكوكهم حول ذلك الصحفي الشهير الذي سيبقى لغزا من ألغاز الحقبة الناصرية, وقد جعلني أبو شلاخ أعيد قراءة كتاب كم عمر الغضب؟ للدكتور فؤاد زكريا , الذي كتبه تعقيباً وتعليقاً على كتاب خريف الغضب ل محمد حسنين هيكل , وحاولت دون جدوى أن أتذكر اسم المفكر العربي وقد يكون أحمد بهاء الدين الذي كان يقول بأن هناك ثلاثة ألغاز في حياة عبدالناصر هي علاقات عبدالناصر بكل من المشير عبدالحكيم عامر، ومحمد حسنين هيكل، ومحمد أنور السادات .
عندما تقرأ الرواية عزيزي القارئ قد تقول هه! أي شخص يستطيع كتابة مثل هذا الكلام أو لماذا لم أكتب مثله أو يداخلك الوهم بأنك ستكتب على غراره, ولكني ألفت انتباهك إلى أن أسلوب الدكتور غازي ذو منعة، بالرغم من بساطته الشديدة، وسلاسته اللامتناهية, انظر إلى كتابه حياة في الإدارة الذي يروي فيه الدكتور القصيبي تجربته الإدارية وقارنه بأي مذكرات أو يوميات قرأتها لترى ماذا أقصد,.
عرفنا الدكتور القصيبي شاعراً فصيحاً ولكنه يقدم الوجه الشعري الآخر حيث تشيع بين أرجاء الرواية أبيات الشعر الشعبي أو العامي مثل:


ذا مصح يا الربع,, وألا عذاب؟
جعت جوع القملة في ديار الصلع
أكلهم ما يشتهيه حتى الذباب
واقف بالحلق ,, شوكه,, ما انبلع
الهوى سلطان تخضع له القلوب
والهوى لما خبط قلبي,, انشلع
يا لطيفة! لولا إن الهوى صاب
ما رضيت هذا الغثا,, بعد الدلع

بالرغم من أن الرواية مكتوبة بالفصحى المبسطة, كذلك الحوار مكتوب بالعامية ويقترب أحياناً من البدوية (قالت: مشينا قلت: وين نبي؟ قالت: ننطح أبوي ) ويمتلئ بالأمثال الشعبية, وأترك القارئ الكريم مع هذا المشهد (أو الفقرة من الرواية) الذي يجمع بين أبو شلاخ و جيفارا و هو شيء منه وابنته شنشن :
قالت: يا أخ شي! أنت شاب مزيون حليوة تهيم بك النساء عشقاً, لماذا لا تترك معاداة الأمريكان وتستمتع بشبابك؟ , قال :مقاومة الأمريكان قدري , قالت شنشن :عيناك قدري قال العم هو :انطمي , انطمت.
فاكس: 4782781
fahads@suhuf.net.sa

أعلـىالصفحةرجوع


















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved