أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Monday 22nd January,2001 العدد:10343الطبعةالاولـي الأثنين 27 ,شوال 1421

مقـالات

من وراء القضبان
د, يوسف بن أحمد العثيمين
عندما قررت الدولة قبل (26) عاماً إنشاء مؤسسات اجتماعية لرعاية النساء المنحرفات، وتدريبهن على بعض المهن، وتقويم نفوسهن بالتربية الصالحة، وإسناد إدارتها والإشراف عليها إلى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية,, لم تكن هذه الخطوة صدفة تنظيمية، أو إفرازاً أملاه ظرف اجتماعي ملحّ في ذلك الوقت، بل جاءت نتيجة لنظرة اجتماعية ثاقبة، وتفكير حضاري متقدم، ورغبة في تعامل إيجابي مع بوادر لانحرافات نسائية فردية محدودة لا ترقى حتى إلى مستوى الظاهرة الاجتماعية، لا سيما في مجتمع محافظ لا يشكل الانحراف النسوي فيه مدعاة لقلق المعنيين بالشأن الشرعي أو الاجتماعي أو الأمني في هذه البلاد.
ولكن مع مرور الأيام بدأت بوادر الانحرافات النسوية تزداد عدداً، وتتنوع صفة، وتشيع بين فئات اجتماعية لم تكن مرشحة لذلك بحكم ظروفها الاقتصادية، أو أوضاعها الأسرية، أو مواقعها الاجتماعية، أو مستوياتها التعليمية والثقافية,, الأمر الذي ثبت معه، من الواقع والمعلومة، صوابية القرار، وسلامة التوجّه، والاستشراف السليم للمستقبل، والتحوّط المتزن له؛ أملاً في معالجة هذه الظاهرة في مهدها، والحد من تزايدها، والوقاية منها ما أمكن لذلك سبيلاً، خاصة في مجتمع يرى في بوادر الانحرافات النسوية مهما كانت بساطتها مبررا للنفور الأسري، والوصم الاجتماعي المستمر للفتاة، وقد يمتد ذلك إلى بقية أفراد أسرتها.
ولعل الاستشهاد ببعض النصوص النظامية التي تحكم عمل هذه المؤسسات الاجتماعية يعكس بجلاء تفهّم الدولة لهذه الخصوصية ، ويبرز بوضوح ما تعلقه من آمال عراض على هذه المؤسسات في تحقيق الرسالة التي أنشئت من أجلها, إن من يقرأ هذه النصوص (اللائحة) قراءة واعية ومتعمقة سوف يصل إلى قناعة بأن جميع المواد الواردة فيها ترمي إلى تحقيق هدف أساس ينتظم جميع نصوصها وهو: تأصيل مبدأ ان هذه المؤسسات مؤسسات اجتماعية إصلاحية، وليست مقارّ عقابية أو منتجعات مفندقة لقضاء مدة المحكومية, بل إن اللائحة لم تكتف بنص عائم فضفاض لهذا المبدأ بل حددت الطرائق ورسمت المعالم وأوضحت الإجراءات التي يمكن عبرها النفاذ إلى نص وروح هذا المبدأ, ومن الاستشهادات ذات الدلالة الواضحة من تلك النصوص هذه الوقفات:
* مؤسسة رعاية الفتاة مؤسسة اجتماعية تنشئها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية وتتولى إدارتها وتنفيذ برامج الرعاية الاجتماعية بها ومتابعتها.
* تعدّ الأخصائيات الاجتماعيات في المؤسسة دراسة اجتماعية متكاملة عن الفتاة تقدم للقاضي للاستنارة بها أثناء نظر القضية.
* يتم التحقيق مع الفتاة، وتنفيذ العقوبة يكون داخل المؤسسة.
* المعلومات الخاصة بالفتيات الملحقات بالمؤسسة سرية للغاية، ولا يرخص باطلاع أية جهة عليها إلا بإذن من وزير الداخلية.
* رجال الأمن مسؤولون فقط عن حراسة المؤسسة من الخارج، وعليهم أن يرتدوا الملابس المدنية.
* تتحدد مسؤولية موظفي وزارة الداخلية في حراسة مدخل ومبنى المؤسسة من الخارج فقط.
* على المؤسسة تقديم الخدمات التعليمية، والتدريب على أعمال أو مهن وحرف مناسبة تفيد الفتيات بعد خروجهن من الدار.
*تقوم المؤسسة بتهيئة الفتاة لتعود لأسرتها مستقيمة، وكذلك تهيئة الأسرة لاستقبال الفتاة والتعايش معها بصورة تؤدي إلى استقامتها وصلاحها.
* يجوز إبقاء الفتاة في المؤسسة بعد انتهاء مدة المحكومية إذا اتضح من دراسات المختصات بالمؤسسة ان الفتاة بحاجة إلى مزيد من التوجيه والرعاية.
* تقوم المؤسسة أثناء إقامة الفتاة فيها وقبل خروجها بتوثيق الصلات والروابط العائلية بينها وبين أسرتها، كما تقوم المؤسسة بعد خروجها منها بتقديم خدمات الرعاية اللاحقة لها ومتابعة حالتها لاستكمال تكييفها في المجتمع,أحسب ان هذه اللائحة التي صدرت منذ أكثر من ربع قرن نقلة نوعية وتطويرية، وأسلوب حضاري وإنساني في التعامل الواقعي مع الجريمة والانحراف أو بوادرهما, وتمثل برنامج عمل إصلاحي شامل للتعامل مع المؤثرات التي قادت الفتاة إلى المؤسسة، والأهم أنها تهدف إلى تغيير الظروف الموضوعية المحيطة بالفتاة، وتهيئة المناخات الضرورية التي تساعدها على العودة إلى طريق الاستقامة.
وبعد:
فإذا أردنا لفتياتنا في هذه المؤسسات الإصلاح، ولهن الصلاح، وأن يكنّ مواطنات نافعات لأنفسهن ولأسرهن ولمجتمعهن ولوطنهن فأهمس في أذن من بيده أو يدهنّ أمر هذه المؤسسات ألا يُكتفى بالندوة والمحاضرة والقصة والجلسة العلاجية والتمرين الرياضي ودغدغة المشاعر,, فمع التسليم بأهمية هذه الجوانب في العملية الإصلاحية إلا إنه ما لم يصاحب ذلك جهود حقيقة ودؤوبة على إحداث نقلة نوعية في حياة الفتاة، وتغييرات جذرية تهيئ الظروف الضرورية التي تساعدها للعودة إلى جادة السواء عبر إكسابهن المهارات الحرفية ذات الرواج في سوق العمل، والالتحاق بالدورات التدريبية المناسبة لميولهن والتعليم النظامي الضروري لهن، وبما يمكّنهن من مواجهة الحياة بعد خروجهن من جدران هذه المؤسسات بثقة بالنفس وبزاد حقيقي من المعرفة وبسلاح فعّال يساعدها بعد الله على تحمّل أعباء الحياة في المجتمع ، وزرع النظرة الإيجابية تجاه نفسها، وتقبّل أسرتها لها، وانتزاع احترام المجتمع لها,, فإذا لم نتمكن من تحقيق هذه الأهداف النبيلة فقد لا نعلم من هو الذي وراء القضبان ,,, !

أعلـىالصفحةرجوع











[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved