أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Sunday 25th February,2001 العدد:10377الطبعةالاولـي الأحد 2 ,ذو الحجة 1421

مقـالات

التعليم العالي في السعودية:التطور.. أو التخلف 1-2
د. عبدالله بن عبدالكريم العثيم*
إذا كان «الإنسان» هو «هدف التنمية وأداتها» وأن تطور الأمم ورقيها مرهون بما يصل إليه مستوى الإنسان لديها، فإن «الاستثمار« في تطوير المؤسسات المسؤولة عنه يجب أن يكون من أولى الأولويات على المستويات الحكومية والشعبية. ومؤسسات التعليم العالي هي من أهم إن لم تكن «أهم» المؤسسات التعليمية التي يجب أن تستمر العناية بها وتطويرها ودفعها إلى الأمام، إذ نصت الأسس الاستراتيجية لخطة التنمية السابعة على تطوير مخرجات التعليم، كما اعتنت بشكل واف بالتعليم العالي من حيث توسيع قاعدته والاستفادة من الأنماط الجديدة له، والعناية بالموارد البشرية وتطويرها بشكل عام. ولقد أحسن معالي الدكتور خالد العنقري حينما أكد في مقدمة «احصاءات التعليم العالي» 1420ه على ضرورة العناية بتطوير التعليم العالي واستمرار النهوض به وتنميته، وان تنمية الفرد وبناءه في مقدمة اهتمام قيادة هذا البلد منذ قيامها، لكن السؤال العريض والخطير دائماً هو: «كيف» نستطيع الرقي بتعليمنا العالي وتطويره؟
على الرغم من ان الاجابة على مثل هذا السؤال لا يمكن ان تتم من خلال مقال أو مقالات نظرية أو «تنظيرية» إلا ان كل جهد مهما قل في هذا الإطار يعتبر في الطريق الصحيح، وبذرة يمكن ان تنمو وتُنمى لتؤتي أكلها طيباً بإذن ربها، إذ لا نزال في زمن البذر ويجب أن نطور قبل أن نندم «على التفريط في زمن البذر».
التطوير التكاملي لمدخلات التعليم العالي:
على الرغم من أن البعض يرى في التعليم العالي حلقة للتعليم العام، إلا ان الواقع ان التعليم العالي لا يقدم إلا لمن حققوا نضجاً فكرياً كافياً وذلك بقصد تنمية روح الاستقلال لديهم «Independence» وتمكينهم من المساهمة في «التنمية» من خلال تزويد المنخرطين فيه بالمهارات اللازمة لذلك، سواء أكانوا معلمين، أو أطباء، أو جغرافيين، أو علماء اجتماع. إن الفيصل بين هدف التعليم العام والتعليم العالي هو أن الأول يعنى ببناء الإنسان، في حين يهدف التالي إلى تمكين الإنسان من البناء. إن النظرة إلى التعليم العالي «الجامعي» من هذه الزاوية هي نظرة متطورة، وتفرض في الوقت ذاته تطويراً مستمراً لذلك النوع من التعليم يتواكب مع الوضع «التنموي» في بيئة التعليم العالي، وماذا يجب أن يسند إليه في هذا الصدد.
التعليم العالي حسبما يراه المشتغلون بالتطوير التربوي يمثل في مجمله نظاماً «System» مكوناً من:
مدخلات وعمليات «أو نشاطات» ومخرجات، حسبما يقتضيه مفهوم «النظام» في الدراسات العلمية الحديثة، لذلك فإن مفهوم النظام يمكن ان يستخدم بشكل فاعل لتحليل «ماذا يجب ان يتم القيام به» بطريقة علمية، دون ان يستخدم كوسيلة لتفتيت العمل أو الاقتصار على التطوير الجزئي، ولذا فلابد من نظرة شمولية لتطوير المدخلات والعمليات والمخرجات بطريقة متكافئة ومتزامنة حسبما يفرضه المفهوم. في هذا الجزء من المقال سوف يتم التركيز على عرض بعض الرؤى لتطوير عدد من مدخلات التعليم العالي ليتم استكمال الحديث عن المدخلات الأخري في الجزء الثاني منه.
1 تطوير السياسات الإدارية والهياكل التنظيمية:
لعل المطلع على الوضع العام للتعليم العالي في السعودية يدرك بوضوح ان السياسات الإدارية في الجامعات بحاجة ماسة إلى المراجعة والتطوير، في ضوء المستجدات الاقليمية والعالمية، فمجتمعنا النامي حقق خطوات تعليمية رائدة رافقها أو نتج عنها مفاهيم واتجاهات مختلفة تفرض الاستجابة لها واستيعابها تطويراً في الجامعات وسياساتها.
ولعل من أبرز المبادرات التي يجب ان تتخذ في تطوير هذا الجانب ما يلي:
تطوير سياسات القبول في كل قسم علمي بناء على الاحتياج الفعلي لهذا النوع من التعليم مع تفعيل أنظمة القبول على نظام التفرغ الجزئي في العديد من التخصصات لإعطاء الطلاب الفرصة للجمع بين العمل والدراسة.
العمل على ايجاد اختبار موحد ومقنن للقبول يؤهل لكل تخصص على حدة ولا يخضع للعواطف المناطقية أو التمايز لصالح المدارس الخاصة.
التأكيد على اعتماد الدورات المكثفة «السنة التحضيرية» في جميع الجامعات لتأهيل الطلاب للجو الجامعي وتزويدهم بالمهارات العلمية الضرورية للدراسة الجامعية وتمكين الجامعات والأقسام من الانتقاء بناء على محكات «جامعية» حقيقية.
تمكين الأستاذ الجامعي من المشاركة الفاعلة والايجابية وأدائها باعتباره محل إجماع ولكن الأمر الأخطر هو كيف يتم تطوير هذين الجانبين؟ فيما يتعلق بالإعداد فلعل من الأمور الأساسية ما يلي:
ايجاد لجان عليا لاختيار المعيدين في الجامعات حسب التخصصات، بحيث لا تعتمد على المعدلات التي حصل عليها الطلاب وحدها بل تخضع المتقدم لاختبارات ومقابلات متعددة تكون هي المحك في الترشيح والمفاضلة، وايجاد اختبار تأهيلي شامل يخضع له كل من يريد التقدم للاعادة.
توفير دبلومات متخصصة بالإعداد التربوي والمهني للعمل الجامعي يتم تنظميها على مستوى الجامعة ويطالب المتقدمون للعمل في مهنة التدريس الجامعي بحضورها بمن فيهم العاملون حالياً في حقل التدريس الجامعي.
تطوير نظام يلزم الجامعات بالابتعاث إلى جميع الدول المتقدمة الشرقية والغربية بدلاً من اقتصار الابتعاث بشكل شبه كلي على دولتين غربيتين فقط «92% من اجمالي المبتعثين هم في أمريكا وبريطانيا» بل وفي تخصص نحتاج فيه إلى التنوع مثل التربية والتعليم مثلاً، لا يوجد ولا مبتعث واحد في الدكتوراه أو الماجستير في غير أمريكا وبريطانيا أو الدول العربية «انظر احصاءات التعليم العالي 1421ه».
اعتماد نظام الإعارة مع الجامعات الخارجية على مستوى البرامج، وهو نظام معمول به في دول مثل هونج كونج وماليزيا وسنغافورة حيث يتم التعاقد مع الجامعات الأجنبية لإقامة برامج الماجستير والدكتوراه، ولهذا النظام ايجابيات كثيرة على مستوي الجامعة والمجتمع.
التنسيق بين الجامعات السعودية في «تطوير» برامج الدراسات العليا المتوافقة مع اتجاه الجامعات واحتياجات المجتمع بحيث تكون معايير الإعداد متقاربة وخاضعة للمراجعة والتطوير المستمرين.
اعادة النظر في المناهج وطرائق الإعداد المستخدمة حالياً في الدراسات العليا في الجامعات السعودية، بما يتوافق مع الاتجاهات العلمية والتعليمية الحديثة، والتي تؤكد على البحث العلمي ومهاراته من جهة، وعلى التطوير الذاتي والتعليم المستمر من الجهة الأخرى.
وفيما يتعلق بتطوير أداء الأستاذ الجامعي «التدريب» فلعل أهم عنصر في ذلك هو تفعيل أو ايجاد نظم واضحة للتقويم ورفع الحوافز المادية والمعنوية المقدمة للأستاذ الجامعي، إضافة إلى السعي لغرس «السلوك التدريبي» في بنية الجامعات السعودية، مع ذلك فثمة أمور أخرى خاصة وغاية في الأهمية في هذا الصدد منها:
التأكيد على ارتباط أعمال الأساتذة وبحوثهم للترقية بالمؤسسات الحكومية كل في تخصصه، وبطريقة تؤدي إلى حل المشكلات وتطوير الأداء في آن، والاسهام في خدمة المجتمع في هذا الشأن.. ان الواقع الحالي للبحوث المقدمة للترقية ونقاط تقويمها جعل كثيراً من الأساتذة يتمكن من سلقها حسبما يتفق مع المواصفات التي تضمن له قبولها دون مراعاة لمدى استفادته الشخصية منها، أو فائدتها للمجتمع.
تشجيع إنشاء الجمعيات العلمية واللجان التخصصية، واقامة فرق للبحث داخل مثل تلك الجمعيات والاتصال بالجمعيات في الجامعات الخارجية واحتساب كل ذلك في نقاط الترقية.
اعادة النظر في سلم الرواتب الحالي لأعضاء هيئة التدريس والذي من الناحية العلمية أقل من سلم المعلمين والعسكريين والقضاة، رغم ان الأعباء المنوطة بعضو هيئة التدريس من جهة، ومعايير اختياره من الجهة الأخرى توحي بغير ذلك، فقد لا يرى البعض العلاقة بين «الراتب» و«التدريب» ولكن الأمر المؤكد هو ان الرضا الوظيفي من أهم اشتراطات «السلوك التدريبي» ومحفزاته.
تفعيل نظم «مكافحة» ما يمكن ان يسمى «النزيف البشرى» او هجرة عقول أميز أساتذة الجامعات منها، هذه القضية تجعل بعض أساتذة الجامعات يطور نفسه حسبما تمليه الجهات التي يرغب ان ينتقل إليها، وليس حسب مصلحة الجامعة والمجتمع.
وأخيراً لعل الإطالة في هذا العنصر في ظروف مثل هذا المقال لها ما يبررها باعتبار العنصر البشري السؤال عن المنشأة هو أهم «مدخلاتها» وأجدرها وأولاها بالتطوير.. وبإيجاز شديد فإن قدرتنا على تطوير مهارات واتجاهات الأستاذ الجامعي ستقود حتماً إلى تطوير الجوانب الأخرى من العمل الجامعي، ومن ثم المجتمع بأسره.
* أستاذ مساعد للتطوير التربوي بجامعة الإمام بالقصيم

أعلـىالصفحةرجوع



















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved