أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Sunday 4th March,2001 العدد:10384الطبعةالاولـي الأحد 9 ,ذو الحجة 1421

مقـالات

معاملات مصرفية عصرية في منظار الإسلام
إبراهيم بن عبدالله السماري
المعاملات المصرفية اصبحت في هذا العصر من لوزام حياة الناس لأنها من اهم الوسائل التي سهلت معاملات الناس في تجارتهم وفي معاشهم وحازت ثقة المتعاملين في تلك المعاملات، ومن ثم اصبح تأصيل هذا الجانب الاقتصادي المهم في ضوء قواعد الشريعة الاسلامية هو من الضرورة الملحة. وتساءل كثير من الناس وأكثروا من التساؤل: هل هذه المعاملات المصرفية ضرورة اقتصادية؟ وهل يمكن استنباط اساس او مثيل شرعي لها؟ وهل يمكن تنقيتها من الشوائب العالقة بها دون اعاقة لوظيفتها وأهدافها في تنشيط حركة الاقتصاد وتنويع معاملات الناس؟ وانبرى عدد من العلماء للاجابة على هذه التساؤلات وغيرها، وكانت الاجابات مختلفة تبعاً لاختلاف مدارك الناس وفهومهم وقرائحهم، وتنوعت الاجابات بين الدراسة النظرية المجردة التي تبين الحكم فتقف عنده دون ان تضع البديل المناسب الذي يشفي الغليل ويروي الضامئ الذي يزداد ظمأ الى بيان علمي شرعي يتفق مع قواعد الشريعة في التيسير على الناس وعدم التضييق عليهم مع تحصينهم من الحرام، وبين دراسات جادة مخضت الموضوع مخضاً علمياً حتى فاض زبدة فحذرت من الزبد وحثت على ما ينفع الناس.
الا انه قبل الحديث عن المعاملات المصرفية في نظر الشريعة الاسلامية لابد من وضع عتبة تصعدها التصورات لتكوين صورة صحيحة عن نظرة الاسلام الى الانسان والى معاملاته ليمكن استيعاب نظرة الشريعة الاسلامية الى هذا المجال الخطير في حياة الناس ومعاشهم.
فالاسلام ينظر الى الانسان على انه مخلوق من رب العالمين خصه بمزيد تكريم وتفضيل على كثير من المخلوقات فقال عز وجل:
) ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا( سورة الاسراء آية 70.
واستخلفه في الارض فقال تعالى:
) وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون( سورة البقرة اية 30. وكان من مقتضى الالتفات الى هذا التكريم ان يحظى المكرم بمزيد عناية وفائق اهتمام ولاسيما ما يتعلق بتحقيق كرامته وحراستها من خلال نظام العبادات ونظام المعاملات والنظام الاخلاقي.
ففي مجال المعاملات وهو صلب موضوع هذا المقال نجد ان الاسلام نظم البيوع والتجارة تنظيما يكفل كرامة الانسان ومصلحته، فحرم الربا مثلا لأنه يفضي الى تراكم الفوائد على المدين فتهان كرامته، كما ان المال الربوي لا يثمر انتاجاً وفي ذات الوقت فان الدائن لا يبذل فيه جهداً وقد يغريه الربح المضمون والسهل فيقعد عن العمل المنتج المثمر فتضعف دورة الانتاج في المجتمع وهذا لا يتناسب مع تكريم الله للانسان.
وفي تنظيمه للحلال والحرام نجد وسطية الاسلام جلية باهرة حيث احل الطيبات وحرم الخبائث، فقال تعالى: )يسألونك ماذا أُحل لهم قل أُحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح( سورة المائدة آية 4.
بل ان الاسلام وضع تدابير واقية من المحرمات، وأوضح مثال لها في مجال المعاملات: التدابير الواقية من الربا، وبتأملي في هذه التدابير وجدت انها لا تخرج عن صورتين.
الصورة الاولى:
تدابير اساس، وصفتها ان الله سبحانه لم يحرم على المسلمين شيئا الا اباح لهم ودلهم الى ماهو افضل منه، فشرع انواعا من البيوع كبيوع المشاركة والمضاربة مثلا ليقضي على شبهة الربا المحرم.
الصورة الثانية:
تدابير وقائية، وصفتها انها حواجز مادية ومعنوية تمنع مقارفة الاثم، اما خوفا من الله لمن يكفيه التخويف المعنوي، او خوفا من العقاب المادي من اولياء الامر لمن لا يردعه التخويف المعنوي.
وفي ضوء هذا البيان يتبين سمو نظرة الشريعة الاسلامية الى المعاملات بين الناس الحرص على ربطها بضوابط الاخلاق الفاضلة وعلى رأسها فضيلة التقوى ليسود حركة المجتمع الالفة والتعاون والتراحم.
والمقرر من النظر في واقع عصرنا الحاضر ان المعاملات المصرفية اصبحت ضرورة ظاهرة في هذا العصر الذي تنوعت وتشعبت وتشابكت في آن واحد كثير من معاملاته وتعاملاته التجارية، لتيسير معاملات الناس في تجارتهم وفي مختلف شؤون معاشهم، فالمتعين حينئذ ان ينظر الى هذه المعاملات من وجهة نظر الشرع المطهر وفي ضوء قواعده العامة الداعية الى رفع الحرج عن الناس وعدم التضييق عليهم، مع منعهم من مجاوزة الحلال الى الحرام!
ولانه يكاد يستقر في وجدان كثير من ضعيفي الفهم وقليلي العلم ان العلاقة بين المعاملات الربوية والمعاملات المصرفية لا يمكن ان تنفك او تضعف فان الحديث حينئذ عن النظرة الاسلامية الى المعاملات المصرفية والتجارية تكتسب وتكتسي اهمية كبرى.
ولعل من اهم الدراسات التي تناولت موضوع المعاملات المصرفية بعمق مستند الى علم شرعي: كتاب )الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الاسلامية( لفضيلة الشيخ عمر بن عبدالعزيز المترك رحمه الله تعالى.
حيث تحدث في الباب الثالث عن:) المعاملات المصرفية وحكمها في الاسلام( مشيراً الى المصارف وتاريخ وكيفية نشأتها وتطورها وبيان المصرف وشروطه، والنقود الورقية وهل تجري عليها احكام الصرف؟
وانتهى المؤلف بعد المناقشة المفصلة الى ترجيح الرأي القائل بأن الاوراق النقدية نقد قائم بذاته كالذهب والفضة وغيرهما من الاثمان، وأن الريال السعودي جنس والجنيه المصري جنس والدولار الامريكي جنس وهكذا.
وعلل رأيه هذا بعدة اسباب فحواها ان القول بغير هذا يؤدي اما الى التضييق على الناس في معاملاتهم وايقاعهم في الحرج، او اقفال باب التعامل بها مع ان التعامل بها امر لابد منه في هذا العصر،
او فتح باب الربا على مصراعيه واباحته بنوعيه وفتح باب الحيل لإضاعة زكاة النقدين.
ثم تحدث عن اقسام الودائع المصرفية، وبيّن التكييف الفقهي وحكم كل قسم منها موضحاً انها في حقيقتها وفي العرف المصرفي هي قروض لا ودائع، وأنه انما اطلق عليها اسم الودائع لأن تاريخها بدأ بشكل ودائع وتطورت الى قروض فظلت محتفظة من الناحية اللفظية باسم الودائع وإن فقدت المضمون الفقهي لهذا المصطلح.
وبيّن المؤلف جواز التعامل بالودائع تحت الطلب )الحساب الجاري( وجواز اخذ البنك عمولة على تكرر عمليات سحب العميل في هذا الحساب، الا انه نبّه رحمه الله الى عدم جواز عون البنوك الربوية بالايداع فيها الا اضراراً وحبذ اللجوء الى استئجار الخزائن الحديدية في البنوك لحفظ الودائع فيها.
كما تحدث المؤلف عن صندوق التوفير، معرفاً له ومبيناً حكم فوائده وأنه يأخذ حكم القرض وليس الوديعة لأن اموال هذا الصندوق هي قروض في حقيقتها وإن سميت لفظاً وديعة، وأنه لا معنى للتفريق بين قروض الانتاج وقروض الاستهلاك فالعبرة بالحقائق والمعاني لا بالالفاظ والمباني، كما بيّن رحمه الله الفروق الواضحة بين عمليات صناديق التوفير وعمليات المضاربة الشرعية.
وتحدث كذلك عن الاسهم والسندات مبيناً تعريف كل منهما، والفرق بينهما وحكم بيع كل منهما مع التفصيل والمناقشة والترجيح.
وتحدث المؤلف رحمه الله عن التحويلات المصرفية، مبيناً انواعها والتكييف الفقهي لها والحكم الشرعي في ضوء هذا التكييف، ثم تحدث عن خطاب الضمان المصرفي معرفاً له ومبيناً اقسامه والحكم الشرعي لخطابات الضمان وأخذ العمولة عليها.
وتحدث عن الاوراق التجارية المختلفة كالكمبيالة، والسند الإذني، والسند لحامله، والشيك، معرفاً كل ورقة من هذه الاوراق وخصائصها، ومبيناً فوائدها، وموضحاً موقف الشرع منها، وحكم اخذ عمولة على تحصيلها، كما تحدث عن قضية خصم الاوراق التجارية وبيّن حكمها.
ثم تحدث المؤلف عن الاعتماد المستندي، مبيناً اهمية هذه العملية في التجارة الحديثة والآثار المترتبة على فتح الاعتماد والتزامات المصرف حيال الاعتماد المستندي والفوائد التي يحققها الاعتماد المستندي، والحكم الشرعي لهذا الاعتماد.
ثم عالج المؤلف موضوعاً مهماً جداً وهو موضوع التأمين، مبيناً خطر موضوعه، وتعريفه بقسميه: التأمين التعاوني )او ما يسمى: التأمين بالاكتتاب( والتأمين التجاري، وخصائصهما وضوابطهما ونظرة الشريعة الاسلامية لكل قسم.
ثم ختم المؤلف رحمه الله الباب الثالث بالحديث المستفيض عن: المصارف الاسلامية من حيث اهميتها وضوابطها وتصوره لوظائفها وأهدافها في نطاق النظرة الشرعية، مبيناً ان الشريعة الاسلامية دِين حياة ومُثل ودعوة ومنهاج عمل، اساسها ومبناها على الحِكم ومصالح العباد التي تكفل لهم حياة سعيدة في الدنيا والآخرة.
وأوضح ان شريعة هذا شأنها لن تعجز عن حل اية مشكلة، ولم يسبق ان عجزت عن الاجابة الشافية على اي سؤال، وإيجاد الحل العملي لأي تساؤل مهما كان مستعصياً في نظر السائلين.
وأوضح انه بعد ذلك يقال: اننا نسلم بأن المصارف تؤدي خدمات جليلة لا شك في وجاهتها، وأن الاعمال المصرفية هي محور وعصب النشاط الاقتصادي في كل دولة، ولكننا لا نسلم بأن الربا فيها ضرورة لها، وأنها بدونه لن تستطيع ان تقوم بالاثر الذي تحدثه في تنشيط الحركة التجارية، وتيسير التعامل بين الناس.
والجميل في هذا البحث الممتع ان المؤلف وضع منهجاً واضحاً للمصرف الاسلامي كما يراه في عصرنا الحاضر، ويمكن تلخيص هذا المنهج في عدة محاور:
اولها: انه يمكن للمصارف الحالية الاستمرار في ظل الشريعة الاسلامية بعد اجراء تعديلين ملخصهما: عدم دفع فوائد للمودعين، وعدم تقاضي المصارف فوائد من عملائها مقابل إقراضهم، اذا رغب البنك في ذلك خدمة لمجتمعه وإلا فهو غير ملزم بالإقراض وأمامه عدة طرق لاستثمار امواله غير القروض.
ثانيهما: إمكان استثمار المصرف الاسلامي لأمواله استثماراً مباحاً ومربحاً، لأن في ما اباحه الاسلام من طرق للاستثمار ما هو افضل وأجدى من الفوائد الثابتة، عن طريق الاستثمار في المصانع، وفي الشركات التجارية ونحوها وبيع وشراء الاسهم المباحة، والمضاربة والسّلَم وشراء السلع التي يحتاجها الناس كالسيارات والآلات ثم بيعها عليهم بثمن مؤجل بزيادة معتدلة، واللجوء في العقود الضخمة الى الشراء بثمن مؤجل بدلاً من الاقتراض بفوائد.. الخ
ثالثها: ضرورة إلزام المصارف بتقديم نسبة معينة من القروض الحسنة )اي بدون فوائد( للافراد المحتاجين في المجتمع مقابل منحها الترخيص، او مقابل الودائع، مع حق المصرف في ان يستوثق من الضمان برد الاموال المقرضة.
وما اشار اليه المؤلف رحمه الله من إلزام المصارف بالقرض الحسن ضرورة ظاهرة في هذا العصر، ويمكن ان يشمل القرض الحسن: نشر الكتب النافعة، وإنشاء المدارس، والمستشفيات العامة وتزويدها بالتجهيزات اللازمة ونحوها، ودعم الجمعيات الخيرية، لأن هذا اتجاه مطلوب في هذا الوقت لتؤدي المصارف بعض واجباتها تجاه المجتمع والوطن.
اعود فأؤكد على ان تكييف المعاملات المصرفية العصرية وفق ضوابط الشريعة وقواعدها العامة من اهم الضرورات وهو جدير بالدراسات العلمية الجادة.
والله الموفق،،،،
alsmariibrahim@hotmail.com

أعلـىالصفحةرجوع















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved