أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Monday 5th March,2001 العدد:10385الطبعةالاولـي الأثنين 10 ,ذو الحجة 1421

مقـالات

الصراع العربي الإسرائيلي : ثبات النظرة السعودية
د. عبدالعزيز بن عبدالله السنبل*
ليس من مشمولات هذا المقام ان نؤرخ لكافة محطات الصراع العربي الاسرائيلي منذ بدايته وحتى اليوم الا انه من المهم مع ذلك الاشارة الى بعض هذه المحطات كلما دعت الضرورة لكن المهم عندنا أولا هو انه منذ ان تمكنت العصابات الصهيونية بمساعدة انجلترا الاستعمارية من الحصول على جزء من الاراضي العربية الفلسطينية، فهي تسعى الى الاستحواذ عليها كلها،
واضعة ضمن استراتيجيتها البعيدة المدى ان تسيطر على الأرض العربية الممتدة من الحدود الايرانية وحتى نهر النيل بمصر، مدعية في ذلك كله انها أرض اليهود التي وهبهم الرب، وقد استند المتطرفون الصهاينة في ذلك الى مرجعيات توراتية موضوعة.
ولئن كان الصهاينة قد تمكنوا من تحقيق بعض أحلامهم عندما استولوا على الارض العربية الفلسطينية بداية بكل الوسائل التآمرية والقتالية، فان اعظم المكاسب الميدانية انما تحققت لهم ابان حربي 48 67 وخاصة عندما تمكنوا أثناء هزيمة حزيران 1967م من احتلال كافة الأراضي الفلسطينية، بالاضافة الى سيناء )المصرية والجولان السورية( ثم تمكنوا سنة 82 من احتلال الجنوب اللبناني.
واذا كان العرب قد تمكنوا من استعادة بعض الأراضي خاصة على الجبهة المصرية في حربهم مع اسرائيل سنة 1973م والتي عرفت بحرب رمضان، فان ذلك لم يكن سوى خطوة ضئيلة لاستعادة الثقة المعنوية بجيوشهم بعد سلسلة من الهزائم، ولعل اهم سلاح تمكن من خلاله العرب من تحقيق مكاسب لم يكن في صعيد الحرب الميدانية وانما كان في الجانب الاقتصادي عندما أشهر سلاح النفط الذي رفعه القائد الراحل المغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز وأدى دورا فاعلا في كسب بعض المواقف السياسية خاصة في اوروبا نظرا للمستوى الذي ألحقه ذلك بمصالحها وهو ما مهد الطريق كوسيلة ضغط استراتيجي لكل جهود سلمية يمكن لها ان تقوم، لكن الطريقة التي بدأت بها جهود السلام بين العرب واسرائيل لم تكن على شاكلة الطريقة التي أقام بها العرب حربهم القتالية الاخيرة معها.
اذ بدأ مسلسل السلام بطريقة انفرادية في حين كانت الجهود الحربية شبه تنسيقية. فقد قام الرئيس المصري الراحل أنور السادات بزيارته المفاجأة لاسرائيل واقام سلاما منفردا معها فاتحا الطريق لسلسلة من الحلول الانفرادية على الجبهة الاردنية والفلسطينية وحتى السورية مما سهل لاسرائيل ان تنفرد بكل دولة عربية على حدة في محاولة لاقامة سلام معها الشيء الذي انبنى عليه ضعف في الموقف التفاوضي للدول العربية، خاصة في ضوء الضغوطات الأمريكية والغربية التي تمارس ضد كل دولة عربية على حدة في كل مسار تفاوضي.
والواقع انه اذا كانت مصر قد تمكنت من استعادة كافة أراضيها المحتلة من اسرائيل فان ذلك يعود بالضرورة الى الامكانات الحربية والسكانية والتاريخية التي تتمتع بها مصر باعتبارها اكبر دولة عربية من حيث عدد السكان والمتصدرة تاريخيا لمسيرة صراع العرب مع اسرائيل وان كانت مصر قد استعادت سيادتها على اراضيها الا ان بعض المحللين يرون ان اسرائيل قد استطاعت استثمار السلام مع مصر لتحقيق مكاسب استراتيجية لها.
ولعل ما أقدمت عليه اسرائيل من غطرسة وبطش في الارض العربية منذ ان أقامت اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر يدلل على ما قلناه فقد احتلت اسرائيل جنوب لبنان وضمت الجولان والاراضي العربية الاخرى في الضفة وقطاع غزة الى سيادتها واعلنت عن توحيد القدس واعتبارها عاصمة لها الى الأبد الى غير ذلك من الاعمال الاستفزازية للكرامة العربية.
وبعد ان سقط المعسكر الشرقي وانفرد المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة بقيادة العالم بدأ هذا المعسكر يعيد تنظيم الترتيبات العالمية لتتماشى مع مصالحه الاقتصادية الجديدة ويقتضي ذلك بالضرورة البحث عن حل سلمي للمسألة الفلسطينية وللصراع العربي الاسرائيلي عامة حسب مقاييس تكرس واقع الاحتلال الاسرائيلي للارض العربية وتقنينه، فكانت مسرحية اوسلو التي خرج الاسرائيليون والفلسطينيون بها على العالم من تحت غياهب المفاوضات السرية وزعموا من خلالها انهم اتفقوا على مرحلتين للتسوية مرحلة انتقالية واخرى نهائية وان الانتقالية تمكن الفلسطينيين من الحصول على غزة واريحا اولا ثم تتواصل المرحلة باستعادة الفلسطينيين لأراضي الضفة الغربية الى غير ذلك من الامور الا ان الطامة الكبرى قد تجسمت في امتناع اسرائيل عن الوفاء بتعهداتها المتعلقة بالفترة الانتقالية وظلت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة تماطل في ذلك حتى حان عهد المرحلة النهائية دون ان ينفذ اكثر من 32% من مستحقات الفترة الانتقالية ولما حان وقت التسوية النهائية ادرك الفلسطينيون ان لا شيء بأيديهم وان اسرائيل ليست عازمة على تطبيق الاتفاقيات التي اقامت معهم في اوسلو، وانه انما كانت تريد منهم ان يتولوا اخماد الانتفاضة وان تشرع من خلال سلطة وطنية فلسطينية مسألة احتلال الأرض وقد اعلنت اسرائيل عن كل ذلك صراحة عندما رفع باراك في طريقه الى كامب ديفيد الثانية لاءاته المشهورة وهي لا عودة للاجئين ولا عودة لحدود 67 ولا انسحاب من القدس، ولا تفكيك للمستوطنات ولا سيادة لدولة فلسطينية على الحدود الدولية.. الخ.. حينها فقط ادرك الفلسطينيون انهم وقعوا في الفخ الاسرائيلي وبدأوا يندمون حين لا فائدة من الندم ولم يجدوا من حل لمأزقهم سوى ان يحيوا انتفاضتهم فكان ما عرف منذ خمسة اشهر بانتفاضة الأقصى التي اندلعت بسبب مباشر وهو زيارة الارهابي اريال شارون )قائد حزب الليكود اليميني ورئيس الوزراء المنتخب( للحرم القدسي الشريف بتدبير من الحكومة العمالية اليسارية بقيادة باراك وتحت حراسة جنودها.
وقد ادت هذه الانتفاضة الى مد الصراع العربي الاسرائيلي بديناميكية جديدة بسبب عزفها على اوتار حساسة في الوجدان العربي والاسلامي نظرا لارتباطها بموضوع القدس والحرم الشريف وهكذا عم الاستياء والسخط الشارع العربي والاسلامي وانعقدت القمة العربية الطارئة بالقاهرة والقمة الاسلامية بالدوحة وتمخضت كلتا القمتين عن قرارات ايجابية ترمي الى دعم انتفاضة الشعب الفلسطيني وحقه في الاستقلال وتقرير المصير ومرة اخرى كان الدور السعودي بارزا خلال هاتين القمتين مثلما بينا قبل هذا بخصوص مسألة سلاح النفط اذ لم يقدم من الاقتراحات العملية التي تمس الانسان الفلسطيني مباشرة وتقدم له الدعم المادي والمعنوي سوى التي تقدمت بها السعودية ونحن هنا لا نريد ان نبالغ او نذكر الا ما شهد به الجميع اذ اننا انما نسعى الى تبيان ثبات الموقف السعودي من الصراع العربي الاسرائيلي بأنه صراع وجود وصراع عقيدتين عقيدة اسلامية غراء ليلها كنهارها لا يأتيها الباطل من بين ايديها ولا من خلفها وعقيدة موضوعة عنصرية تقوم على التلفيق والانتحال ولا تقف عند حد ولذا ظل الموقف السعودي من الصراع العربي الاسرائيلي منذ ايام المغفور له الملك عبدالعزيز مرورا بأبنائه الملك سعود والملك فيصل والملك خالد رحمهم الله تعالى ووصولا الى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز حفظه الله هو نفسه، وما قوة المواقف التي اعرب عنها ولي عهده الامير عبدالله بن عبدالعزيز في القمتين العربية والإسلامية إلا تعبير عن ثبات وصرامة الموقف السعودي والنظرة السعودية العميقة للصراع العربي الاسرائيلي واستنادها الى المرجعية العقدية والشرعية للاسلام التي يعتبر ولاة الامر السعوديون ان الرجوع اليها والاستمساك بها هو افضل وسيلة للانتصار على العدو الاسرائيلي وانتزاع الحقوق العربية والاسلامية على النحو الذي يحفظ العرض ويصون الكرامة وحتى يدرك العرب ذلك تظل النظرة السعودية متقدمة وتتسم بالشمولية والعملية ويظل اصحابها اكثر استعدادا للبذل الحسي والمعنوي دون مزايدة على الغير او تشهيرا بهم ولعل جواب المغفور له الملك فيصل رحمه الله لمن قال له:
اذا مسكتم نفطكم عن الغرب سيمسك عنكم اغذيته ومعلباته هي خير دليل على اصالة الموقف السعودي وعمقه حيث اجاب الملك فيصل قائلا: نحن يمكن ان نعيش على التمر والماء.. وعندما يقول ولي العهد الامين الامير عبدالله : ان العرب سيقطعون العلاقات مع كل دولة تنقل سفارتها الى القدس فانه كان يعي ما يقوله وهو بذلك انما يعبر عن قناعة دينية وعقدية لا مجال للمساومة فيها تحت أي ظرف كان.. ولعل مواقف من هذا القبيل اذا اضيفت الى استبسال الانتفاضة الفلسطينية ميدانيا يمكن وقتئذ ان يطمع الفلسطينيون والعرب بسلام يضمن لهم حقوقهم في الحدود المقبولة بدل ما كان يرتب لهم من حقوق مبتورة ومنقوصة ولما كانت المواقف الآنفة الذكر للمملكة العربية السعودية علنية وفعالة فان ما خفي من عمل دبلوماسي سعودي هادىء وامين على مسار القضية العربية ويذود بكل استبسال عن ثوابتها هو ما دفع بالاقلام الصهيونية الحاقدة في الغرب بأن تصب جام غضبها على المملكة ودورها في مفاوضات الشرق الاوسط..
ونحن نقول لاصحاب هذه الاقلام الحاقدة والمعادية للعروبة والاسلام: ان ذلك لن يغير شيئا من ثبات الموقف السعودي وطبيعته الوفية للأمانة التاريخية التي تتحملها المملكة كدولة قائدة ومؤتمنة على كل قضية عربية واسلامية تتعلق بالمعتقد والكرامة والشرف مع التعاطي بايجابية مع كل مبادرة او جهد خير يسعى لبلوغ السلام العادل والمتوازن ويحترم القانون والشرعية الدوليين ويأخذ بعين الاعتبار التطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني تلك التطلعات التي محصتها الدماء الطاهرة لشهداء الانتفاضة.
* نائب المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم

أعلـىالصفحةرجوع













[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved