أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Tuesday 6th March,2001 العدد:10386الطبعةالاولـي الثلاثاء 11 ,ذو الحجة 1421

مقـالات

دراسة لغة الاتصال في المنشآت .. البعد المفقود
د.عبد الله بن موسى الطاير
كنت وأحد الزملاء قبل سنة ونصف تقريبا في ضيافة احد رجال الأعمال نضع خطة لحملة اعلامية تحقق عدة أهداف تسويقية وترويجية لمؤسسته.
وقد لفت انتباهي ان الرجل لم يكن يريد منا اكثر من صياغة رسالة اعلانية واختيار الوسائل المناسبة لبدء حملة دعائية وسينفق على ذلك مبالغ طائلة. لم تكن تلك الا مهمة ثانوية بالنسبة لاهتمامنا وأبلغناه ان هذا التوجه لن يكون أكثر من هدر لأمواله وان واجبنا ومهمتنا تحتم علينا دراسة منشآته من الداخل أولا والتعرف على أنماط الاتصال فيها وتحديد أهدافها بدقة،
والتعرف على مخططاته المستقبلية ومن ثم نبدأ في صياغة مخطط الحملة الاعلامية المتكاملة الجديدة ونضع الآليات الكفيلة بدراسة رجع الصدى لها.
أيا كانت نتيجة المفاوضات مع ذلك المسؤول، فان المجال هنا لا يتسع لسردها ولكنها مدخل لبحث موضوع لا يزال مغفلا الى حد ما حتى في البلدان المتقدمة ذلك هو دراسة الاتصال اللغوي داخل المنشآت الحكومية والخاصة ولعل من أهم ما قرأت في هذا المجال مقالة لباحث يدعى Pierre Cossette في سنة 1998م.
ويكفي أحدنا للتعرف على أهمية هذا الموضوع امعان النظر واغراق الفكر في البيئة التي يعمل فيها.
سوف يجد ان هناك نمطا مهما من اللغة يستخدم للتواصل الشفوي وآخر للتواصل غير الشفوي وثالث للبناء المعرفي. وهذا الحجم من التداول لمفردات اللغة يعطي انطباعا عن مجمل النشاط الذي يجري في المؤسسة.
باحث يدعي Mintgberg اجرى دراسة قديمة تعود الى عام 1973م توصل من خلالها الى ان المديرين يصرفون ما بين 57% الى 89% من أوقاتهم في اتصال شفوي. ومع ذلك فان هذا الاتصال اللغوي لا يلقى عناية كبيرة من الباحثين.
السبب يعود في ذلك الى عدة عوامل منها ان المهتمين بالتطوير الاداري وادارة الاعمال ومن في حكمهم من المعنيين بالادارة الحديثة لا يولون اهتماما للغة والتحليل اللغوي ويمرون على هذا العامل الحيوي وهو اللغة مرور الكرام كبرهية لا تحتاج التوقف امامها وفي الوقت نفسه فان اللغويين يرون انهم غير معنيين بالادارة وما يتعلق بها حتى وان كان ذلك المتعلق اللغة التي تستخدم للتواصل داخل تلك المؤسسات.
الذين يستطيعون ان يشكلوا علاقة رابطة بين اللغويين والاداريين هم خبراء الاتصال العاملون في ادارات العلاقة العامة ونحوها.
ويؤكد الباحثون على ان للغة في المؤسسات والمنشآت وظيفتين متلازمتين هما: وظيفة اتصالية واخرى معرفية او تمثيلية.
فالوظيفة الاتصالية للغة داخل المنشأة تتمثل في الانشطة الاتصالية الشفوية كتبادل المعلومات والسؤال والمناقشة والحوار، وهي انشطة تتم لمساعدة المنشأة على انجاز اهدافها في غالب الاحيان.
فالاتصال هنا وظيفي يتعلق بتوضيح اهداف المؤسسة والطرق المتبعة في انجازها والى جانب هذه المهمة للغة هناك نمط آخر من الاتصال اللغوي مرتبط بالعلاقات والطقوس الاجتماعية والاحتفالية والمناسبات داخل المؤسسة سواء على الصعيد الثنائي بين العاملين أو على صعيد علاقة المؤسسة بموظفيها وعملائها.
اما الوظيفة الثانية للغة داخل المنشأة فهي وظيفة معرفية تكون فيها اللغة نظام من الاشارات تستخدم لبناء المعلومات المعرفية في المؤسسة وهي تستمد مادتها من الوثائق المكتوبة على وجه التحديد.
هاتان الوظيفتان الاتصالية والمعرفية للغة في المنشآت تصف اللغة وتقدمها على انها نطاق من التمثيل الخطابي والمعرفي متلازمان في عملية ديناميكية من تبادل التأثير.
وفي هامش أرحب من الشرح يمكن توضيح العلاقة بين الوظيفة التخاطبية للغة، التي تعتمد على المحادثة والسؤال والمناقشة من جانب والوظيفة المعرفية للغة المتمثلة في بناء المعلومات لدى مجتمع المؤسسة من خلال الكم الهائل من المعلومات والمواد المكتوبة او المصورة التي يتصلون بها من جانب آخر بأن الاولى تتأثر بما لدى مجتمع المؤسسة من تصور وتمثل معرفي ومعلومات عن مهامهم.
فالحديث الذي يدور بين موظفين احدهما قديم في المؤسسة وآخر حديث عهد بها تكون لغة الاول ذات تمثيل واضح لحجم معلوماته ومعرفته عن عمله، بينما تفتقد لغة الآخر الى هذا التمثل المعرفي.
اذا حاولت ان تكون اذنك حساسة منذ دخولك مكان عملك فانك ستسمع الكثير من المفردات والتعبيرات اللغوية تقال في مواقف متغايرة تعطيك انطباعا عن حال سير العمل وطبيعة العلاقة التي تربط مجتمعه وتجعلك تتوقع عراكا يدور بعد لحظة من مجرد سماعك خطابا اتصاليا يجري بين اثنين أو أكثر من زملائك كما تستطيع ان تتوقع جلسة عمل حامية الوطيس بمجرد ان يبدأ أحدهم في التعقيب على ما قلته او ما قاله زميل آخر في العمل.
انك تشنف اذنك يوميا بعبارات تنطلق من هنا وهناك لا تملك الا ان تسمعها واحيانا تكون منتجا لها من امثال.
التحايا اليومية، لا حظوا انها قد تنضح بعبير الود او تنطق بخلاف ذلك.
المعاملة لم تنته بعد
المشروع تحت الدراسة
راجعنا بكره
لي وجهة نظر مختلفة
امرك يا طويل العمر
اعطني وقت أطول للانجاز
الميزانية لا تكفي.
صرفوا هذا المتصل لا اريده
هذا حقي.
لو سمحت يا طويل العمر
وغير ذلك من عبارات متكافئة، وأخرى آمرة، وثالثة متزلفة ورابعة مستجدية وخامسة تتلمس طريقا نحو العدل.
خلف كل تعبير من هذه التعبيرات التي تحملها الوظيفة الاتصالية للغة تكمن قصة نجاح او فشل والتعرف على السياقات التي تستخدم فيها اللغة تجعلنا نتعرف على اجواء الانتاج في بيئة العمل ونحدد مستويات الأداء الى حد كبير بناء على مستويات الخطاب اللغوي المستخدم.
وحتى حدث تغير ايجابي في نمط الاتصال اللغوي علينا ان ندرك ان هناك تغيرا ايجابيا يحدث في مستوى وعي ومعرفة الموظف بمهام عمله.
وعلى الرغم من ان قبول المتحدث من عدمه هي مسألة انطباعية ذاتية،
فان مستوى اللغة التي يتواصل بها معك ويمثل بها عمله ويؤدي بها مهمته تجاهك تفرض عليك احترامه. وبالتأكيد فان الدورات التي تقام للموظفين الذين لهم علاقة بالجمهور تؤتي ثمارا طيبة ولكن ذلك يشبه الى حد كبير المهدئات التي تعطى للتغلب على مواجع معينة ولكنها لا تعالج أساس الداء.
والوصول الى دواء نافع وناجع يتطلب فحصا وتحديدا دقيقا للداء ومسبباته وابعاده وهذا مثال يصدق على حالتنا التي نناقشها فنحن لسنا في حاجة الى عقد دورات لتطوير قدرات فئة معينة من الموظفين للتعامل مع الجمهور فقط،
قد تنجح ولكنه نجاح معرض للاضطراب فهذا الموظف لا يتعامل مع الجمهور فقط ولكنه يتعامل مع زملائه ورؤسائه.
وبالتالي فان موظفا يستقبلك بابتسامة عريضة صادقة او كاذبة هذا لا يعنينا ويتحدث معك بلغة محترمة لا نتوقع منه ان يستمر على هذا المنوال ان كان يذهب الى رئيس لا يجيد استخدام اللغة نفسها فيقابله مقطب الحاجبين بعد كلماته ويسترسل في التثبيط ناهيك عن الاحباطات المتتالية في الفرص وتكافئها ونحو ذلك.
ان دراسة لغة الاتصال داخل المنشآت سوف يتيح لنا وسائل جديدة وفاعلة في تقويم أداء لكل المنشآت وتطويره ومتى استطعنا التعرف على مستوى الاتصال اللغوي ونوعه، وتمكنا من تشخيصه في مستوياته الدلالية والنحوية والصوتية، وتعرفنا على طبيعة المواقف التي تنتج فيها اللغة واخذنا في الاعتبار الأمزجة التي تكتنف المتحدث حين انتاجه للغة، فاننا بذلك نستطيع ان نحدد مستويات معيارية للأداء اللغوي نقيس على ضوئها جودة الأداء العملي ودرجة تحقيق الأهداف في المنشآت الحكومية والأهلية.
ان دراسة الاتصال اللغوي داخل المنشآت يمكن ان يكون باستخدام طريقة موضوعية او ذاتية او طريقة دراسة اللغة من خلال التفاعل الرمزي كما اورد ذلك Pierre Cossette في بحثه : دراسة اللغة في المؤسسات.
فالطريقة الموضوعية معنية بدراسة اللغة المنتجة دلاليا ونحويا وصوتيا بغض النظر عن البيئة التي تقلي فيها والمزاج الذي يعتري المتحدث.
أما الطريقة الذاتية فانها تركز على التجارب الأساسية الشخصية الفريدة للعاملين. وهي أداة تقوم على فلسفة مؤادها ان خلف أية ممارسة لغوية معان ليست بالضرورة هي نفسها عند كل شخص يستخدم المصطلحات والتعبيرات والكلمات ذاتها.
أما الاداة الثالثة فهي أداة تقوم على فرضية تقول ان اللغة يمكن ان تكون مفهومة فقط من خلال السياق في الموقف التفاعلي الذي تنتج فيه.
واذا كانت الطريقة أو الاداة الأولى مناسبة للغويين فان الثانية مناسبة للنفسيين اللغويين اما الثالثة فانها توشك ان تجمع بين الفئتين متى توفرت لها عوامل نجاح أخرى.
ان الباحثين والمهتمين يغفلون ميزانا جديرا بالاهتمام، وحقلا خصبا يمكن ان يؤدوا من خلاله خدمة كبيرة في التطوير الاداري والاتصالي واللغوي بأقدار مختلفة ولكنها متكاملة.
* واشنطن

أعلـىالصفحةرجوع
















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved