رئيس التحرير : خالد بن حمد المالك

أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Wednesday 7th March,2001 العدد:10387الطبعةالاولـي الاربعاء 12 ,ذو الحجة 1421

مقـالات

عقوبة السجن ليس من أهدافها إهانة المسجون ولا الانتقام منه نفسياً أو بدنياً)67(
مضواح بن محمد آل مضواح
إن إنشاء وكالة للرعاية اللاحقة للسجن، ومنها الرعاية اللاحقة للإفراج، بوزارة الداخلية مهمتها تنظيم جهود هذه الرعاية داخل السجون وخارجها من شأنه ان يقضي حتما على هذه السلبيات وغيرها من السلبيات المترتبة على وجود الرعاية اللاحقة للإفراج في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، ومن شأن ذلك ان ينظم ويركز الجهود ويختصر الوقت والمصروفات، ويساعد على دمج المفرج عنهم في الوسط الاجتماعي الطبيعي.
ولا يمكنني ان أصف النتائج الإيجابية لتحويل الرعاية اللاحقة للإفراج من وزارة العمل الى وزارة الداخلية لتقدم ضمن الرعاية اللاحقة للسجن بأكثر من القول إن هذا الإجراء لو اتخذ فإنه سيحقق ، على الوجه الأكمل، ما يصبو اليه سمو الأمير نايف بن عبد العزيز من رعاية للسجناء المفرج عنهم وخفض أعداد العائدين الى الاجرام بعد الإفراج عنهم. وأنا على يقين بأن العقل التنظيمي لسمو الأمير محمد بن نايف وقد أصبحت السجون مرتبطة به مباشرة خليق باستنتاج مزايا أخرى لهذا التنظيم لو تم ستصب في مصلحة الأمن، وجدير بالتنويه ان تحويل الرعاية اللاحقة للإفراج من وزارة العمل الى اختصاص وزارة الداخلية سيخفف العبء عن وزارة العمل كي تركز على تقديم رعاية أفضل للأسر والأفراد الذين ترعاهم بما في ذلك الأسر التي سجن عائلها.. ولا شك ان هذا الإجراء يحتاج الى خطة مبنية على تصورات واقعية ليس هنا مجال استعراضها.
وحين يتعامل المنفذون مع السجناء والمفرج عنهم من منطلق ان الرعاية اللاحقة للسجن هي «الجهود الهادفة الى رعاية السجين من النواحي البدنية والنفسية والثقافية والمهنية والاجتماعية والأسرية والمعيشية وما يرتبط بها من جوانب من شأنها المساهمة في إصلاحه وإعادة تأهيله، وتستمر هذه الرعاية بعد الإفراج وفق حاجة المفرج عنه حتى يستغني عنها بقصد مساعدته على الاندماج في المجتمع بعد الافراج عنه ليحيا حياة منتجة ويعيش في توافق مع نفسه ومع مجتمعه ويتغلب على المشاكل التي سوف تعترض طريقه في الحياة المستقبلية».
وحين يصبح هناك جهة معينة بهذه الرعاية في وزارة الداخلية ترسم الخطط والبرامج، وتوفر المتطلبات المادية والكوادر البشرية المتخصصة لتنفيذها، فإن الرغبة الإنسانية الأكيدة لسمو وزير الداخلية في تحويل السجون الى مؤسسات إصلاحية لفظاً ومعنى ستتحقق، وحينها تصبح الرعاية اللاحقة للسجن عملية لا تختلف عن الرعاية الاجتماعية العامة لباقي المواطنين إلا من حيث كونها تقدم لإحدى الفئات الخاصة وتنفذ في اطار برنامج مرسوم للاصلاح وإعادة التأهيل.
ولا بد ان يدرك ويقتنع العاملون في السلطة القضائية والسلطة التنفيذية ان الرعاية اللاحقة للحكم بالسجن لا يمكن ان تكون ناجحة إلا إذا نفذت على مراحل تتخللها عمليات للتقييم وليس مجرد مجموعة من الأعمال تنفذ لغرض التنفيذ فقط، فإذا أظهر التقييم ان هناك خللا أو اعوجاجا في التنفيذ فلا بد من اتخاذ الاجراءات الكفيلة بتقويم ذلك الاعوجاج. وإن أظهر التقييم ان الأمور تسير كما هو مطلوب كان ذلك بمثابة الحافز للمنفذين على مواصلة جهودهم، فالجهود التي تبذل في هذا المجال ما هي إلا مدخلات، وما يظهر من نجاح في إعادة تشكيل سلوك السجناء إيجابيا ما هو إلا مخرجات تمثل كفاءة العاملين في السلطتين القضائية والتنفيذية، وتنتظم فائدتها للمجتمع بأفراده ومؤسساته الأهلية والحكومية.
بعد هذا التمهيد للقسم الثاني من أقسام برنامج الإصلاح وإعادة التأهيل ندلف الى مضمون هذا القسم لنجد أنه لابد ان يكون على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى الرعاية العاجلة: وتتناول هذه المرحلة الجوانب الطبية والنفسية والاجتماعية وتقدم بشكل مترابط من قبل أشخاص مؤهلين أكاديمياً وعملياً ومهنياً.
ففي المجال الطبي يقوم الطبيب بالكشف على السجين للتأكد من خلوه من الأمراض المعدية قبل دمجه في مجتمع السجن، وتقديم المساعدة الطبية العاجلة له، وفي المجال النفسي والاجتماعي يقوم المتخصصون ببحث الحالة الراهنة للسجين، وتهدئة انفعالاته، وتحديد المشاكل والأسباب والعوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية التي دفعت السجين الى السلوك الاجرامي، وتحديد الجهة التي يميل اليها منحنى التفضيل القيمي، وإذا دعت الحاجة الى مزيد من المعلومات فيمكن جمعها من سجله الصحي ومن أسرته وأصدقائه، بشرط الحصول مسبقا على موافقة اختيارية من السجين.
ومن دلالات التنظيم الصالح في السجون، وعلامات الحرص والأمانة لدى فريق العمل هذا أن ينجز أفراده إعداد ملف لشخصية السجين الى جانب الملف الجنائي للقضية يشتمل على تقرير واقعي ونزيه يوضح فيه كل شيء عن شخصية السجين وما ظهر من الأسباب والعوامل التي دفعته الى السلوك الاجرامي، ومن دلائل الوعي والنزاهة والدقة القضائية ان ينظر القاضي الذي يتولى تكييف الواقعة والحكم فيها الى ملف الشخصية هذا، جنبا الى جنب مع الملف الجنائي حتى يكون مفهوما صحيحا عن شخصية السجين في جميع مراحله العمرية من خلال معرفة تنشئته الأسرية والتربوية والمعيشية، وطبيعة تنشئته الاجتماعية، وظروفه الصحية جسميا ونفسيا وعقليا، لكي ينجح في اختيار الطرق العلاجية المناسبة لتعديل سلوك الجاني. وبغير ذلك فان الدواء الذي يصفه القاضي والمتمثل في العقوبة قد يزيد الداء ويضاعف الآثار والأعراض الجانبية للعلة والدواء على حد سواء.
المرحلة الثانية الرعاية التأهيلية:
بعد دمج السجين في المجتمع تتحول جهود الرعاية العاجلة الى جهود علاجية تأهيلية تتناول الجوانب الآتية:
1 التأهيل النفسي: وفيه يستعمل الأخصائي النفسي طرق العلاج والإرشاد النفسي لمساعدة السجين في التغلب على مشاكله النفسية، مثل فقد الثقة بالنفس، والخوف من الوصم، والشعور بالاكتئاب والقلق والميول العدوانية التي غالبا ما يكون المسجون مصابا بها، مع الأخذ في الحسبان جميع المعلومات التي تم تسجيلها في مرحلة الرعاية العاجلة وتلك التي تم إثباتها في ملف الشخصية وعرضت على القضاء مع الملف الجنائي.
ومن المهم الاستمرار في تسجيل اي معلومة جديدة وإجراء المراجعة الدائمة لملف الشخصية للتعديل والاضافة حسب حالة السجين ومدى تقدمه في تعديل سلوكه واستجابته لبرامج التأهيل.
ويهدف التأهيل النفسي الى ترميم مكونات الشخصية وإعادة التوازن اليها، وإذا كان السجين يعاني من الاكتئاب الحاد او الهوس والهيجان فلا بد من الاستعانة بالطب النفسي، فيتخذ الاخصائي النفسي قرارا بإحالة السجين الى اخصائي الطب النفسي ويكون خطاب الاحالة مشفوعا بجميع المعلومات التي تم جمعها عن تاريخ الحالة وتطورها وارتباطاتها.
2 التأهيل الاجتماعي: وفيه يعيد لاإخصائي الاجتماعي وصل السجين بأسرته وجتمعه ودمجه في النشاطات داخل السجن، ومعالجة العوامل الاجتماعية التي أدت الى السلوك الاجرامي. ومن المهم ان يشعر السجين ان المؤسسات الاجتماعية المعنية قد أحيطت علما بأن أسرته قد فقدت عائلها، إذا كان هو العائل لها، وفي مقدمة تلك المؤسسات الضمان الاجتماعي.
وتتضمن عملية التأهيل الاجتماعي للسجين توضيح أهمية الامتثال للمعايير الاجتماعية في المحافظة على أمنه الشخصي وأمن مجتمعه، وكذلك توضيح أنسب السبل لإشباع غرائزه البيولوجية وحاجاته المكتسبة، وتعريفه بأهمية الأدوار الاجتماعية التي يؤديها في مجتمعه، وكيفية تجنب الصراع الناتج عن العوائق التي تعترض سبيله في الحياة، وضرورة تعامله بكفاءة وحكمة وتوازن مع عوامل الضغط على السلوك.
وفي هذا الجانب من الرعاية التأهيلية ينبغي على العاملين في السلطتين القضائية والتنفيذية ألا يحملوا مفهوم عقوبة السجن في الإسلام ما لا تحتمل، فإذا كان بعض فقهاء الإسلام قد عرف عقوبة السجن بأنها «تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه» فإن ذلك لا يعني أن السجين قد تحول بمجرد الحكم عليه بهذه العقوبة الى ما يشبه المادة المجردة من العواطف والأحاسيس والحاجات الفطرية والمكتسبة، ولتلافي أثر هذا المفهوم لعل من الأفضل لو قلت: القضاء على هذا المفهوم لا بد من نقل أنشطة اجتماعية تحدث خارج السجن الى داخل السجن ومنها المحاضرات، والندوات العلمية والأدبية.
وتتحمل الأندية الأدبية والجامعات مسؤولية أخلاقية وإنسانية تجاه أمن المجتمع وتجاه السجناء ستظل مقصرة في أدائها الى ان تحتل السجون مكانا في جداول أنشطتها.. فما أعظم ان تضيف الأندية الأدبية الى دورها الرومانسي المبالغ فيه أدوارا أخرى فترتب الندوات والمحاضرات التي تتناول مشاكل المجتمع بالتحليل والتوضيح، ومجتمع السجن قسم مهم جدا من هذا المجتمع!.. وما أروع ان تستجيب الجامعات لصارخ الحق والواجب لنشر العلم والثقافة في كل مكان من الوطن وتسهم في جهود وزارة الداخلية لإصلاح وتأهيل السجناء فتنظم محاضرات علمية داخل السجون يلقيها أساتذة الطب وفي علم النفس وعلم الاجتماع! وما أجمل أن تساهم الشؤون الصحية بدور في التثقيف الصحي داخل السجون، فتقوم بالتوعية الصحية من خلال عرض الأفلام السينمائية والشرائح وأفلام الفيديو المصحوبة بالشرح العلمي المتخصص لتوضيح مضار بعض العادات التي كثيرا ما يقع فيها السجناء قبل وبعد دخولهم الى السجن!، ويا حبذا لو قامت الجمعيات الخيرية والمراكز الاجتماعية الأخرى بترتيب وتنظيم لقاءات بين السجناء وذويهم وأصدقائهم تتخللها بعض المسرحيات التي تعرض مشاكل السجناء وتقدم الحلول العملية لها، الى جانب الفولكلورات والأنشطة والهوايات الهادفة! ويا ليت مجتمعنا يطل بوجهه الجميل وببعض الهدايا على أبنائه السجناء في الأعياد والمناسبات الوطنية!.
إن من شأن ذلك كله أن يقوي من ارتباط السجناء بمجتمعهم، وانتمائهم لتراث أمتهم وتمثلهم لعاداتها وتقاليدها الحسنة، ومن شأنه ايضا ان يحول دون حدوث فجوة فكرية وحضارية بينهم وبين المجتمع فمن يُغيَّب عن مسيرة التطور والحراك الاجتماعي بضعة أشهر، فضلا عن المدد الطويلة، لا بد ان يتأخر عن هذه المسيرة بقدر عزلته عنها. وكل ذلك أيضا ليشعر السجناء أن لهم قيمة في هذا المجتمع وأنهم لم يستأصلوا منه، وهذه أمور لو تحققت لدفعت السجناء الى احترام مجتمعهم، والندم على ما بدر منهم، والشعور بالخجل من معاودة الإجرام..
ان ما يبذل من جهود في هذا الاتجاه يعود بالنفع على جميع أفراد المجتمع، فكل واحد منا مرشح لأن تكون الجريمة القادمة موجهة الى مصلحة من مصالحه، وبإمكانه أن يدرأ حدوثها من خلال المشاركة في إصلاح السجناء وإعادة تأهيلهم.
3 التأهيل الصحي:
يأتي كثير من المسجونين وهم مصابون بأمراض مختلفة، كمرض السكري وأمراض القلب وجهاز الدورة الدموية، أو الأوبئة والديدان، والهزال الناتج عن نقص العناصر الغذائية، أو أمراض اللثة والأسنان، أو الالتهابات الحادة في أجهزتهم التنفسية والهضمية وغيرها.
وقد يصاب السجناء بأمراض داخل السجن مثل الرمد والدرن والتهاب الكبد الفيروسي، والتقرحات الجلدية المتقيحة الناتجة عن الاصابات او عن تنفيذ عقوبة الجَلْد . لذلك يبرز عظم المهمات الملقاة على عاتق الخدمات الطبية، إذ ليس من الممكن ان تتم المحافظة على الحالة الصحية لمئات من البشر يعيشون تحت سقف واحد، وفي ظل ظروف بيئية خاصة دون توافر الأطقم البشرية المتخصصة، والأجهزة والأدوية والمواد الطبية الكافية.
وفي هذا المجال يقوم الطاقم الطبي بالدور العلاجي للأمراض التي قدم السجناء وهم مصابون بها، وبالدور الوقائي عن طريق التحصينات والرش الميداني والتوعية الصحية للتقليل من إصابتهم بالأمراض داخل السجن.
ويقع على المراقبين الصحيين في السجون جانب كبير من المسؤولية الأخلاقية في مراقبة تنفيذ الشركات والمؤسسات القائمة لأعمال الصيانة والنظافة لبنود وشروط العقود المبرمة بينها وبين الإدارة المشرفة على السجون، ويضطلع اخصائي التغذية بمسؤولية الحرص على تقديم الوجبات الغذائية الكافية كماً وكيفاً ومراقبة سير عمل الشركة المنفذة لعقد تغذية السجناء.

أعلـىالصفحةرجوع















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][البحث][الجزيرة]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved