أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Friday 9th March,2001 العدد:10389الطبعةالاولـي الجمعة 14 ,ذو الحجة 1421

مقـالات

الطواف والسعي في عين شاعر
إبراهيم بن علي الدغيري
هذان النسكان؛ الطواف بحركته الدائرية الفسيحة، والسعي ببعده الافقي الممتد؛ احتلا في ديوان الشعر الإسلامي مكانا متوسطا، حيث صور الشعراء جملة من اللقطات التي رأتها أعينهم، أو استحضرتها أخيلتهم، كانت كفيلة بأن تشكل بمجموعها جزءا لا بأس به من ديوان الحج.
والذي جعل حضورهما جيدا، أنهما نسكان مشبعان بالذكريات التاريخية الحاسمة والمؤلمة في تاريخ النبيين إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم فالمطاف شهد وديعة إبراهيم،تصلاها الشمس الحارقة في واد قفر، والمسعى شهد ركضة هاجر، وهي تلهث باحثة عما تسد به أوام الصائح الرضيع، ثم هما شهدا تاريخ الكفاح المريرالذي خاضه محمد صلى الله عليه وسلم مع عشيرته ليثنيهم إلى عبادة الله، فكم مرة آذوه في المطاف، فصاح داعيا لهم من فوق الصفا..، وعدداً من المواقف الحاسمة التي حدثت وارتبطت بهذين الموضعين، ))ولعل من حكمة ذلك، أن جعل الله الطواف باتجاه الماضي، وعكس عقارب الساعة (( )1( ؛ لترتد الذاكرة الى تاريخ ومواقف أولئك الأكابر. أما حينما يطوف المسلم أو يسعى فإن تلك الأحداث تنهض في مخيلته فتكسر حدة شعوره وتصبغ روحه بالخشوع والخضوع وبالمقابل فانها تملأ نفسه بالعزة والشموخ، وهو حينما يسعى ويطوف، لحظات خالصة من تصور الوحدة الإسلامية، التي طالما سمع عنها في كتب الحث على التعاضد والاتحاد، إنه مرتبط بتلك الأنساك عبر تكوين عقلي وثقافي وديني مميز.
ولذا، فهو يحيا متعة طواف تقصر دونها المتع الحياتية الأخرى، إنه ))يتمحور حول البيت العتيق، عتيقا من كل حواجز التاريخ والجغرافيا(()2(، لينعم بالأنس به، والتطواف حوله ؛ بلا منغصات :)3(


كم سبانا المطاف كالحلم سرنا
بين أكنافه الوضيئة فجرا

والطائفون بالبيت تتعاقب دوراتهم بلا انقطاع، سرب منهم لايني يطوف، وآخر يقطع دورته ليلثم الحجر:)4(


والناس من حول بيت الله أفئدة
هذا يطوف وهذا يلثم الحجرا

إنهم يحاكون تلك حركة الكون السائر على نظام اللف والدوران، وشواهد هذه النظرة مرئية في الأكوان، هكذا يعبر ضياء الدين رجب: )5(


والطائفون الحائمون تعاقبت
دوراتهم ما صدهن زحام
سر الحياة ورمز كل مسيرة
فالكون أجمع دورة ونظام
والشهب حول الشمس في أفلاكها
دوارة. ما للحياة دوام ...

وحين يقوم المسلم بتنفيذ أوامر الله، فإنما يمارسها بخضوع وتسليم خالصين، ولو رام التهرب من ذلك فإن روحه تحاور في دروب الضيق والاغتراب، فإذا عاود ممارستها قرت بلابله، وسكنت منغصاته، وسبحت روحه في نعيم السكينة واليقين، وهكذا يعبر أحمد باعطب، بغنائية وافية:)6(


أطواف بيتك يا خالقي
وروح السكينة في خافقي
وأدعوك يارب أنت المعين
فنور فؤادي بنور اليقين

والمرء يشعر بنور روحاني، وأنس رحماني، ينبعث من نفسه حين يحوم حول البيت، مستشعرا الوحدة الإسلامية التي تطوق الجميع في ظلال الحرم، إن المطاف لدليل راسخ على وحدة المسلمين:)7(


فإذا طاف في الرحاب تولاه
شعور من الهدى معطاء
ها هنا انه ونعمي لياليه
هومن طبعه التقى والوفاء
ها هنا المؤمنون قلب لقلب
واتحاد يشدهم وإخاء

والمطاف هو مصطخب الملبين الخشَّع، ومضطرب الطائفين الرتع، الذين يمورون كموج البحر، متراصة أجسامهم، متعالية أصواتهم، يتهادى سير الزحام بهم وقلوبهم معلقة بخالقهم طمعا بالقبول، حتى إذا ما انتهوا من حرِّ الطواف؛ أطفؤوا عطشهم ببرودة زمزم:)8(


حجيج كموج البحر في زحمة التقى
يلبيه رب العالمين إذا لبى
يطوفون حول البيت يدعون خشعا
ويعلو أريج الذكر كالمسك إذ هبا
تناجيك من أحلامهم لوعة الصدى
وقد نهلوا الرقراق من زمزم شربا

والذي حدا الشعراء على التغني الطويل بالطواف، ركونه من أماكن الإجابة، ثم هو من أفضل المشاعر، فجلال الرحمان يرفرف على رؤوس الطائفين به، وأنت ترى فيه التجسيد الحقيقي للوحدة بين سراة المسلمين ودهمائهم، حين تلتقي عيونهم بعيونهم، وتحتك أجسامهم بأجسامهم، فتتجسد بينهم وحدتهم التي طالما علقت بها أذهانهم ولم تنعم بها أجسامهم.
وبسبب من ذلك تلجُّ بك الذكرى إلى أيام الرسول وصحبه، وكأنك ))ترى بلالا يصعد الكعبة، بساقيه السوداوين، ليعلن نداءالتوحيد والمساواة، وتتعاظم مكانته وتتعاظم، ليدوس بقدمه سطح الكعبة ويصبح سيدا، فالإنسان المؤمن أكرم من كل شيء(( )9(، لقد التفوا حول البيت بلباس أنساهم فوارق الطبقات، ثم صهرهم في بوتقة التواضع، والخشوع والتضرع، فانتفى عنهم السوء والخبث، عن كل هذا يعبر محمود عارف في هذه النونية :)10(
أيها الطائفون بالبيت هذا
مستراد الدعاء والغفران
هو من أفضل المشاعر يغشاه
جلال المهيمن الديان
منسك للحجيج في قربة الطائف
ينضو مطارف الأحزان
يرتدي أبيض الرداءفأكرم
بشعار محبب في العيان
حلية الطائفين لا فرق فيه
بين مثر ومعوز أسوان
أقبلوا في تواضع وخشوع
بقلوب تشكو من العصيان
ونداء الجميع لبيك يسري
في الدجى حالما كرجع المثاني
يسألون النجاة والله يعفو
عن كثير مما أتاه الجاني
إن مشهد الطُّواف يقبلون الحجر
بحماس وولهٍ لا نظير لهما، يذكر بمرأى الهيم العطاش، تتدافع لتنال ما تطفئ به وقدة الظمأ في حمَّارة القيظ، )) لا يستطيع قلم ولا لسان أن أن يصف لكم هاتيك العواطف السماوية التي تملأ قلب المسلم . إنه يطوف بالكعبة، فيخرج من حاضره وينسى دنياه، ويرى أمامه هذا الموكب الطويل يمتد خلال الزمان، فيبصر الخلفاء تمشي معه، والصالحين والعباد والأئمة،.. ويبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يمشي على أثره، يدور من حيث دار، ويضع شفتيه موضع شفتي محمد الحبيب على الحجر الأسود.(()11(، والطائف بالبيت ينظم نفسه ))في طابور عمره أربعة عشر قرنا لم تتوقف حركته قط منذ نزول الرسالة، طابور طاف فيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والصحابة.. وكرام الخلق. وبحر متدفق من الأزل إلى الأبد(( )12( ولذا، لا عجب أن يتدافع الناس
على تلك المنازل العابقة بالرحمة والتفرد والتاريخ:)13(


فأقبلت تلثم الأركان في وله
وتلمس الحجرالأسنى وتستلم
تطوف بالبيت والآمال تدفعها
لنيل مغفرة يأتي بها الندم
تقبل الكعبة الشماء تغسلها
من الدموع وبالأستار تلتزم
تسعى إلى الله ترجو من فضائله
فمنه يبتدئ الغفران والكرم

وروح الشاعر حمزة بن فودة ، تهيم بربا الحرم بجلبة وصخب، ثم تراجع لتستحيل إلى انين مضن،يدل على شبح مدنف ولهان، يهذي بمحبوبته باستمرار،ثم لا تطيعه روحه تجمح لتبصر قوافل الحجاج ذاهبة آيبة في رحاب الحرم، وحتى يذوب صوت الساعين في مسمعه، ليستحيل إلى لحن تمازج فيه طرب بخشوع :)14(
روحي تهيم على رباك وتستحيل إلى أنين
وتطل بالشوق الجمو
ح إلى روابى القاصدين)15(
ويذوب في أذنى لح
ن من سعادة الخاشعين
وكأن موسيقى الخشو
ع ترن في أحلى رنين
الحاج حين تحمله رجلاه سعياً بين الصفا والمروة، هرولة بين العلمين الأخضرين، فإنه يعيش حالة من ذكرى عريقة تمس وجدانه، فتحدث به ندوبا وآثارا تبقيه في حالة خشوع وانكسار، ربما امتدت إلى ما بعد السعى بين المروتين، إنه يستحضر ))طيف هاجر، وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها لرضيع في تلك الحرة(()16( الملتهبة حول البيت، وهي تهرول بين الصفا والمروة وقد نهكها العطش، وهدها الجهد وأضناها الإشفاق على الطفل.. ثم ترجع في الجولة السابعة وقد حطمها اليأس لتجسد النبع يتدفق بين يدى الرضيع الوضيء. وإذا هي زمزم. ينبوع الرحمة في صحراءاليأس والجذب.(()17(
))أحاول أن أتخيل من موقعي الآمن عذاب الابن الرضيع ولهفة الأم . اتجهت هاجر إلى مرتفع صخري، ارتقته، تطلعت من فوق الصفا إلى الأرض المحيطة به علها تجد عونا..
لكن.. لا أحد..
نزلت من الصفا إلى الوادي، رفعت ذراعها، سعت بتثاقل، سعي الانسان المجهود، حتى إذا تجاوزت الوادي؛ وصلت إلي المروة، وقفت على صخرها، أحالت النظر، ولكنها لم تر مخلوقا، ما من معين.. عادت تسعى إلى الصفا، ثم إلى المروة.. أم ملهوفة ظامئة متعبة، وليدها يدنو من على مسمع منها..
سبع مرات سعت بين الصفا والمروة، حتى إذا سمعت صوتا. جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس أنها رأت ملكا، وأنه كان يقف عند موضع زمزم، وكان يضرب الأرض بجناحيه فيتفجر الماء (()18(.
وقريبا من أوصاف هذين الناثرين، جاءت أبيات ضياء الدين رجب، لتصور حالة الساعي بين المروتين، حين تهيج به الذكرى إلى الأم الحائرة هاجر، والرضيع الظمآن إسماعيل، عازفة نفس هذا الشاعر عن كل الصوارف التي تشوق النفس، حتي لو كان جيد عيطاء آسرة،إنه مشغول بالتكبير لله، والتفكر بحال الأم والوليد:)19(


وكبرت بين المروتين تهزني
مشاعر ضاءت في الحشا وشعائر
أحن إلى الأمواج دفاقة السنا
تساوي صغار عندها وأكابر
.. وذابت فروق كنت أرعى سماتها
فما ثم الا خاشع القلب ذاكر
فلا الحسن جذابا والا الطرف زائغا
إذا هند نضت جيدها أو تماضر
وهرولت يا نور الفؤاد كأنني
إلى حومة الهيجاءليث مغامر
وهاجت بي الذكرى إلى عهد هاجر
وفي المهد إسماعيل ظمآن حائر
تهدهده تسترفد الأرض ماءها
فأشرق غيث من ثرى الأرض هادر
وهلت بوادي الخير في سعي هاجر
فعاشت مع الذكرى الحبيبة هاجر

))أتذكر في سعي معاناة هاجر فيخف تعبي.. أتذكر في سعي آلام الرضيع، الظامئ، فأخجل من نفسي إذ يدركني وهني..
هذه المسافة التي نقطعها فوق الرخام الثمين المريح، قطعتها الأم الخائفة القلقة فوق الصخر المحمي..((:)20(
وبعد؛ فإن شعراء الحج تفاعلوا مع الطواف أكثر مما تفاعلوا مع السعى )21(، إن كل أمر يرتبط بالكعبة فإن كعبة دوما تعلو وهم أيضا مع ذلك لم ينسو السعي، غير أنهم في أماكن عدة يقرنونه وكأنهما شيء متحد:)22(
قسم الأدب، جامعة الإمام
هوامش
)1( في رحاب الحرم 79.
)2( في رحاب الحرم 30.
)3( مكتبي قبلتي25، والبيت لأحمد قنديل .
)4( ينابع الربيع، لمحمد حسن العمري ص 151.
)5( ديوان ضياء الدين رجب 383.
)6( عيون تعشق السهر 141.
)7( مكتبي قبلتي 226، والأبيات لأحمد عبدالسلام غالي.
)8( على درب الجهاد 22، لزاهر الألمعي .
)9( في رحاب الحرم 27.
)10( ترانيم الليل 1/654.
)11( من نفحات الحرم 56
)12( حمام الحمى 8
)13( عيدك وقت الرحيل 51 لحسين النجمي
)14( شوق وحنين 25
)15( جاء في الديوان " روابي القاصدين : الكعبة المشرفة والمطاف وما حولهما
)16( وصف منطقة الكعبة بالحرة لا يصح، وإنما هي في واد قفر غير ذي زرع، وهناك فروق جغرافية كبيرة بين الوادي والحرة
)17( في ظلال القرآن2419
)18( من حمام الحمى 21
)19( ديوان ضياء الدين رجب 382
)20( حمام الحمى 24
)21( انظر شواهد أخرى، في:
أحمد الغزاوي وآثاره الأدبية 851،1713،1726، وحي الفؤاد 138، الأعمال الكاملة لمحمد جدع 158، 737، الطيف العابر 15، ترانيم الليل 2/260، سطور على اليم 214، أحداث الحرم المكي الشريف 48، مجموعة النيل 272. 472، ظلال ولا أغصان 128، المجموعة الكاملة للعلاف 447، رباعيات محمد علي مغربي 163،240 مكتبي قبلتي 71.
)22( انظر أمثلة ذلك في:أحمد الغزاوي وآثاره الأدبية 1151،1505، 2674، وحي الفؤاد 159، الفردوس الحالم 54، الأعمال الكاملة لمحمد بن علي السنوسي 40، نفحات من طيبة 241، من روابي عسير 95، مكتبي قبلتي 192، الأعمال الكاملة لمحمد جدع 401.



أعلـىالصفحةرجوع














[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved