أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Wednesday 9th May,2001 العدد:10450الطبعةالاولـي الاربعاء 15 ,صفر 1422

مقـالات

رؤي وآفاق
عبارات لا يَسْتَنْفِدُهَا الزمن
د. عبدالعزيز بن محمد الفيصل
ما أكثر ما ينطق به الناس في يومهم وليلتهم، على امتداد التاريخ فمنه ما يبقى وهو القليل، ومنه ما يُنْسى وهو الكثير، وعندما ننظر في الباقي نحتار في أمره وفي سبب بقائه، فقد يكون السبب في البقاء الإعداد والتهيئة، مثل ما يرد في الخطب والقصائد وقد يكون غير ذلك، ومن هنا يطول بنا التساؤل عن سبب تأثير العبارة ونقلها، فقد تسمع العبارة في مجلس أو ناد، أو على ماء، فتنقل وتحفظ وتتواتر بها الرواية، وذاك دليل على نفاذها إلى القلوب، والاعجاب بها مثل قول أكثم بن صيفي )الأمور تتشابه مقبلة فلا يعرفها إلا ذو الرأي فإذا أدبرت عرفها الجاهل كما يعرفها العاقل( فهذه العبارة لا تَنْفَد بمرور الزمن، ومثلها كثير، فعبارة )الولايات مَضَامِير الرجال( حفظت لدلالتها على حسن تصرف من يتولى أمراً من أمور الناس أو إساءته، فالولاية تضع الرجل على المحك وتعريه أمام الناس، فإن كان محسناً فتح الطريق أمامه للبقاء، وإن كان بخلاف ذلك فعليه أن يخلي مكانه لغيره، وقد أحسن ولاة الأمر عندما حصروا الولاية في سنوات معدودة، فذاك أدعى للجد في العمل، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه )لا تؤخر عمل يومك لغدك(، ومن العبارات التي تشير إلى اختلاف القدرات )الناس معادن كمعادن الذهب والفضة( فإذا عرف معدن الرجل من خلال المضمار، فلا يرهق بعمل لا يلائمه وإنما يوجه إلى ما يوافق طبعه ومعدنه. ومن العبارات التي لم يستنفدها الزمن قول طرفة )عن المرء لا تسأل وابصر قرينه( وقول ابن مسعود رضي الله عنه )ما الدخان على النار بأدل من الصاحب على الصاحب( وقول طرفة أكثر سيرورة من قول ابن مسعود وإن كان طرفة أقدم، فعبارة طرفة ينقلها الجيل عن الجيل، وتنتقل من قرن إلى قرن بيسر وسهولة، لصدقها في نقل المعنى وموافقتها لكبد الحقيقة، فالأيام لا تنقصها وإنما تجددها لأن كل جيل يحتاج إليها، فبعد خمسة عشر قرناً من نطق طرفة بتلك العبارة ازداد الإقبال عليها والقناعة بها، فكم من عبارة قيلت في معناها على امتداد هذه القرون لم تستطع مزاحمتها أو أن تحل محلها. ومن تلك العبارات: )إذا عظم المطلوب قل المساعد( فهذه العبارة قيلت في القرن الرابع الهجري، وبقيت متجددة في كل قرن، يُتَمَثَّلُ بها على قلة المساعد في أيام الأزمات، فالإمام تركي بن عبدالله آل سعود عندما عزم على استرجاع ملك آبائه بعد الحملات الظالمة على الدولة السعودية الأولى لم يجد المساعد لأن مطلبه عظيم، فاعتمد على الله ثم على سيفه الأَجْرَد، وقد بدأ تأسيس الدولة بمفرده حتى رأى الناس فعله وشجاعته، فانضموا إليه وناصروه، وبما أنه صاحب رأي وشجاع فقد اهتدى بالعبارة القائلة )الرأي قبل شجاعة الشجعان(. وما بقاؤه في غار عُلَيَّة زمناً إلا من أجل اختمار الرأي، وعندما نهض لِمَطْلَبِه كان مقتنعاً بالعبارة القائلة )ولكن صدم الشر بالشر أحزم( وبالعبارة الأخرى )والدنيا لمن غلبا(. ومن العبارات السائرة بسيرورة الزمن )إياكم والبطنة فإنها مُكْسَلَة عن الصلاة مفسدة للجوف مؤدية إلى السقم( لقد قيلت هذه العبارة في القرن الأول في مجتمع يجاهد ويعمل، والبطنة فيه ليست متفشية، ومع ذلك فقد بقيت وسارت مع القرون حتى نقلت إلينا في قرننا الذي يحتاج إلى هذه العبارة، فالناس في زماننا أقبلوا على الدنيا، والإقبال على الدنيا أمر طبيعي، والدليل على ذلك قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه )الناس أبناء الدنيا ولا يلام الرجل على حب أمه( ولكن زيادة حب الدنيا والاندفاع في ملذاتها يولد البطنة، التي أشار إلى مضارها عمر بن الخطاب في عبارته السابقة، ويولد الهم والحزن )الرغبة في الدنيا تكثر الهم والحزن( وعلى الذين لم يصيبوا نصيباً وافراً من الدنيا القناعة بما هم فيه: )من أصبح معافى في بدنه، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزَت له الدنيا بحذافيرها( هذا قليل من كثير من العبارات التي لم يستنفدها الزمن، بل زادها بقاء وسيرورة وتألقاً.

أعلـىالصفحةرجوع










[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved