رئيس التحرير : خالد بن حمد المالك

أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانية الطبعةالثالثةاختر الطبعة

Tuesday 21st August,2001 العدد:10554 الطبعةالاولـي الثلاثاء 2 ,جمادى الآخر 1422

مقـالات

اكتساب اللغة الثانية وأثره على اللغة الأولى
د. سعد بن هادى القحطانى
يقول ابن خلدون : «إذا تقدمت في اللسان ملكة العجمة، صار مقصراً في اللغة العربية وذلك أن الملكة إذا تقدمت في صناعة بمحل، فقل أن يجيد صاحبها ملكة في صناعة أخرى» ص 455، ومعنى كلام ابن خلدون أن اللغة ملكة، أي أنها نظام يكتسبه الإنسان من المجتمع بالفطرة، ويكوِّن من خلاله «ذائقة»، أو «حساً»، يتمكن من خلاله معرفة الجمل الصحيحة والنطق السليم التي تتناسب مع قواعد تلك اللغة، ويستهجن التراكيب أو النطق الذي لا يوافق ذلك النظام. وهذه ملكة لدى الأطفال. وإذا رسخت تلك الملكة لدى الطفل أصبحت الكلمات حافظات ذكرياته، وصور أحاسيسه وانفعالاته واصبح بإمكانه تخيل الأشياء التي لا يعرفها، وعندئذ تصبح اللغة وسيلة تفكير وإلهام. وبما أن اكتساب اللغة ملكة وليست صناعة، فإن محاولة تعلم لغة أخرى «ملكة أخرى» يفسد الملكة الأولى «تعلم اللغة الأم»، وينشأ عن ذلك حالة وسطية ممتزجة من هذه وهذه.
ويرجع ابن خلدون سبب فساد الملكة اللغوية عند العرب في العصور السابقة إلى «أن الناشئ من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد «أي طرق التعبير عن المعاني»، كيفيات أخرى غير الكيفيات التي كانت للعرب، فيعبر بها عن مقصوده لكثرة المخالطين للعرب من غيرهم ويسمع كيفيات العرب أيضا، فأختلط عليه الأمر وأخذ من هذه وهذه فاستحدث ملكة وكانت ناقصة عن الأولى . وهذا معنى فساد اللسان العربي». ص 555.
والأمثلة التاريخية كثيرة فقد غلبت العجمة على اللسان العربي «حينما اختلط العرب بالبرابرة تكون لغة أخرى ممتزجة، والعجمة فيها أغلب». ومن أمثلة ذلك كما يرى ابن خلدون تغير نطق حرف القاف حيث أصبح ينطق قريبا من حرف الكاف على منهج البربر في كلامهم ص 558.
«ومن يتعلم لغة أخرى «ملكة»، غير ملكته الأولى فقل أن يحصل على «الملكة»، «أي الذائقة التي يستطيع من خلالها فهم واستخدام كل معاني اللغة الأخرى»، مادام سبقتها ملكة أخرى «اللغة الأم»، في المحل. وبذلك فإن ملكة اللغة الأخرى لا تحصل إلا ناقصة مخدوشة» ص 563.
وحصول الملكة اللغوية «القدرة على استخدام اللغة في جميع الاغراض بشكل عفوي، ونطق جميع حروفها وكلماتها كما ينطقها أهلها»، قلما يحصل بالتعليم. إذ أن الملكةلا تحدث غالباً بالتعليم ذلك أن الملكات صفات للنفس وألوان فلا تزدحم دفعة . وقل أن تجد صاحب صناعة يحكمها ثم يحكم من بعدها أخرى، ويكون فيها معاً على مرتبة واحدة من الإجادة. حتى أن أهل العلم الذين ملكتهم فكرية فهم بهذه المثابة. ومن حصل منهم على ملكة علم من العلوم وأجادها في الغاية فقل أن يجيد ملكة علم آخر على نسبته. بل يكون مقصراً فيه إن طلبه، إلا في القليل النادر من الأحوال. ومبنى ذلك سببه على ما ذكرناه من الاستعداد وتكوينه بلون الملكة الحاصلة في النفس» ص 375.
ويشير ميجل سجوان (Miguel Siguan) ووليم ميكاي (William Mackey)، في كتابهما «التعليم والثنائية اللغوية»، إلى أن «الشخص عندما يتعلم لغتين منذ الصغر فإنهما لن يكونا منفصلتين تماماً، بل سيحصل نوع من التداخل لصالح اللغة المسيطرة.
وبما أن اللغة كما أشرنا هي مطية الفكر، فإنه لابد من ارتباط التفكير بنظام لغوي واحد، حتى وإن استطاع الإنسان أن يعبر عنه بأكثر من صورة «أي أن مرحلة التفكير ترتبط بلغة واحدة، بينما يستطيع الشخص استخدام أكثر من لغة في مرحلة الإنتاج «أي التحدث»، ومعنى هذا أن الإنسان يوجد لديه نظام واحد فقط للمعاني، وغالبا ما تكون اللغة المسيطرة هي التي تحكم ذلك النظام، حتي وإن استخدم لغة أخرى في مرحلة التحدث.
وعندما يتعلم الطفل لغة جديدة في المدرسة فإن ذلك يخلق شيئاً من عدم التوازن الذهني، بسبب اختلاف الوضع الاجتماعي المعاش، عن الوضع «المقلد»، داخل المدرسة، وكذلك لاختلاف كل من اللغتين. فما يهم الطفل في هذه المرحلة المبكرة هو التعبير عما يدور بداخله دون محاولة فصل نظام كل لغة عن الآخر، ومن هنا يحصل التشويش الذهني، وربما يصاحبه بعض التوترات النفسية.
وتؤكد النظريات التربوية الحديثة منذ جان جاك روسو إلى بياجيه على أن البناء المعرفي لا يتم إلا عبر ربط المعارف الجديدة بالخبرات السابقة المستمدة من الحياة الواقعية التي يعيشها المتعلم خارج أسوار المدرسة. وعندما يشير المدرس إلى وردة أو لون أو صورة أم، وينطق بجمل تعبر عن هذه الصورة وتتحدث عن خصائصها المميزة فإنه يعتمد ضمناً على خبرة الطفل السابقة عنها. وإذا كانت لغة الطفل مختلفة عن هذه اللغة التي يتعلمها، فإن ما يقوله المعلم لن يستثير شيئا في خبرة الطفل السابقة، ولن يكون له أي أثر معرفي أو انفعالي حتى وأن استنتج الطفل ترجمة ما قيل. وبذا يكون عالم لغة الطفل التي يتعلمها في المدرسة ومعانيها منفصلا عن عالم خبرة الطفل السابقة خارج المدرسة ص 91.
ومن المثبت نظريا أنه لا يمكن المحافظة على التوازن في عملية استيعاب لغتين في وقت واحد «لغة ثانية مع اللغة الأم»، بحيث لا تطغى لغة على أخرى. ذلك أن عملية اكتساب اللغة هي عملية «ذهنية»، «نفسية»، في المقام الأول، ويحكمها دافعية المتعلم ومدى ميوله للغة دون أخرى.
ويدعم ذلك الميول ما يتعرض له الطفل أو «المتعلم»، من المؤثرات الاجتماعية بحظوة إحدى اللغتين من خلال المؤثرات الاجتماعية المحيطة به التي تجعله يميل إلى إحدى اللغتين بشكل لا إرادي، وبالتالي تحصل على اهتمام اكبر، وكما اشرنا إلى أن عملية التعلم تقوم على ربط المعارف الجديدة بالخبرات السابقة، فإنه لا مناص من تقديم خلفية كبيرة عن الثقافة الأجنبية التي تمثلها اللغة الثانية وعن حياة الناس الذين يتكلمون بها، بحيث تكون لدى المتعلم خلفية ثقافية عن تلك اللغة ليتم بناء عملية التعلم عليها. ص 97.
وهنا تبرز قضية مهمة جداً كما يشير سيجوان ومكاي وهي: قضية الانتماء الفكري. حيث ان استعمال لغة ما يعتبر مؤشراً رمزياً للانتماء أو الولاء للمجموعة التي تتحدث هذه اللغة، وذلك لارتباط اللغة بالفكر كما أسلفنا وهذا يعني في حالات كثيرة أن الشخص ثنائي اللغة سيواجه خيارات صعبة قد تهدد وتربك نموه وتوازنه. ومثال ذلك ما أثبته ساير (Saer)1923، من أن الأطفال الذين يتعلمون في ظل ثنائية لغوية يحصل لديهم ضرر في النمو الذهني، والشخصي، وبذلك ندرك أن الثنائية اللغوية لها جوانب سلبية كثيرة «ص 100».
ومن هنا فإنه يتوجب على المدرسة أن تعطي الأولوية للغة الأولى «اللغة العربية»، ليتمكن الطفل من الاتصال بالمجتمع المحيط «ذلك أن وظيفة اللغة بالنسبة للطفل في المراحل الأولى هي الاتصال فقط كما أسلفنا»، ثم أن اللغة الأولى لها أثر كبير على قدرة الطفل على تلقي العلوم الأخرى كالرياضيات، والتاريخ، والمواد الدينية، إلخ..، التي تقدم للطفل من خلال هذه اللغة في المراحل الأولى من التعليم.
وهنا مفارقة عجيبة يرتكبها أولئك الذين ينادون بتعليم لغة أخرى في السنة الدراسية الأولى كالإنجليزية مثلاً، بينما لا يتم تدريس قواعد اللغة العربية «اللغة الأم»،إلا في الصف الرابع الابتدائي.
وختاماً آمل أن يكون في طرح هذا الموضوع وسرد هذه الآراء ما يفسح المجال أمام المزيد من النقاش الجاد حول الثنائية اللغوية المبكرة والله من وراء القصد.
'معهد الإدارة العامة - الرياض
هوامش:
مقدمة ابن خلدون تحقيق درويش الجويدي المكتبة العصرية لبنان طبعة 1422ه.
ميجل سيجوانMiguel Siguan)وليم مكاي William Mackey). 1987م التعليم وثنائية اللغة ترجمة إبراهيم القعيد ومحمد عاطف مجاهد جامعة الملك سعود بالرياض.

أعلـىالصفحة رجوع


















[تعريف بنا] [للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [البحث] [خدمة الإنترنت] [المسائية] [الجزيرة] [موقعنا]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved