أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Tuesday 18th September,2001 العدد:10582الطبعةالاولـي الثلاثاء 1 ,رجب 1422

محليــات

لما هو آتٍ
القشور اللّغوية!!
د.خيرية إبراهيم السقاف
للّغة أيَّة لغةٍ مزيَّة التَّطوع على ألسنة أهلها...، ولعلَّ من مظاهر هذا التَّطوع ما يمارسه عامَّة أهل هذه اللّغة أو تلك من تطويعها لأغراضهم، فيلوون بها ألسنتهم، ويعيثون بها تبديلاً، وقلباً، ونحتاً، واشتقاقاً، واختزالاً، واستهلاكاً بحسب ما يميّز أهدافهم، ويصل إلى معانيهم...
وهذه الخاصة للُّغات تقود إلى نمطية تفكير أهل اللّغة...
قادني إلى هذه الحقيقة ما يُوقفني دوماً عند استخدامٍ سطحي لكلماتٍ ذات دلالات، محددة تنمُّ عن معاني لها بلاغاتها الهامّة!!، فإذا بالقوم يستخدمونها للتّظاهر وليس للتّخابر...!!
وتذكَّرت ما يطلقونه عن شخص ما يحرص على إسباغ أعماله بصفات أوسع منها، فيقولون عنه: إنه «مبالغ»...
والمبالغة هي إضفاء أردية أوسع على تكوين أضيق، أو أكبر على ما هو أصغر، أو وَسْم شيء بما ليس فيه...
غير أنَّ استخدام اللّغة في غير مكانها ليس وحده خطأ استخدامي ينمّ عن عدم فهم، أو عدم قدرة في التعبير، أو خروج عن دائرة المعاني، أو خطأ في الدلالة...،
وإنّما هو استخدام ينمّ عند الفهم، والتَّعمّد على التسطُّح، وعدم الثّقة في ذكاء المتعامل مع هذا الاستخدام، أو ذلك، أو من باب التَّعالي كي تثبت صورةٌ ما في أذهان الآخرين، عن تمكُّن هذا المستخدِم للّغة في غير مكانها...
ولعمري إنَّ هذه معضلة اللّغة حديثاً على أيدي، وليس ألسنة أصحابها...
ويدخل من ضمن هذا الأمر كلُّ «موجةٍ» تكون اللّغة طرفاً فيها...، فعند قضية «تفجير اللّغة» و«تحديث اللّغة» جاءنا العجب على ألسنة القوم، حتى تحيَّر عامة النَّاس بين الرمز، والغموض، وبين المفهوم، وغير المفهوم، وبين الكاتب البوهيمي، والكاتب الواضح...
أمّا وأنَّ اللّغة تُستخدم قشورها بلبِّها، ويستخدمها «الأكاديميون» بهدف الإيغال في ممارسة «تظاهرة» التَّميّز» الذي يمارسونه، أمام كلِّ من يتعامل معهم ممن لم يبلغ ما بلغه الأكاديمي في سلَّم درجات «التّعليم»، وليس بالضرورة العلم. فإنَّ ذلك ضربٌّ من ضروب العبث بالآخر، والعبث باللّغة.
ولعلَّ النَّماذج في ذلك الضَّاربة في عمق الاستهلاك القشوري للّغة في شكل رصفٍ لكلماتٍ ٍذات دلالاتٍ أكبر مما تُستخدم له، أو أعقد ممَّا تعنيه!!، لتجدها جليَّةً واضحةً في كثير من مستهلكات هؤلاء الأكاديميين في الجامعات مع طلابهم، وطالباتهم من جهة، وهي مدوَّنةٌ عناوينَ لمسميات كثيرٍ من المقررات للمراحل المختلفة، وعلى وجه التخصيص للمراحل العليا «الماجستير والدكتوراه» وكأنّي بها وهي توضع تخرجُ من فمِ من اقترحها مفخَّمةً معظَّمةً، تُسكت السَّامع بجزالتها، وفخامتها، فيصمتُ أمامها، بينما لو اختير عنوان «المقرر» بما يتماشى مع المفردات التي وُضعت له، لجاء معبراً واضحاً سهلاً ذا دلالة!!...
والعودة إلى كثير من مسمَّيات المقررات الدراسية للمراحل العليا وسواها، ومقارنتها، بمفردات ما تصوّره واضعوها، تنمّ عن فكرة هذا المقال، إذ تقود إلى الوقوف على نمطية تفكير من وضعها، وإلى شيء من قدرته، ومستواه، واستيعابه لما استخدم...
لذلك نجد الفجوة بين المستهلَك من اللّغة على الألسنة، والمختصَّة على وجه التَّحديد، وبين واقع هذه اللّغة...
فلقد تهاوت من جهة، ولقد تعقَّدت من جهة أخرى...
ومن حيث تطوَّعت، ومن حيث طُوِّعت، فإنّها أُنْتهكت!.
ولعلَّ معرفة الغرض الأساس من استخدام الحرف قبل الكلمة، قبل الجملة، وإدراكه أدراكَ مستوعبٍ فاهمٍ ملمٍّ، لهو السبيل إلى احترام اللّغة، وعدم التَّطاول على لبِّها بقشورها...، أو قسْرها على ارتداء ما لا يُناسبها، أو سَتْر ما لا تُناسبه.

أعلـىالصفحةرجوع




















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved