أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Monday 15th October,2001 العدد:10609الطبعةالاولـي الأثنين 28 ,رجب 1422

مقـالات

إعادة النظر في الذات وتقويمها!
يوسف بن محمد العتيق
قال الكاتب الإنجليزي كيت كينان في كتابه «تنظيم وتفعيل الذات»:
تنظيم الذات هو أمر لا يهم سوى القليل من الناس، مع أن الحياة ليست لباسا نرتديه ثم نخلعه، وكما هو معروف أن هنالك فرصة واحدة يمكن الحصول عليها، سواء عملت لمؤسسة كبيرة، أو تدير أعمالك الشخصية للمنزل، فإنه لأمر حيوي أن تستفيد الاستفادة القصوى من الفرص التي تتاح لك.
ومعظم الناس يريدون أن يحققوا الأفضل من ناحية الأداء، فأولئك الذين يحققون قدراً من النجاح هم الناس السعداء والمنتجون، لذلك فإن موضوع التحكم بالذات بطريقة فعالة هو مفتاح النجاح ا.ه.
هذا ما قاله هذا الكاتب وهو يحث الآخرين على استغلال الفرص عن طريق التحكم في الذات بطريقة علمية وفعالة، لكيلا يتخذ الفرد قراراً ذاتياً محضاً، وبالطبع تكون النتيجة في الغالب الندم على قراره هذا، لكن ألا يحق لنا أن نجعل ما قاله مدخلاً على سؤال عريض يتبعه مجموعة من التساؤلات:
من منا لم يندم على قرار اتخذه؟!
كلنا ذاك الشخص الذي يتخذ القرار بدراسة أو بدون دراسة ثم يندم عليه، وستبقى هذه القرارات المندوم عليها ما بقي إنسان، وما بقي القرار...
لكن هناك فئة قليلة من الناس تتخذ قرارات كثيرة ولا تندم إلا على القليل من هذه القرارات الكثيرة، وهذه الفئة القليلة لا يشترط أن تكون غنية، ولا يشترط أن تكون طاعنة في السن جربت الأمور وعرفت الكثير من القضايا ولا يشترط أن يكون حولها الكثير من المستشارين..
بلا شك ان توفر المال والخبرة والسن والمستشار معين بشكل كبير في اتخاذ القرار، لكن هناك مطلب أولي داخلي في صاحب القرار، قبل أن يكون صاحب قرار ورأي، قبل أن يكون قراره ورأيه وبالا عليه.
ومن أجل هذا كان لزاماً على كل صاحب قرار أن يعيد النظر بين فترة وأخرى في نواة القرار الأولى في ذاته حتى لا يخرج القرار منه إلا بصورة جيدة أو قريبة من الجودة، وبعد ذلك إن لم يكن قراره مناسبا فسيكون أقرب للجودة من غيره.
فعلينا جميعا التأمل في ذواتنا ومعرفة ما لدينا من السلبيات فنتجنبه ونحذره، وما لدينا من الإيجابيات فنبقي عليه ونطوره.
ومن الضروري علينا جميعا أن ننظر بشكل حازم وصارم لا يقبل المجاملة في ذواتنا إذ ان الذات هي مصنع القرار الأول ثم يخرج ليكون واقعاً ملموساً.... وهنا يكون تغير القرار أو التراجع عنه صعباً أو مستحيلاً... هل قام أحد منا بدراسة تسلسلية لقراره منذ نواته الأولى حتى خروجه بشكل نهائي؟ وكما تقدم «القليل» من الناس من يقوم بهذا الأمر الذي يجب أن يكون عند الكثير منا بل الجميع!
هل قام أحد منا بتأمل في صورة خروج القرار من عنده، هل هو يخرج بعد دراسة؟ أم في ثوان معدودة؟ هل هو يخرج في لحظة تعقل؟ أم في فترة رضا وتسامح؟ أم في لحظة غضب وانفعال؟ أم ردة فعل مؤقتة، لو لم يأت لها مسبب لما خرج قراره؟
لا شك أن الغضب والرضاء وردة الفعل يجب ألا يغيبا عن ذهن صاحب القرار، لكن لا يكون الغضب أو الرضاء هما اللذان يصنعان القرار!! هل القرار لدينا من أول صدور إلى نفاذه يخرج بصورة فردية لا يرجع فيها إلى صغير ولا كبير أم أن القرار لدينا يخرج بعد تقليب النظر فيه مع أهل الاختصاص والتجربة؟
ليس عيباً أن يخرج أحدنا بعد نقده الصريح مع ذاته أن لديه بعض القصور في إخراجه للقرار، بل هذا أمر ايجابي أن يكون الاعتراف بالفشل في قرار واحد أو أكثر بدل أن يكون الاستمرار صفة ملازمة لنا ولما يصدر عنا من قررات «قليلة» أو «كثيرة» لا شك أن من أهم فوائد الجلسة الصادقة مع الذات ومحاولة إعمال الحركة النقدية تجاه النفس ستولد لدى صاحبها قدرة أكبر على صناعة القرار.
ويحضرني هنا كلمة قالها الإمام الجليل الحسن البصري حيث قال: التفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك. وهنا شبه الحسن البصري عملية تقويم الذات بالمرآة.
فكثير من الناس دائماً ما ينظر في المرآة، وينظر في وجهه، إن كان في عينيه بقية آثار نوم يزيله وإن كان في أسنانه ما يدعو للإزالة فإنه يزيلها.. الخ. والمهم انه يستفيد من المرآة في عملها وهو تبين الصورة للأشياء الظاهرة، وهذا أمر جيد ومطلوب.
وهذا هو دور المرآة في الأشياء المحسوسة والمشاهدة، لكن الحسن البصري قصد بالمرآة هنا الأمور غير المشاهدة، وهو مكان صنع القرار في الذات، القرار الحسن والسيىء، لذلك دعاك إلى التفكر، وهو ما يعبر عنه بمحاسبة النفس عند علماء آخرين أو تقويم الذات....
اختلفت وتنوعت التعبيرات لكنها اتفقت على أهمية النظر في الذات وغربلتها بين فترة وأخرى وأن الشخص مهما بلغ به الذكاء لا بد أن يتأمل في نفسه، فهل يعي هذا فئة كبيرة من الناس لا يكلف نفسه عناء التفكير لدقائق حتى يخرج قراره بصورة ترضيه هو وترضي غيره؟ وكما قيل قديما الوقاية خير من العلاج والوقاية في صنع القرار هي التفكير في ظروف خروجه ليكون قراراً صائبا، قبل الاضطرار للعلاج وهو تعديل القرار أو الندم أو الاعتذار أو...
وختاماً: ليكن في علمك عزيزي القارئ الكريم أن الدعوة إلى التأمل في الذات قبل صنع القرار ليس من لوازمها التأخر في صنع القرار، بل المقصود التأمل في كيفية خروجه، وهذه لا تكلفك وقتا كثيراً، بل تركها قد يكلف الكثير والكثير من الوقت، فهل ستجلس مع نفسك وتتأمل في آخر خمسة قرارات صدرت منك وتقوم بعملية نقدها نقداً صريحا منذ كانت في ذهنك وذاتك قبل أن تخرج إلى حيز الوجود؟

أعلـىالصفحةرجوع

















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved