أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Tuesday 16th October,2001 العدد:10610الطبعةالاولـي الثلاثاء 29 ,رجب 1422

فنون مسرحية

في اختتام المهرجان المسرحي الخليجي للفرق الأهلية
الإماراتيون يتوجون في عرس المسرح الخليجي
الحوسني أفضل ممثلة مسرحية
الورثان يحصل على أفضل ممثل دور ثانٍ
* الدوحة أثير السادة:
(1)
اختتمت يوم الثلاثاء الماضي فعاليات المهرجان المسرحي السابع للفرق الأهلية لمجلس التعاون لدول الخليج العربي الذي انعقد في دولة قطر خلال الفترة من 1 إلى 9 اكتوبر الجاري بمشاركة ست فرق خليجية.
كل شيء في المهرجان كان ينبئ عن حرص واهتمام كبيرين للارتقاء بهذه المناسبة التي تتكرر كل سنتين والانتفاع من هذا الملتقى الذي يجمع خلاصة التجارب والخبرات المسرحية في الخليج والوطن العربي.. مهرجان له وزن كما يبدو من التحضير المكثف والهالة الإعلامية المحيطة بالحدث وقائمة الضيوف التي حوت اسماء ما زالت تمنح التجربة المسرحية العربية نصيبها من الحياة والتدفق.
بيان أول للنهاية كان فاتحة العروض المسرحية لكنه خارج المسابقة.. عرض سعى إلى تقديم تجربة مسرحية خليجية مشتركة. فالنص الذي كتبه العراقي أحمد هاتف وأخرجه القطري سعد أبورشيد تقاسم أدواره عبدالمحسن النمر من السعودية وعائشة عبدالرحمن من الإمارات وجمعان الرويعي وأميرة محمد من البحرين وناصر المؤمن من قطر وخليل زينل من الكويت وفخرية خميس من عمان.
كان الشعر اشد كثافة في هذا العرض، درجة عالية من الانفعال والاندفاع ناحية التصوير الشعري كانت تقيد فسحة اللعب الجمالي فيه حيث كان الحصار والحرب السبب في تواجه تلك الارواح المتشظية. تفاصيل سوداوية ترسمها أنامل هاتف المعتلج بأحزان الرافدين، جعلت من فضاء العرض الذي تنتصب فيه نوافذ شاهقة الارتفاع غير متساوية الاضلاع صورة من هشيم الروح وانكسار احلامها، الأحلام التي نطالعها على لسان المؤدين على طريقة الذاكرة الاسترجاعية.
أداء متميز واجتهادات اخراجية إلا انها غير كافية أمام ورطة نصية كتلك التي نستشعر معها وكأن العرض بيان شعري مقطع وهو تقطيع لم يمنحه القدرة على التمسرح بنحو تام.
توالت العروض بعد ذلك بمستويات وافكار متباينة، وبايقاع متذبذب صعودا وهبوطا لازم المهرجان حتى نهايته.
مهمة شاقة كانت تنتظر لجنة التحكيم التي تكونت من د. ابراهيم غلوم، د. جواد الأسدي، د. هدى النعيمي، د. عبدالرحمن بن زيدان، الفنانة منى واصف، الاستاذ عبدالعزيز السريع والفنان أحمد عبدالحليم.. وللانصاف يمكن القول انهم تمكنوا من الوصول إلى قسمة منصفة في توزيع جوائز المهرجان على العروض الستة دون الوقوع في شرك المجاملات ومعادلات التقسيم التي لاتحتكم إلى مقاييس الابداع.
(2)
«باب البراحة» الإماراتية أول عروض المسابقة وأوفرها نصيبا من الجوائز، يحملنا فيها مرعي الحليان في أول تجربة كتابية له إلى مأوى للعجزة، نستمع فيه إلى هذيان أربعة من هؤلاء العجزة في قالب تهكمي برع الفنانون أحمد الأنصاري وعبدالله صالح وابراهيم سالم ومرعي الحليان في تكثيفه أدائيا.. «باب البراحة» إضاءة فاقعة على عذابات الشيخوخة.. عذابات الاغتراب والحرمان التي ارتأى ناجي الحاي تصويرها في فضاء بصري متقشف. انه عالم الحاي الذي يعتني كثيرا باللاشعور كخزان للآمال والمخاوف ويميل إلى التكوين الاخراجي البسيط في مفرداته.
ما من عرض حظي بشبه الاجماع على فرادته وجماله كهذا العرض الذي امتاز بتماسك الخطاب المسرحي وتناغم الأداء الجماعي واستحق على ذلك جائزة أفضل نص وأفضل ممثل نالها الأربعة بالتساوي إضافة إلى جائزة العرض المتكامل.
وإذا لم يعتن «باب البراحة» بمنح فاطمة الحوسني المرأة الوحيدة في العرض مساحة أدائية فاعلة تقاتل فيها جاذبية الحضور الذكوري للاربعة، فان عرض «أيفا» لفرقة الصواري البحرينية قد جعل من رانيا غازي طرفا فاعلا في بنية النص، محورا دراميا داخل العرض بما ترك لها امكانية تحقيق حضور مسرحي لافت استحقت لأجله جائزة أفضل ممثلة دور اول.
و«ايفا» إذا جاز التعبير مطالعة مسرحية في دفتر الديكتاتورية التي ذاقت مرها الأرجنتين في واحدة من حقبها السياسية الماضية، بعد موت ايفا بيرون ونفي اخوان بيرون إلى اسبانيا يصوغ من تفاصيلها الكاتب السوري وليد فاضل نصا يقتحم البناء الهش للذات الإنسانية يزيل عنها اقنعتها، لتبقى عارية في مساحة التمرئي التي يشيدها بصريا خالد الرويعي في مغامرة جمالية محسوبة بدقة، تنزع للتحرر من التشكيلات التقليدية للفضاء المسرحي، والضوابط البونية لعملية الاتصال فيه، من أجل دفع المتلقي اكثر فأكثر داخل اللعبة، تعزيزا لحميمية العرض، كما يتبدى في البنية المعمارية للفضاء المسرحي التي يتوزع فيها الجمهور في اتجاهات مختلفة بينما تجري الأحداث المسرحية أمامهم وحولهم وفي كل الاتجاهات.
إنه معسكر اعتقال كبير يحيله الرويعي فضاء للعرض، حيزا لممارسة الفعل المسرحي، نرى فيه كيف تستحيل هذه المعتقلات مسالخ بشرية.. نعاين ذلك منذ اللحظة التي ندلف فيها إلى هذا المعسكر فنشاهد أجساداً متدلية وأشباح رؤوس مقطعة.. شحنة انفعالية عالية تحقننا بها هذه المشاهدات الأولية، تعمل على تهيئتنا انفعاليا للخوض في مناخ العرض المتوتر دائماً.
المكان مليء بالتفاصيل، تفاصيل تحيل على الفضاء الفعلي بمجازية لا تلغي منحي العرض الواقعي لكنها تمثله دلاليا بمكونات تطاول الاثر الحسي، فالسقالات بحجمها ومساحة حضورها وبمستوياتها المتعددة والأخشاب المتصلة بها، توفر امكانية الإحساس بوحشة المكان وقسوته الذي يتأتى من دلالاتها الرمزية وتكوينها المادي.
في هذا العرض، الكاميرا المحمولة ترصد لنا زوايا بعيدة عن مرمى النظر، تأخذنا إلى ملامسة الشخصيات في انفعالها عبر صورة مقربة كاشفة، تسهم في تأكيد المضمون الانفعالي لهذا المشهد أو ذاك، في إفادة لافتة من معطيات التقنية الفيلمية.. كذلك الاضاءة كانت دائما عنصرا فاعلا في بناء المشهد الدرامي، في توجيه انتباه الجمهور وتحديد بؤر الفعل المسرحي.
«ايفا» مغامرة سنوغرافية غنية استحقت إلى جانب جائزة افضل ممثلة جائزة أفضل سينوغرافيا للفنان خالد الرويعي الذي شيّد عالمها البصري.
أما جائزة الاخراج فجاءت من نصيب القطريين عن عرض «مغرم هل الشوق» للمؤلف المخرج عبدالرحمن المناعي.
و «مغرم هل الشوق» التي قدمتها فرقة الدوحة المسرحية في فضاء قلعة الكوت التاريخية هي امتداد لتجربة عبدالرحمن المناعي المشغول بالتراث وموضوعاته والذاهب بعيدا في كشفه عن الطاقة الدرامية للموضوعة التراثية.. التجربة التي تستحيل عالما من الابتكار والاشتغال على مسرحة مفردات هذا التراث.
هذه المرة يلامس المناعي صورة الاستبداد التركي الذي طاول المنطقة في فترات الحكم العثماني، صورة الخوف والخنوع لمجتمع انصرفت همومه صوب تأمين لقمة العيش، يعيد خلق العلاقات الإنسانية في مناخات تقرب من روح المكان تلك القلعة وبيت السعف والبئر وسواها من المفردات تسمح بمعايشة حسية لمظاهر الحياة هناك، تملك القدرة على تحفيز الذاكرة والإفادة من خزينها.
أم الحصى في العرض قرية تعيش الانتظار، انتظار سعد الغائب في رحلته البحرية لبيع لؤلؤ تجار القرية، وانتظار خلف بن حسين الذي يغدو منقذا منتظرا، حقيقة غائبة تتعلق بها آمال الباحثين عن الحرية، هنا يصبح الحصى رمزاً لتطلعات البناء والتحرر، فيما اللؤلؤ يخزل انشغالات الناس المادية وسلبيتهم. وحدها الشخصيات المهمشة والمقموعة تستطيع البوح والمواجهة، فالمرأة صوت يصدح دون خوف إلى جانب المجنون الذي يمارس الحرية والتمرد في بياناته الشعرية فيما تبقى أرواح أهل القرية ترسم أنينها في عبارات الموال والحانه. وقد نالت الفنانة البحرينية هدى سلطان جائزة أفضل ممثلة دور ثان عن دور «سعادة» في هذا العرض.
(3)
العروض الأخرى اخفقت على الأرجح في تقديم ما يقنع برصيدها وطموحها المسرحي، بان الارباك وسوء الاعداد وربما قلة الحيلة وان بتفاوت على تلك العروض.. السعوديون اجتهدوا في وقت ضيق اجتهد المخرج راشد الورثان في انقاذ اجتهادات نص الحافة لعبدالعزيز اسماعيل كما بذل الممثلون جهدا مثله للخلاص من طقس عرضهم الأخير الزاوية المظلمة. جاءت التجربة غير متماسكة وان بدا لافتاً اصرار المخرج على رفع سوية العرض الجمالية وتكثيف المشهد دلاليا دون التورط كثيرا بالافكار التقليدية في التعامل مع مادته المسرحية التي تنبسط بقليل من التعقيد الدرامي عبر ثنايا النص، وتبدو اقرب في نواياها إلى نمط مألوف في المسرح الخليجي عرف بانشغاله بتصوير الماضي، ونمطية الصراع بين القديم والحديث، وذلك عبر الافادة من مفردات السينوغرافيا في تأثيث الفضاء المسرحي.
مفردات العرض كانت تجنح إلى التبسيط، اعتبارات جمالية تقف وراء الاكتفاء بخلفيات قماشية بيضاء وسوداء، وعدد من النوافذ والأبواب، وهي علامات دائمة التحول في مشاهد العرض، قد نذهب للقول بتمكن الورثان من توظيفها دلاليا، ودفقها بطاقة تعبيرية انجزت جزءاً مهما من تفاصيل المشهد المسرحي ولو كانت في بعض الأحيان تتبدى كافتعال تشكيلي يمحو جاذبية التماسك الدلالي للمشهد نرى ذلك في انقلاب النافذة قضبانا للرغبة المأسورة بالزواج من مريم، بعد ان كانت نافذة للحلم وللرغبات.. لم ينسق المخرج وراء املاءات النص، جرد العرض من كثير من المقولات الواصفة فكان ان تحرر من نزعة سردية تسربت إلى النص كنتيجة للتكوين الهش الذي لايعدو في أحيان افراغا شعوريا للحظة تأمل عابرة.. ولعل ذلك ما دعا لجنة التحكيم للاحتفاء بالورثان بترشيحه لحضور دورات متقدمة في الاخراج إضافة إلى حصول الورثان نفسه على جائزة أفضل ممثل دور ثان عن دور الأعمى «أبو خلف».
أما العمانيون فلم يبرحوا اشكالات المسرح المدرسي حين عرضوا لقصة واقعية في «الفوز 58» فسقطوا في الخطابية والتنافر في معطيات الفضاء المسرحي فضلا عن عدم وجود رؤية اخراجية لحركة الممثلين في هذا الفضاء الذي عانى من كل اشكال الثرثرة.
وتكاد تكون التجربة الكويتية «طار برزقه» اكثر العروض مدعاة للاختلاف بين المتابعين.. فطار برزقه التي رشحت عن مهرجان مسرحي محلي كان هناك اتفاق على تدني مستوى عروضه الأمر الذي تبعه حجب لمعظم جوائز المهرجان آنذاك، عرض جنح إلى التبسيط الفج لموضوعته الدرامية التي تتناول عالم الشحاذين.. لم تتمكن فطامي العطار وهي التجربة الواعدة في عالم الكتابة المسرحية النسوية من التقاط البعد الإنساني لهذا العالم الشائك في تفاصيله.. هناك كوميديا متناثرة لكنها لم تفسح المجال للمساءلة أو للتهكم على أفعال نقف في الضد منها.. وربما كانت نهاية العرض بداية للبس الكبير الذي لحق بفكرة العرض وهو ما دفع الناقد البحريني يوسف الحمدان إلى التساؤل في تعليقه على العرض بالقول: كيف اقترح المخرج نهاية المسرحية بأن الناس كلهم شحاذون؟ ما البعد الفكري.. البعد التاريخي؟
هذه الأسئلة وغيرها ستلاحق على الدوام أولئك الكويتيين الذي أبدوا امتعاضهم من الخروج للمرة الثانية من المهرجان على التوالي دون جوائز، ولا بد لها ان تدخل الكويتيين في مرحلة المراجعة بدلا من الاكتفاء بالقول بان استبعاد الكويت من النتائج الغاء لتاريخ هذا المسرح بمثل ما يصف واحد من كبار الوفد الكويتي.

أعلـىالصفحةرجوع

















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved